الزوج المجهول الجزء الثالث
خيوط متشابكة وحقائق دفينة
بقلم مريم الحسن
في تلك الغرفة المكتظة بالذكريات، حيث استوطن الغبار رفوف الكتب القديمة، وبين ركام الأوراق التي نسيتها الأيام، كان حسام ينقب. كانت يداه ترتجفان وهو يقلب في صندوقٍ خشبيٍّ قديمٍ، احتضن بين جنباته ماضياً يبدو أنه كان يتكتم عليه. كل ورقةٍ وجدها، كل رسالةٍ قرأها، كانت تشبه ضربةً قويةً في قلبه، تعيد فتح جروحٍ ظن أنها قد برأت.
كانت هناك رسائلٌ مكتوبةٌ بخطٍ لم يتعرف عليه حسام في البداية، لكن بعدتمعنٍ، أدرك أنه خط والده. كانت الرسائل موجهةً إلى شخصٍ مجهول، تتحدث عن ترتيباتٍ سريةٍ، وعن خططٍ تحتاج إلى تنفيذٍ بعيداً عن الأنظار. كان يتحدث عن "حمايةٍ خاصةٍ" و "مخاطرَ محدقةٍ". وشيئاً فشيئاً، بدأ يفهم. والدُه، السيد منصور، كان يعلم شيئاً عن خطره، أو عن الخطر المحتمل الذي كان يهدد آمال.
ثم وجد صورةً، صورةٌ له وهو طفلٌ مع والده، سعادةٌ غامرةٌ تشرق على وجهيهما. لكن تحتها، كانت هناك صورةٌ أخرى، صورةٌ لآمال، تبدو أصغر سناً بكثير. كانت عيناها تحملان بريقاً من الطفولة البريئة، وثقةً مطلقةً. وكانت هناك ملاحظةٌ مكتوبةٌ بخطٍ أقرب إلى خط والدته. "الأمانة التي حملها أبي، والأمانة التي أصبحت في عهدة حسام."
ارتعش جسد حسام. أمانة؟ ما هي هذه الأمانة؟ و لماذا شعر والده بحاجةٍ ماسةٍ لكتمان الأمر؟ هل كان الخطر الذي كان يتحدث عنه والده متعلقاً بآمال؟ وهل كانت تضحيته، و ابتعاده عنها، هو لحمايتها من هذا الخطر؟ بدأ يجمع الخيوط المتشابكة. لقد كان يعلم أن هناك تفاصيلَ لا يعرفها، وأن هناك مؤامراتٍ ربما حيكت حول عائلته، وحول آمال. كان يشعر بالغضب يتصاعد في صدره، ليس على والده، بل على الظروف التي أجبرته على الكتمان، وعلى الألم الذي سببه لآمال.
في هذه الأثناء، في قصر عائلة آمال، كانت الشيخة فاطمة تشعر بقلقٍ متزايدٍ على ابنتها. كانت ترى كيف أن آمال بدأت تنغلق على نفسها، وكيف أن الشوق والحيرة قد خيمتا على روحها. "آمال يا ابنتي،" قالت لها ذات يومٍ وهي تجلس معها في حديقة القصر، حيث تتفتح أزهار الورد بألوانها الزاهية، "قلبُكِ بدأ يذبل. لا تدعي الحزن يطغى على روحكِ. الحياةُ قصيرةٌ، ولا تحتملُ التأجيل." "لكن يا أمي، ماذا أفعل؟ إن كان هو قد اختار البعد، فما لي إلا أن أتقبل. لكن صمته يقتلني. لماذا لم يقل لي شيئاً؟" "ربما يا عزيزتي، لديه أسبابٌ وجيهةٌ. ربما كان الأمرُ فوق طاقته. ولكن، لا يمكنكِ أن تبقي هكذا إلى الأبد. يجب أن تتجاذبي أطراف خيوط الأمل، وتبدئي في بناءِ يومكِ، حتى لو كان ذلك بصعوبةٍ."
في منزل حسام، كان السيد منصور يراقب ابنه. كان يرى الشحوب على وجهه، والتوتر الذي يكتنفه. "يا حسام،" قال له بصوتٍ هادئٍ، "أرى أنك تحملُ عبئاً ثقيلاً. هل هناك ما تريد أن تشاركني إياه؟" تردد حسام قليلاً، ثم قرر أن يصارحه بما وجده. "يا أبي، لقد وجدتُ صندوقاً قديماً في مكتبي. وكان فيه أوراقٌ ورسائلٌ تخصك. وأرى أنها تتحدث عن أمرٍ ما، عن أمانةٍ، وعن خطرٍ." نظر إليه منصور بعينين تحملان شيئاً من الحزن والندم. "لقد كنتُ أخشى هذه اللحظة يا بني. كنتُ أخشى أن تعرفَ الحقيقةَ قبل الأوان." "ما هي هذه الحقيقة يا أبي؟ وما هي الأمانة؟" "الأمانة يا حسام، تتعلقُ بعائلةٍ عزيزةٍ علينا، عائلةٍ كنا نأمل أن تكون جزءاً من عائلتنا. يتعلق الأمرُ بحمايةِ من نحب، وحمايةِ ما نملك." بدأ منصور يكشف لابنه عن قصةٍ معقدةٍ. كانت هناك خلافاتٌ قديمةٌ بين عائلتيه وعائلةٍ أخرى، خلافاتٌ لم تنتهِ، وبقيت تبعاتها عالقةً. كانت هناك تهديداتٌ قديمةٌ، وشكوكٌ حول نوايا بعض الأطراف. كانت آمال، بجمالها وطيبتها، تمثل رمزاً لهذه العائلة، وربما تكون هدفاً. "لقد رأيتُ في آمالِ فتاةً فريدةً، وفتاةً تستحقُ كل خير. أردتُ أن أجمعَ بينكما، وأن أؤمنَ لكما مستقبلاً آمناً. ولكن، كانت هناك مخاوفٌ من أن استخدامِ زواجكما، قد يكون وسيلةً للضغطِ على عائلتكِ، أو للإضرارِ بكم. ولذلك، قررتُ أن أكونَ حذراً، وأن أمنعَ أيَ ارتباطٍ مباشرٍ حتى تتضحَ الأمور." "ولكن يا أبي، لماذا لم تخبرني؟ تركتني أتخبطُ في ظلامٍ، وأتخذُ قراراتٍ مؤلمة؟" "لقد كنتُ أريدُ أن أحميكَ يا بني. أردتُ أن تكونَ قوياً بما يكفي لتفهمَ هذه الأمور، ولتتعاملَ معها. ولكن، يبدو أنني أخطأتُ التقدير. لقد كبرتَ الآن، وأصبحتَ رجلاً. والآن، أتركُ لكَ القرار. يمكنكَ أن تكشفَ الحقيقةَ، أو أن تستمرَ في الطريقِ الذي سلكتُه."
