الزوج المجهول الجزء الثالث

رحلة البحث عن السكينة

بقلم مريم الحسن

كانت نسمة العلي، وهي تقف على شرفة منزل والدها الوارف، تتأمل غسقاً يلفّ الأفق بوشاحه الأرجواني، وترسم خيوط الأمل في سماءٍ أثقلتها غيوم القلق. لم يهدأ لها بال منذ ذلك اللقاء المفاجئ، وذلك الصمت الذي كان أبلغ من ألف كلمة. كلمات "الزوج المجهول" ما زالت تتردد في أروقة ذاكرتها، تطرح أسئلة أكبر من أن تجيب عليها وحدها. هل كان لقاءً عابراً أم بدايةً لشيءٍ عميق؟ وهل يمكن لقلبٍ اعتاد هدوء الحياة الهانئة أن يستقبل أمواجاً متلاطمة كهذه؟

تنهدت بعمق، مستنشقةً عبير الياسمين الذي تسلل من حديقة المنزل. تذكرت كيف كانت الأيام تمضي هادئة، مليئةً ببركة العبادات، ودفء العائلة، ويسر العيش. كانت حياتها أشبه بجدولٍ صافٍ ينساب بين الجداول، دون أن يعكر صفوه أي صوتٍ عالٍ أو شعورٍ شاذ. لكن ذلك الرجل، بكلماته المعدودة ونظرته الثاقبة، قد أحدث تصدعاً صغيراً في جدار هذا الهدوء.

"يا ابنتي، هل ما زلتِ هنا؟" صوت والدتها الحنون اخترق شرودها.

استدارت نسمة، مبتسمةً ابتسامةً باهتة. "كنتُ أتأمل يا أمي."

اقتربت والدتها، ووضعت يدها على كتفها بحنان. "لا أدري ما الذي يشغل بالكِ يا نسمة. تبدين شاردة الذهن منذ عودتكِ من عند خالتكِ."

جلست نسمة بجانب والدتها على الأريكة المخملية. "الأمر ليس مهماً يا أمي. مجرد أفكار."

"الأفكار وحدها لا تشتت الألباب هكذا. هل هناك ما أستطيع مساعدتكِ فيه؟" سألت والدتها، وعيناها تلمعان بالاهتمام.

لم تجد نسمة بداً من البوح بجزءٍ صغيرٍ مما يثقل صدرها. "قابلتُ شخصاً عند خالتكِ... كان الحديث معه... غريباً."

رمشت والدتها ببطء، وحاولت فك طلاسم كلمة "غريب". "غريباً كيف؟ هل كان غير لائق؟"

"لا، ليس كذلك. بل على العكس. كان محترماً جداً، ومتديناً، ولكن... هناك شيءٌ في حديثه، وفي عينيه، ترك أثراً. كأنه يعرفني، أو كأن ما قاله كان موجهاً لي شخصياً، بالرغم من أننا لم نلتقِ قبل ذلك."

تأملت والدتها ابنتها ملياً. كانت تعرف نسمة جيداً. ابنتها ليست ممن يتوهم أو يبالغ. إذا قالت أن الأمر ترك أثراً، فالأمر يستحق التوقف عنده. "ومن هذا الشخص يا ابنتي؟ هل تعرفينه؟"

"لا. ولم أسأله عن اسمه. كان الأمر سريعاً. قال جملتين فقط، ثم انصرف."

"هذا أغرب. لماذا تتحدثين عن رجلٍ لا تعرفينه؟"

"لأن ما قاله... كان عن البحث عن السكينة. وكأنني أنا من كنتُ أبحث عنها. وكأن حديثه كان إجابةً عن سؤالٍ لم أطرحه بعد."

صمتت الوالدة لحظة، تفكر. كانت تدعو الله دائماً أن يرزق ابنتها زوجاً صالحاً، يعينها على دينها ودنياها، وأن يملأ حياتها سعادةً وهناءً. ولكنها تعلم أيضاً أن الأرزاق تأتي بأشكالٍ متعددة، وأن بعض الأشياء تحتاج إلى سعيٍ ودعاء.

"يا ابنتي، قد يكون هذا من كيد الشيطان ليُبعدكِ عن التركيز. أو قد يكون مجرد صدفة. لا تعطي الأمر أكبر من حجمه. استمري في عباداتكِ، ودعواتكِ. الله هو الميسّر. وإذا كان في هذا الأمر خيرٌ لكِ، فسيريه الله لكِ."

