الزواج السعيد الجزء الثالث
اعتراف في حضرة النهر
بقلم مريم الحسن
حلّ الغد، وشمس الظهيرة تلقي بأشعتها الدافئة على مدينة الخير، فيما كان عبد الرحمن ينتظر زينب عند المكان المتفق عليه. كانت الحديقة المطلة على النهر، ببساتينها الغناء ونسيمها العليل، قد شهدت على لقاءات كثيرة، ولكن هذا اللقاء كان يحمل ثقلًا خاصًا. وصل عبد الرحمن قبل الموعد، وجلس على أحد المقاعد الخشبية، يتأمل صفحة النهر الهادئة. كانت مشاعر الاضطراب والخوف تمتزج في داخله مع رغبة قوية في التحرر.
وصلت زينب، وكان وجهها يحمل أثر التفكير العميق. اختارت فستانًا بلون السماء الهادئ، وبدت هادئة من الخارج، لكن قلقًا كان يرتسم في عينيها. حيّت عبد الرحمن بابتسامة باهتة. "مساء الخير يا عبد الرحمن." "مساء النور يا زينب. سعيد بلقائك." رد، وحاولت ابتسامته أن تكون مطمئنة، ولكنها لم تصل إلى عينيه.
جلسا بجانب بعضهما، والصمت يلفهما للحظات. ثم بدأ عبد الرحمن الحديث، بصوت كان يحمل بحة لم تعهدها زينب من قبل. "زينب، أشكرك على قدومك. لدي أمر جلل أريد أن أبوح لكِ به، أمر يتعلق بحياتي، وأخشى أن يؤثر على حياتنا المستقبلية إن لم تعرفيه مني أولاً."
نظرت زينب إليه، وقد اشتد قلقها. "تفضل يا عبد الرحمن. أنا أسمعك." أخذ عبد الرحمن نفسًا عميقًا، وبدأ بسرد قصته. لم تكن قصة عادية، بل كانت رحلة في أعمق أعماق المعاناة الإنسانية. "قبل عدة سنوات، كنت شابًا طموحًا، أؤمن بأن الدنيا لي. ولكن القدر كان له رأي آخر. مررت بظروف قاسية جدًا، متعلقة بخسارة مالية فادحة، وتراكمت عليّ الديون، وتعرضت لضغوط هائلة من كل جهة. في تلك الفترة، شعرت وكأن الأرض تنشق وتبتلعني."
صمت عبد الرحمن للحظة، وكأنه يستجمع قواه لاستعادة تلك الذكريات المؤلمة. "لقد فقدت الأمل، ودخلت في حالة من اليأس الشديد. استسلمت للإحباط، ولم أعد أرى أي نور في نهاية النفق. في تلك الفترة، تعرضت لوعكة صحية شديدة، ليس جسدية بالدرجة الأولى، بل نفسية. فقدت السيطرة على نفسي، وكنت أفقد وعيي في بعض الأحيان. وصلت الأمور إلى درجة أنني فكرت في إنهاء حياتي."
شعرت زينب بأن قلبها يكاد يتوقف. لم تتخيل يومًا أن الشاب الذي أحبته، والذي بدا هادئًا وقويًا، قد مرّ بهذا الجحيم. "الحمد لله أن الله رحمك يا عبد الرحمن. وماذا حدث بعد ذلك؟" سألت بصوت مختنق.
"والدتي، رحمها الله، كانت كالملاك الحارس. هي من سهرت على راحتي، وهي من قادتني إلى العلاج. خضعت لجلسات علاج نفسي، وتلقيت المساعدة من مختصين. كانت فترة عصيبة، ابتعدت فيها عن الناس، وحاولت أن أعيد بناء نفسي من جديد. كانت مرحلة قاسية جدًا، ولكنها علمتني معنى الصبر، ومعنى قوة الإيمان، ومعنى قيمة الحياة."
"ولكن... هناك أمر آخر، يا زينب. أمر قد يكون صعبًا عليكِ سماعه." قال عبد الرحمن، وترددت نبرته. "ما هو؟" سألت زينب، وشعرت بأن هناك شيئًا أثقل في كلامه.