شعر حسام بالثقلِ يزدادُ على كتفيه. لقد كانت هذه المعلوماتُ صادمةً، ومؤلمة. لقد كان يعتقد أنه يتصرفُ بدافعِ الحبِ والحماية، ولكنه الآن يدركُ أنه كان سجيناً لما يعتقدهُ صواباً. "يا أبي،" قال بصوتٍ عميقٍ، "لا يمكنني أن أستمرَ هكذا. لقد آلمتُ آمال، وآلمتُ نفسي. يجبُ أن أصححَ ما أخطأتُ فيه."
عاد حسام إلى غرفته، وبدأ يقرأُ الرسائلَ مجدداً. كانت هناك تفاصيلُ لم ينتبه إليها في المرةِ الأولى. كانت هناك إشاراتٌ إلى شخصٍ معينٍ، شخصٍ كان له دورٌ في إثارةِ الشكوكِ والفتن. شخصٌ كان على ما يبدو، يحاولُ تدميرَ العلاقاتِ بين العائلتين. بدأت صورةٌ واضحةٌ تتشكلُ في ذهنه. كان لديه الآن اسمٌ، وكان لديه سببٌ. كان لديه هدفٌ. قرر حسام أن يذهبَ إلى آمال. لم يعد بإمكانهِ الانتظار. لم يعد بإمكانهِ تركها تعاني. لكنه كان يعلمُ أن المواجهةَ لن تكونَ سهلةً. وأن الكشفَ عن هذه الحقيقةِ قد يثيرُ المزيدَ من المشاكل.
في تلك الليلة، بينما كان حسام يجهزُ نفسه للقاءِ آمال، كانت ريم، أخت آمال الصغيرة، تلعبُ في حديقةِ منزلهم. كانت تركضُ وتضحكُ، تلتقطُ الزهورَ وتضعُها في سلةٍ صغيرةٍ. وبينما كانت تتجولُ قربَ السياجِ، سمعتُ صوتاً خافتاً. صوتٌ يتحدثُ عن "صفقةٍ" و "تدميرٍ" و "خيانةٍ". توقفت ريم، وأخفت نفسها خلفَ شجرةٍ قريبةٍ. كانت ترى رجلينِ يقفانِ قربَ السياجِ، يتحدثانِ بصوتٍ منخفضٍ. لم تفهم كلَ ما كانا يقولانه، لكنها شعرتُ بوجودِ خطرٍ. "هل أنتَ متأكدٌ من أن كلَ شيءٍ سيسيرُ كما خططنا؟" قالَ أحدهما. "بالتأكيد. بعدَ كلِ هذا الوقت، لم يعدْ لدى الفتاةِ سوى الصبرِ. وسوفَ ننهي كلَ شيءٍ قريباً." "وهل أنتَ متأكدٌ من أن حسامَ لن يتدخلَ؟" "حسامُ مشغولٌ بنفسهِ. ولن يستطيعَ فعلَ شيءٍ." شعرت ريمُ بالبردِ يتسللُ إلى عظامها. لقد فهمتْ شيئاً. فهمتْ أن هناكَ من يريدُ أن يؤذيَ أختها. عندما عادَتْ إلى الداخل، أخبرتْ والدتها بما سمعتْ. استمعتْ الشيخةُ فاطمةُ بقلقٍ، وحاولتْ أن تفهمَ. كانت تعلمُ أن هناكَ قوىً خفيةً تعملُ في الظلامِ.
في تلك الليلة، لم ينم حسام. كان قلبهُ يدقُ بسرعةٍ، وذهنهُ مشغولٌ. كان عليهِ أن يواجهَ آمال، وأن يشرحَ لها، وأن يطلبَ منها المسامحة. كان يأملُ أن تفهمَ، وأن تتفهمَ دوافعهُ. لكنه كان يعلمُ أن الطريقَ إلى قلبها سيكونُ طويلاً وصعباً. كانت خيوطُ الحياةِ متشابكةً، والحقائقُ كانت تتكشفُ ببطءٍ، ولكن بعنفٍ. هل سينجحُ حسامُ في إصلاحِ ما أفسدَ؟ وهل ستجدُ آمالُ السلامَ الذي تبحثُ عنهُ؟ كانت الليلةُ طويلةً، ومليئةً بالأسئلةِ. وكانت الشمسُ على وشكِ أن تشرقَ، لتكشفَ عن بدايةٍ جديدةٍ، ربما.