هزت نسمة رأسها، محاولةً إقناع نفسها بما قالته والدتها. ولكن شيئاً في داخلها كان يخبره بخلاف ذلك. كان هناك شعورٌ بأن هذا اللقاء لم يكن عابراً، وأن هذه الكلمات لم تكن اعتباطية.

في الأيام التالية، حاولت نسمة أن تعود إلى روتينها المعتاد. ولكن وجه الرجل الغريب، ونظرته، والعبارة التي قالها، كانت تطفو على السطح دائماً. ذهبت إلى المسجد، وأكثرت من قراءة القرآن، وحاولت أن تركز على دروسها في حفظ الحديث. ولكنها كانت تجد نفسها تعود بخيالها إلى ذلك المقهى الصغير، وصوت الرجل الذي لم تسمع اسمه.

في إحدى الأمسيات، كانت والدتها تحضر وليمةً لبعض الأقارب. انشغلت نسمة بمساعدة الخادمات، وترتيب الصواني، وترحيب بالضيوف. وبينما كانت تتبادل أطراف الحديث مع إحدى قريباتها، لمحته. كان يقف بعيداً، بالقرب من المدخل، يتحدث مع عمها. كان هو نفسه الرجل.

تجمدت نسمة في مكانها. قلبها بدأ يخفق بشدة. هل هو مصادفة أخرى؟ كيف يمكن أن يكون هناك؟

استجمعّت نسمة شجاعتها. لم تستطع أن تتجاهل الأمر هذه المرة. ربما كان هذا هو الوقت المناسب. استأذنت من قريبتها، وتوجهت بخطى واثقة نحو عمها.

"السلام عليكم يا عمي."

التفت عمها إليها مبتسماً. "وعليكم السلام يا ابنتي. كيف حالك؟"

"الحمد لله. هل لي بكلمةٍ عن هذا الرجل؟" أشارت نسمة إليه برأسها.

فهم العم قصدها. "هذا الشاب هو المهندس أحمد، ابن أخت صديقي القديم. جاء لزيارته. وهو شابٌ على خلق ودين، وفقه الله."

"المهندس أحمد..." رددت نسمة الاسم في سرها. بدا الاسم بسيطاً، ولكنه كان يحمل معه عالماً من الغموض.

"نعم. هل تعرفينه؟" سأل العم مستغرباً.

"لا يا عمي. ولكني... ألتقيت به قبل أيام قليلة، بطريقةٍ غريبة."

"غريبة؟"

"نعم. كنتُ عند خالتكِ فاطمة، ورأيته في المقهى المجاور. تحدثنا لدقائق معدودة."

ابتسم العم. "سبحان الله. الدنيا صغيرة. يبدو أن الأقدار تلتقي."

في تلك اللحظة، التفت المهندس أحمد. وقعت عيناه على نسمة. ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، وارتسمت في عينيه تلك النظرة التي عرفتها. وكأنه يرى فيها شيئاً لم يكن يتوقعه.

"يبدو أنكِ يا نسمة قد لفتِّ انتباه المهندس أحمد." قال العم مازحاً.

شعرت نسمة بحرارةٍ تصعد إلى وجنتيها. "دعنا من هذا يا عمي. هل بإمكاني التحدث إليه؟"

"بالطبع يا ابنتي. تفضلي."

توجهت نسمة نحو المهندس أحمد. كان صمتٌ قصيرٌ يخيم على اللحظة، يحمل ثقل المشاعر المتضاربة.

"السلام عليكم." قالت نسمة بصوتٍ متهدج قليلاً.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." أجاب أحمد، وعاد ذلك الهدوء الذي ألفته في صوته. "أهلاً بكِ مرة أخرى، يا آنسة نسمة."

"هل تسمح لي أن أسأل لماذا كنتَ هناك في ذلك اليوم؟"

ابتسم أحمد ابتسامةً خفيفة. "كنتُ أبحث عن مكانٍ هادئٍ للتأمل، ولتصفية الذهن. وكنتُ أتأمل في أحوال الناس، وكيف أن السكينة أصبحت غاليةً في هذا الزمان. ثم رأيتكِ."