"في تلك الفترة المضطربة، في لحظة ضعف شديد، ارتكبت خطأً. خطأً أندم عليه أشد الندم، خطأً خالف كل مبادئي وقيمي. لقد... تزوجت زواجًا عرفيًا من فتاة كانت في حياتي وقتها، وكانت على علم بظروفي. ولكن هذا الزواج لم يستمر، ولم يتم توثيقه رسميًا، وفسخته بعد فترة قصيرة جدًا، حين استعدت وعيي وقدرتي على التفكير بشكل سليم. لم يكن زواجًا شرعيًا بالمعنى الكامل، ولم يستمر إلا أشهرًا قليلة، ثم انتهى."
ارتعش جسد زينب. زواج؟ حتى لو كان عرفيًا؟ هذه الكلمة كانت كالصاعقة. لم تكن تتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد. نظرت إلى وجه عبد الرحمن، ورأت فيه صدقًا واعتذارًا عميقًا. "وماذا حدث لتلك الفتاة؟" سألت بصوت مرتجف. "لم أكن أعلم بتفاصيل حياتها بعد الانفصال. لقد تركت لها ما تستحقه، وحاولت أن أنسى تلك الفترة. ولكنني أعلم الآن أنني لم أفعل الصواب، وأنني كنت مدينًا لكِ بمعرفة هذا الأمر." قال عبد الرحمن، وعيناه ترنوان إلى زينب بلهفة.
"لم أكن أعرف أنني سأواجه كل هذا. عندما تقدمت لخطبتك، كنت قد تبت من تلك الفترة، وكنت قد تخلصت من كل آثارها. اعتقدت أنني قد تجاوزت الأمر تمامًا. ولكن عندما بدأت أتحدث مع والدي عن الزواج بكِ، ألحّ عليّ أن أكون صريحًا معكِ. لأنه يعلم أنكِ فتاة استثنائية، وأنكِ تستحقين كل الصدق."
"هل... هل كان هناك أطفال؟" سألت زينب، وهو السؤال الذي كان يقف على طرف لسانها. "لا، لم يكن هناك أطفال. والحمد لله على ذلك." رد عبد الرحمن.
ساد صمت ثقيل بينهما. زينب كانت غارقة في التفكير. أمامها رجل شاركها إعجابها، ولكنه يخفي جراحًا عميقة. هل يمكن لقلبها أن يتسع لكل هذا؟ هل يمكن لحبها أن يتجاوز الماضي؟ "لقد صدمت يا عبد الرحمن." قالت زينب بصوت خفيض. "لم أتوقع شيئًا كهذا." "أعلم. وأنا أقدر صدمتك. أنا مستعد لأي قرار تتخذينه. أنا فقط أردت أن أكون صادقًا معكِ، لأنني أحترمكِ جدًا." قال عبد الرحمن، وبدت عليه علامات الاستسلام.
"أنا بحاجة إلى وقت يا عبد الرحمن. بحاجة للتفكير. ما قلته لي... ثقيل جدًا." قالت زينب، وهي تشعر بأن الدنيا قد دارت بها. "أتفهم ذلك تمامًا. خذي وقتكِ. لا تتعجلي في أي قرار. فقط اعلمي أنني صادق معكِ الآن، وأكثر من أي وقت مضى."
وقفت زينب، وبدت وكأنها لا تستطيع الوقوف بثبات. "سأتصل بك." "سأكون في انتظار اتصالك." قال عبد الرحمن، وقد ارتسم على وجهه خليط من الألم والأمل.
عادت زينب إلى منزلها، وقلبها مثقل. لم تعد ترى الأشياء كما كانت. هل كانت عيون عبد الرحمن البريئة تخفي كل هذا الألم؟ هل كان حبه لها حقيقيًا، أم كان مجرد محاولة للهروب من ماضيه؟ كانت تجلس وحيدة، تتصارع مع مشاعر متناقضة، وتنتظر أن يأتي الفجر ليمنحها بعض الوضوح.