الزوج المجهول الجزء الثالث
صدى الرحيل في صحراء الروح
بقلم مريم الحسن
كانت رياح الصحراء، تلك الأنغام الأزلية التي تعزف على أوتار الرمال، تحمل معها همسات ماضٍ لا يزال يسكن الروح. وقفت "ليلى"، في أوج شموخها، تحت سماءٍ غطتها نجومٌ كأنها جواهرٌ متناثرةٌ في عباءة الليل المخملية. كانت العزلة هي رفيقتها الأبدية في هذا المكان النائي، بيت جدها العتيق الذي تسربت إليه رائحة التاريخ ممزوجةً بأريج البخور والعود. لم يكن مجرد بيت، بل كان متحفاً حياً لقصصٍ نسجها الأجداد، شاهداً على حياةٍ امتزج فيها الصبر بالإيمان، والعزيمة باليقين.
كانت تمسك بين يديها نسخةً باليةً من "ألف ليلة وليلة"، لا تقرؤها، بل تتأمل غلافها المتهالك، تتخيل الأصابع التي مرت عليه، والعيون التي ارتوت من حكاياتها. في تلك الليلة، لم تكن الصفحات وحدها التي حملت سحر الأساطير، بل كانت روحها هي المستودع الأكبر. كانت تنتظر. انتظارٌ اعتادت عليه، صار جزءاً من نسيج حياتها، لكنه في تلك الليلة كان يتشابك مع قلقٍ خفي، وشوقٍ لا تقوى على تفسيره.
بينما كانت ترصد الأفق المتوهج بضوء القمر، انقطع سكون الصحراء بقعقعةٍ بعيدةٍ قادمةٍ من الطريق الترابي. ضوءٌ خافتٌ يلوح في الأفق، يكبر شيئاً فشيئاً. قلبها تسارع نبضه، ليس خوفاً، بل ترقباً. منذ رحيل والدتها، لم يزرها أحدٌ إلا نادراً، ومعظم الزيارات كانت تحمل أخباراً أقل ما توصف به أنها مبهجة.
ترجّلت بخطواتٍ رزينةٍ نحو البوابة الخارجية، يرافقها صوت حذائها الخفيف على الحصى. كل خطوة كانت تحمل ثقل السنوات التي مرت، وثقل الأسرار التي لم يُكشف عنها بعد. وعندما اقترب الوافد، تيقنت أنه لم يكن مجرد زائرٍ عابر. كانت السيارة فارهةً، حديثةً، لا تشبه ما اعتاده أهل القرية. ومنها نزل رجلٌ، لم يكن وجهه مألوفاً، لكن قامته المهيبة وهيبته الصامتة ألقتا بظلالٍ قويةٍ على المكان.
توقف الرجل أمامها، صامتاً لبرهة، كأنه يزنها بعينيه قبل أن ينطق. ثم مد يده، لا ليصافح، بل ليقدم ظرفاً سميكاً. "آنسة ليلى؟" سأل بصوتٍ عميقٍ، يخلو من أي تعبير، لكنه يحمل سلطةً لا تخفى.
أومأت ليلى برأسها، وهي تتسلم الظرف. كان وزن الأوراق بداخله يوحي بالكثير. "من أنت؟ وماذا تريد؟" سألت بصوتٍ ثابت، حاولت أن تخفي به رجفةً خفيفةً سرت في أوصالها.
ابتسم الرجل ابتسامةً باهتة. "اسمي 'خالد'. وأنا هنا لأبلغكِ رسالةً هامة. رسالةٌ من شخصٍ يهتم لأمركِ، ويهتم لأمر مستقبلٍ ما زال قيد التشكيل."
أشارت له بالدخول، ورافقته إلى الديوان. الديوان الذي شهد لقاءاتٍ عديدة، نقاشاتٍ حادة، ووعوداً غامضة. ولكن هذه المرة، كان الجو مشحوناً بتوترٍ مختلف. جلس خالد على أحد الكراسي العتيقة، وبدأ بفتح الظرف. بينما كانت ليلى تراقب حركاته، محاولةً قراءة ما يدور في ذهن هذا الرجل الذي اقتحم سكون ليلها.
"السيد 'صخر' أرسلني," قال خالد، وهو يسحب ورقةً مطويةً بعناية. "وهو يتابع أخباركِ منذ فترة."
صخر. اسمٌ أصبح محاطاً بهالةٍ من الغموض منذ أن سمعته لأول مرةٍ على لسان والدتها قبل سنواتٍ من رحيلها. رجلٌ غامض، ثري، صاحب نفوذٍ واسع، ولكنه كان دائماً مجرد ظلٍ، أسطورةٍ تتردد.
"ماذا يريد مني؟" سألت ليلى، وقد شعرت بأن قلبها يدق بجنون.
