الزوج المجهول الجزء الثالث

لقاءٌ فوقَ ركامِ الماضي

بقلم مريم الحسن

كان الليلُ قد استقرَّ تماماً، يخيمُ بوشاحهِ الأسودِ على مدينةٍ تنامُ أغلبَ أحيائها، لكنَّ قلوبَ أبطالنا كانتْ مستيقظةً، تعجُّ بالاضطرابِ والأملِ المشوبِ بالحذر. قررَ حسامُ أن يذهبَ إلى منزلِ آمال. لم يعدْ يتحملُ ثقلَ الأسرارِ في صدرهِ، ولا وقعَ كلماته المؤلمةِ على روحِها. كانَ يدركُ أن الخطوةَ القادمةَ هي الأكثرُ حساسيةً، وأنها قد تكونُ بدايةَ النهايةِ، أو نهايةَ البدايةِ.

وصلَ إلى بواباتِ القصرِ، شعرَ بخفقانٍ متزايدٍ في قلبهِ. كانتْ أضواءُ القصرِ خافتةً، تعكسُ هدوءاً ظاهرياً يخفي خلفهُ الكثيرَ من القصصِ. تقدمَ نحو البابِ، وطرقهُ برفقٍ. فتحَ لهُ أحدُ الخدمِ، ونظرَ إليهِ بتعجبٍ. "آمالُ في غرفتها،" قالَ الخادمُ بصوتٍ مترددٍ، "ولكنها لا تستقبلُ أحداً." "أرجوكَ،" قالَ حسامُ بنبرةٍ ملؤها الإلحاحُ، "إنها مسألةٌ مهمةٌ جداً. سأنتظرُ حتى تأذنَ لي."

في تلكَ الأثناءِ، كانتْ آمالُ تجلسُ في غرفتها، تتأملُ القمرَ الذي يطلُّ من النافذةِ. كانتْ تسترجعُ كلَ لحظةٍ، كلَ كلمةٍ، كلَ نظرةٍ. الحيرةُ قد سكنتْ روحها، والشوقُ قد أصبحَ رفيقَها. عندما سمعتْ بصوتِ حسامِ، شعرتْ بارتباكٍ شديدٍ. هل جاءَ ليعتذرَ؟ أم ليتركها للأبدِ؟ بعدَ لحظةٍ من الترددِ، قررتْ أن تذهبَ إليه. نزلتْ الدرجَ بخطواتٍ متثاقلةٍ، وقلبها يخفقُ بعنفٍ. وجدتهُ يقفُ في إحدى الغرفِ المطلةِ على الحديقةِ، ينتظرُ بصبرٍ.

"حسامُ،" قالتْ آمالُ بصوتٍ يكادُ يكونُ همساً، "لماذا أنتَ هنا؟" نظرَ إليها حسامُ، وشعرَ بأن كلَ ما أرادَ قولهُ قد تبخرَ. كانتْ تبدو لهُ أكثرَ جمالاً، وأكثرَ هشاشةً مما كانَ يتذكرُ. "آمالُ،" بدأَ بصوتٍ حاولَ أن يجعلَهُ ثابتاً، "لقد جئتُ لأتحدثَ إليكِ. هناكَ أمورٌ كثيرةٌ يجبُ أن تعرفيها." "أمورٌ؟" سألتْ آمالُ، وفي صوتها مزيجٌ من الأملِ والشكِ، "بعدَ كلِ هذا الصمتِ، جئتَ لتتحدثَ؟" "نعم،" قالَ حسامُ، "لم يكنْ صمتي اختياراً، بل كانَ ضرورةً. ضرورةً لحمايتكِ، ولحمايةِ ما بيننا." بدأَ حسامُ يحكي قصةَ والدهِ، وقصةَ الأمانةِ، والتهديداتِ التي كانتْ تحومُ حولَ العائلتينِ. روى لها عن المخاوفِ التي كانتْ تجعلُ والدهُ يتخذُ قراراتٍ متأنيةً، وعن رؤيتهِ لمستقبلٍ آمنٍ لهما. "لقد كنتُ أظنُ أن ابتعادي عنكِ هو الحلُ الوحيدُ،" قالَ بصوتٍ مكسورٍ، "كنتُ أظنُ أنني أحميكِ من عالمٍ لا تفهمينه، عالمٍ قد يؤذيكِ. ولكنني الآنَ أدركُ أنني كنتُ مخطئاً. لقد سببتُ لكِ ألماً كبيراً، وهذا ما يؤلمني أكثرَ من أيِ شيءٍ آخر."

استمعتْ آمالُ إلى كلماته، وكانتْ تشعرُ بمشاعرَ متضاربةٍ. جزءٌ منها كانَ يصدقُه، يرى الصدقَ في عينيهِ، ويعرفُ طيبةَ قلبهِ. والجزءُ الآخرُ كانَ ما زالَ يحتفظُ بجراحِ الماضي، وبألمِ الغيابِ. "ولكنكَ لم تتحدثْ،" قالتْ آمالُ بصوتٍ يعلوهُ الحزنُ، "لقد تركتني أتخبطُ في ظلامٍ، أتساءلُ عن السببِ، وعن الخطأِ الذي ارتكبتُه. لقد فقدتُ الثقةَ، حسامُ. كيفَ يمكنني أن أثقَ بكَ مجدداً؟" "أعلمُ أن الأمرَ صعبٌ،" أجابَ حسامُ، "ولكنني سأبذلُ قصارى جهدي لأستعيدَ ثقتكِ. لقد تعلمتُ الكثيرَ من هذهِ التجربةِ. تعلمتُ أن الصدقَ، حتى لو كانَ مؤلماً، هو أفضلُ من الصمتِ الذي يتركُ ألفَ سؤالٍ بلا جواب."

