الزواج السعيد الجزء الثالث
ليل الشك وصبح اليقين
بقلم مريم الحسن
كانت الأمسية قد ألقَت بظلالها الذهبية على أرجاء المنزل الكبير، حيث تتناثر عبق الياسمين من حديقة والدة زينب، مختلطًا برائحة القهوة العربية التي أعدتها جدة عبد الرحمن بنفسها. جلست زينب في شرفتها المطلة على الحديقة، وقلبها يخفق بين مشاعر متضاربة. تذكرت تلك الكلمات التي ألقاها عبد الرحمن في حفل الخطوبة، تلك النظرات التي لم تستطع فك طلاسمها. هل كانت فيها بشائر حب أم مجرد مجاملات اجتماعية؟
كانت والدة عبد الرحمن، السيدة عائشة، قد زارتهم عصر ذلك اليوم، وكان حديثها مع والدة زينب يحمل في طياته بعض الغموض. تحدثت عن ظروف عائلية دقيقة تخص عبد الرحمن، لم تفصح عن تفاصيلها، لكن نظرتها كانت تحمل قدرًا من القلق. "ابنتكم فخر لنا، ونعم الزوجة ستكون. لكن عبد الرحمن... مر ببعض الظروف الصعبة قبل أن يهديه الله." هذا ما قالته السيدة عائشة، وما زاد الأمر تعقيدًا هو إحجامها عن التوسع في الشرح، والاكتفاء بعبارة: "الوقت كفيل بكشف كل شيء، وإن شاء الله سيقدر لها تحمل مسؤولية رجل له ماضٍ."
تساءلت زينب في نفسها: ما هو هذا الماضي الذي تحدثت عنه والدة عبد الرحمن؟ هل يتعلق الأمر بزيجات سابقة؟ لمحت عينيها على خاتم الخطوبة الذي يتلألأ في إصبعها، هدية عبد الرحمن، رمز الرباط الذي لم يبدأ بعد. هل كان هذا الخاتم يحمل ثقلًا أكبر مما تظن؟
وفي غرفة أخرى، كان عبد الرحمن يتفحص تقريرًا طبيًا في يده. كانت ملامحه قد اكتست بمسحة من التعب، وعيناه تحملان ثقلًا لا يفهمه إلا هو. لقد مرّ بأيام عصيبة، أيام كادت أن تودي به. تفكيره في زينب كان دائمًا مصدر قوته، ورؤيتها البريئة والمشرقة كانت تبعث فيه الأمل. لكنه كان يخاف. يخاف أن يكشف لها عن حقيقته، عن الجرح الغائر الذي لم يندمل تمامًا.
كانت والدته، السيدة عائشة، قد نصحته مرارًا بالصدق. "يا بني، زينب فتاة نقية، قلبها طيب. إذا أحبت، أحبت بصدق. ولا يجوز أن تبدأ حياتها معك وأنت تخفي عنها ما قد يؤثر على مستقبلها. الصدق هو أساس كل بناء متين." كانت كلمات والدته كبلسم لجرحه، لكن الخوف ظل يتسلل إلى روحه.
في صباح اليوم التالي، ذهبت زينب مع والدتها لشراء بعض مستلزمات تجهيز منزل الزوجية. وبينما كن يتجولن في أحد الأسواق القديمة، لمحتا عمة عبد الرحمن، السيدة لطيفة، وهي تتحدث بحرارة مع إحدى السيدات. اقتربت منها والدة زينب، وحيّتها. ابتسمت السيدة لطيفة ابتسامة ودودة، لكن وجهها بدا متوترًا بعض الشيء.
"أهلاً يا أم حسن، نورتِ. كيف حالك؟ وكيف حال العروسة الجميلة؟" قالت السيدة لطيفة. "الحمد لله، بخير. وفرحتي بزواج ابنتي على ابنك لا توصف. عبد الرحمن شاب طيب وخلوق." ردت والدة زينب. تنهدت السيدة لطيفة قليلاً، وقالت بصوت خفيض: "نعم، عبد الرحمن طيب، ولكن... الحياة قد تبتلي الإنسان بما لا يتوقعه." نظرت والدة زينب إليها باستغراب، وتساءلت: "ماذا تقصدين يا خالتي؟" ترددت السيدة لطيفة للحظة، ثم قالت: "لا أريد أن أخيفكِ، ولكن... عبد الرحمن مرّ بتجربة قاسية جدًا قبل سنوات، كادت أن تفتك به. كانت محنة نفسية قوية جدًا، وتعافى منها بفضل الله ودعوات والدته. لكن الأثر بقي. هو رجل قوي، ولكنه يحتاج لمن يفهمه ويحتويه."
شعرت والدة زينب ببرودة تسري في عروقها. "محنة نفسية؟ وما طبيعتها؟" "لا أعلم التفاصيل كاملة، ولكن سمعت أنها كانت بسبب ضغوط شديدة وتجارب مؤلمة. ولكن لا تقلقي، لقد تجاوز الأمر. فقط... كوني صبورة وحنونة معه. قد يحتاج لبعض التفهم في بعض الأحيان." قالت السيدة لطيفة، وبدت عليها علامات الندم على ما أفصحت به.
عادت زينب إلى منزلها تلك الليلة وقلبها يعتصر بالألم والقلق. هل كانت تلك العبارات مجرد تحذيرات مبطنة؟ هل كان هناك سر كبير يخفيه عبد الرحمن؟ نظرت إلى صورته التي تزين طاولة جانبية في غرفة جلوسها. شاب وسيم، ابتسامته هادئة، وعيناه تحملان بريقًا خاصًا. ولكن الآن، بدأت ترى في تلك العيون شيئًا آخر، شيئًا غامضًا ومؤلمًا.
وفي المقابل، كان عبد الرحمن يشعر بضيق في صدره. كان قد أبلغ والده برغبته في الكشف لزينب عن كل شيء. "يا أبي، لم يعد بإمكاني الصمت. زينب تستحق أن تعرف كل شيء قبل أن نصبح زوجين رسميًا. لا أريد أن تبدأ حياتنا كذبة." تنهد والده، الحاج محمود، وقال بصوت حكيم: "أتفهم يا بني. ولكن اختيار الوقت المناسب للكشف عن أمر كهذا أمر مهم. هل أنت متأكد أنك مستعد لمواجهة رد فعلها؟" "أنا مستعد لأي شيء، طالما أني قلت الصدق. لا أريد أن أعيش في خوف دائم من انكشاف الأمر." قال عبد الرحمن بحزم.
اتصل عبد الرحمن بزينب. "زينب، هل تسمحين لي بلقائك غدًا؟ لدي أمر مهم جدًا أرغب في التحدث معكِ بشأنه." كان صوته يحمل بعض التوتر. "بالتأكيد يا عبد الرحمن. هل كل شيء على ما يرام؟" سألت زينب بصوت خافت. "كل شيء على ما يرام، إن شاء الله. ألقاكِ غدًا بعد صلاة العصر في الحديقة المطلة على النهر؟" "موافقين."
في تلك الليلة، لم تنم زينب إلا قليلاً. كانت تفكر في كل كلمة قيلت لها، في كل نظرة، في كل إشارة. هل كان حب عبد الرحمن حقيقيًا؟ أم كان مجرد محاولة لتجاوز ماضٍ أليم؟ كان قلبها ينادي بالثقة، ولكن عقلها كان يتردد، مثقلًا بعبء الشكوك. كانت تنتظر الغد، تنتظر بصيص نور يكشف لها الحقيقة، أو يزيد من ظلامها.