"يريد أن يعرض عليكِ فرصةً. فرصةً قد تغير مجرى حياتكِ." بدأ خالد بقراءة ما في الورقة، بصوتٍ آليٍ خالٍ من المشاعر. "بما أنكِ، يا آنسة ليلى، قد بلغتِ سن الرشد، وبما أن الظروف قد اقتضت ذلك، فإن السيد صخر يتقدم بخطبة يدكِ. باسمه."
تجمدت ليلى في مكانها. خطبة؟ باسمه؟ كيف؟ ولماذا؟ لم تره قط، ولم تتحدث إليه، ولا تربطها به أي صلةٍ واضحةٍ سوى خيطٍ رفيعٍ من ذكرى قديمةٍ لوالدتها.
"هل أنتِ جادة؟" سألت، وكأنها لم تسمع جيداً. "هو... هو حقاً يريد أن يخطبني؟"
"هذا ما ورد في الرسالة، سيدة ليلى. وهو عرضٌ جادٌ، مقدمٌ وفقاً لتعاليم ديننا الحنيف. وهو يقدم لكِ كل الضمانات التي قد تحتاجينها. وسيتم ترتيب كافة التفاصيل الشرعية والقانونية."
كانت الكلمات تتساقط على مسامعها كالحجارة. لم تكن مستعدةً لهذا. كانت تعيش حياةً هادئة، وإن كانت مليئةً بالحنين والشوق. كانت تفكر في مستقبلها، ولكن ليس بهذه السرعة، وليس بهذه الطريقة.
"ولكن... لماذا؟" سألت، وهي تنظر إليه بعينين واسعتين. "ما الذي يربطني به؟"
"هناك... قصةٌ عائليةٌ قديمةٌ تربط بين السيد صخر وعائلتكم،" أجاب خالد، وقد بدت عليه علامات التردد. "تفاصيلها ليست على عاتقي. ولكن المهم هو العرض. هو مستعدٌ لتوفير كل سبل الراحة والسعادة لكِ. وهو يؤمن بأن هذا الزواج هو الحل الأمثل لضمان مستقبلٍ كريمٍ لكِ."
"ضمان مستقبلٍ كريم؟" تكررت الكلمات في ذهنها. هل كانت حياتها الحالية غير كريمة؟ هل كانت بحاجةٍ إلى "ضمان"؟ نظرت حولها في الديوان، إلى المقتنيات القديمة، إلى رائحة التراب والعود، إلى البساطة التي عاشت فيها. لم تكن حياتها تعيسة، بل كانت حياتها. حياةٌ اختارتها، وعاشت فيها بكرامةٍ وصبر.
"ومن هو السيد صخر هذا؟" سألت، وقد استجمعت كل ما لديها من رباطة جأش. "هل رأيته من قبل؟ هل تحدثت إليه؟"
"السيد صخر رجلٌ أعمالٍ معروف، له سمعته الطيبة ومكانته الرفيعة. بالنسبة للقائكما... لم يتم بعد. ولكنه مستعدٌ للقاءكِ في أي وقتٍ يناسبكِ."
وقفت ليلى، وتوجهت نحو النافذة. الأفق الصحراوي الشاسع بدا وكأنه يعكس اتساع الألغاز التي أحاطت بها. هل كانت هذه خطوةً نحو حياةٍ أفضل، كما يزعم خالد؟ أم كانت فخاً، سراً قديماً يُكشف غطاؤه بطريقةٍ مفاجئةٍ ومدوية؟
"أنا بحاجةٍ إلى وقتٍ للتفكير،" قالت بصوتٍ متعب. "هذا... هذا أمرٌ كبير."
"بالطبع، سيدة ليلى. السيد صخر يتفهم ذلك. ولكن رجاءً، لا تدعي هذه الفرصة تفوتكِ. هو يقدم لكِ عرضاً سخياً، يتضمن... " بدأ خالد يعدد مزايا العرض، ولكلماتٍ فقدت معناها في أذني ليلى.
جلست على مقعدٍ خشبيٍ قديم، وهي تشعر بأن كل ذرةٍ في جسدها تشتعل بالأسئلة. من هو صخر؟ وما هي القصة العائلية القديمة؟ ولماذا الآن؟ هل كان هذا الزواج مجرد صفقةٍ، أم كان هناك ما هو أعمق، شيءٌ يتعلق بماضي عائلتها، بوالدتها؟
نظرت إلى خالد، الذي كان يواصل حديثه بهدوءٍ متصنع. أدركت أن هذه الليلة لم تكن مجرد ليلةٍ عادية. كانت بداية فصلٍ جديد، فصلٌ قد يكتب بماء الذهب، أو قد يغرق في بحرٍ من الأسرار. كان الصمت الذي يلف الصحراء بعد رحيل خالد، بعد أن غادر تاركاً خلفه الظرف الثقيل والأسئلة الأثقل، أشد وطأةً من أي ضجيج. وكانت ليلى، وحيدةً تحت سماء الصحراء، تحمل على عاتقها عبء قرارٍ مصيري، قرارٍ قد يحدد مصير روحها، مصير "الزوج المجهول".