وبينما كانا يتحدثانِ، كانتْ ريمُ، أختُ آمالُ، تقفُ عندَ بابِ الغرفةِ، تسمعُ ما يدورُ بينهما. لم تفهمْ كلَ التفاصيلِ، لكنها فهمتْ أن هناكَ من كانَ يريدُ إيذاءَ آمالِ، وأن حسامَ كانَ يحاولُ حمايتها. وربما، بدأتْ تفهمُ أيضاً أن حسامَ لم يكنْ سيئاً، بل كانَ لديهِ أسبابهُ.

بعدَ فترةٍ من الصمتِ، أمسكَ حسامُ بيدِ آمالِ، وضمها بحنانٍ. "آمالُ، أنا لا أطلبُ منكِ أن تسامحيني فوراً، ولكنني أطلبُ منكِ فرصةً. فرصةً لأثبتَ لكِ أنني ما زلتُ أحبكِ، وأنني مستعدٌ لبناءِ مستقبلٍ جديدٍ معكِ، مستقبلٍ مبنيٍّ على الصدقِ، وعلى السترِ، وعلى حبٍّ حلالٍ." نظرتْ آمالُ إلى حسامِ، ورأتْ في عينيهِ صدقاً وعذاباً. كانتْ تعرفُ أن قلبهُ لم يكنْ قاسياً، وأن أفعالهُ كانتْ نابعةً من ظروفٍ معقدةٍ.

في تلكَ اللحظةِ، دخلتْ الشيخةُ فاطمةُ الغرفةَ. كانتْ تراقبُ المشهدَ بصمتٍ، وتفهمُ ما يدورُ في خاطرِ ابنتها. "يا آمالُ،" قالتْ بصوتٍ حنونٍ، "القلبُ عندما يحبُ، يكونُ غالباً مستعداً للغفرانِ. ولكن، الثقةُ تحتاجُ إلى وقتٍ وبناءٍ. إذا كنتِ تشعرينَ بأن هناكَ فرصةً، فمن حقكِ أن تمنحيها." نظرتْ آمالُ إلى والدتها، ثم إلى حسامِ. شعرتْ بأنها تستطيعُ التنفسَ مجدداً. "حسامُ،" قالتْ بصوتٍ واضحٍ، "سأمنحكَ فرصةً. ولكن، يجبُ أن تعرفَ أنني لن أسمحَ بتكرارِ ما حدثَ. وأن الصدقَ هو الأساسُ." ابتسمَ حسامُ، ابتسامةٌ خفيفةٌ لم تصلْ إلى عينيهِ بعدُ، لكنها كانتْ بدايةَ الأملِ. "شكراً لكِ آمالُ. وشكراً لكِ يا خالتي. لن أخذلَكما."

في صباحِ اليومِ التالي، بدأتْ الأخبارُ تنتشرُ بينَ العائلتينِ. لم يكنْ الجميعُ سعيداً بهذا التطورِ. كانَ هناكَ من لا يزالُ يحملُ ضغينةً، ومن كانَ يرى في هذا التقاربِ تهديداً لمصالحهِ. السيدُ منصورُ، والدُ حسامُ، كانَ سعيداً جداً بهذا التقاربِ. لقد رأى في ذلكَ نهايةً لمعاناتهِ، وبدايةً لحياةٍ جديدةٍ. "لقد فعلتَ الصوابَ يا بني،" قالَ لحسامِ، "الحياةُ ليستْ فقطْ بناءَ ثروةٍ، بل هي أيضاً بناءُ أسرةٍ متينةٍ."

لكن، بينما كانَ حسامُ وآمالُ يستعدانِ لبدايةٍ جديدةٍ، كانَ هناكَ شخصٌ يخططُ في الظلامِ. الشخصُ الذي كانَ يريدُ تدميرَ كلَ شيءٍ. لقد سمعَ عن لقائهما، وعن عودتهما إلى بعضهما البعضِ. وشعرَ بغضبٍ شديدٍ. "لن أسمحَ لهم بالسعادةِ،" همسَ لنفسهِ، "سأجدُ طريقةً لأفرقَ بينهما مرةً أخرى، وسأكشفُ كلَ الأسرارِ التي يحاولونَ إخفاءها."

كانتْ الشمسُ قد أشرقتْ، تحملُ معها أملاً جديداً، ولكنها كانتْ أيضاً تكشفُ عن الظلالِ التي كانتْ لا تزالُ تخيمُ على حياةِ أبطالنا. هل ستكونُ هذهِ الفرصةُ كافيةً لتجاوزِ الماضي؟ أم أن الأعداءَ الخفيينِ سيجدونَ طريقةً لإشعالِ نارِ الفتنةِ من جديدٍ؟ كانتْ الشعلةُ قد أُوقدتْ، لكنْ هل ستضيءُ الطريقَ أم ستحرقُ كلَ شيءٍ؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%