"ورأيتني... وبدا لكِ أنني أبحث عن السكينة؟"

"لا. بل بدا لي أنكِ قد وجدتها، ولكنكِ لستِ واعيةً بها بعد. وكأنكِ تحملين كنزاُ عظيماً، ولا تعلمين قيمة ما تحملين. وأنا... كنتُ أتساءل ما هو هذا الكنز."

توسعت عينا نسمة. كان هذا أكثر مما توقعت. لم تكن تتوقع أن يشرح ما كان يدور في ذهنه بهذا الوضوح.

"ولماذا هذا الاهتمام؟" سألت نسمة، لا تزال تحاول فهم دوافعه.

"ربما لأنني أرى فيكِ ما تفتقده الكثيرات. النقاء، والهدوء، والوقار. وأنا... أبحث عن هذا في حياتي."

تحدث أحمد بصدق، دون تزيين أو تملق. كان واضحاً أن الكلمات صادرة من قلبٍ واعٍ، وبصيرةٍ نافذة.

"هل أنتَ هنا لزيارة صديق عمي؟" سألت نسمة، محاولةً كسر الجليد.

"نعم. جاء والدي لزيارته، وأحببتُ أن آتي معه. لقد سمعتُ عن سمعة هذه العائلة الطيبة، وعن أخلاقها الرفيعة. ولذلك... لم أتردد."

كانت هذه الجملة الأخيرة بمثابة مفتاحٍ جديدٍ لفهمٍ أعمق. لم يكن وجوده هنا محض صدفة، بل كان قراراً واعياً، مبنياً على معلومات.

"ولماذا أنتَ مهتمٌ بهذه العائلة بالذات؟" سألت نسمة، وعلامات الاستفهام تتزايد في عينيها.

"لأنها... تملك ما أبحث عنه. الطيبة، والتدين، والستر. وأنا... أبحث عن شريكة حياةٍ تسير معي في دروب الحياة، تعينني على طاعة الله، وتكون لي سكنًا ورحمة."

كانت كلماته تلامس وتراً حساساً في قلب نسمة. لم تكن تتوقع أن يكون لديه هذه النوايا الواضحة، وبهذه الصراحة.

"هل تقصد...؟" لم تستطع نسمة إكمال سؤالها.

"نعم. أقصدي... البحث عن الارتباط الشرعي. والزواج."

صمتت نسمة، وقلبها يعزف لحناً جديداً. مزيجاً من الدهشة، والخجل، والأمل. هل يمكن أن يكون هذا هو الطريق الذي أراده الله لها؟ هل يمكن أن يكون هذا اللقاء العابر، وهذا الحديث المبهم، بدايةً لحكايةٍ قد تكون أجمل ما قرأت؟

"أنا... لم أفكر في الأمر بهذه السرعة." قالت نسمة، بصوتٍ خفيض.

"وأنا لا أطلب منكِ التفكير في الأمر الآن. أطلب منكِ فقط... أن تسمحي لي بأن أتقرب منكِ بالحلال. أن أتعرف عليكِ أكثر، وتتعرفي عليّ. وأن نترك أمر البقية لله."

كان المهندس أحمد يبدو جاداً، ولكنه كان في الوقت نفسه يحمل ذلك الهدوء الذي يميزه. كان يريد منها فرصة. فرصة ليبني معها مستقبلاً، على أساسٍ متينٍ من التفاهم والاحترام.

"حسناً..." قالت نسمة، بعد لحظةٍ من التفكير. "ولكن... هل يمكننا أن نتحدث عن هذا لاحقاً؟ بعيداً عن أعين الناس؟"

"بالتأكيد. سأطلب من والدكِ الإذن لزيارتكم رسمياً. وإذا سمح، فسيكون لنا حديثٌ طويل."

ابتسمت نسمة. كان هذا أول لقاءٍ لها مع رجلٍ بهذه الجدية، بهذه البصيرة. كانت تشعر وكأنها قد وجدت مفتاحاً لغزٍ كان يحيرها.

"إلى اللقاء، المهندس أحمد."

"إلى اللقاء، الآنسة نسمة."

عادت نسمة إلى والدتها، وقلبها يضجّ بالمشاعر. كانت تشعر بأن شيئاً قد تغير. بأن باباً جديداً قد فُتح، وأن رحلة البحث عن السكينة قد تأخذ منحىً جديداً، ربما أجمل مما كانت تتخيل. ولكنها كانت تعلم أيضاً أن هذا الطريق لن يكون خالياً من التحديات. فالحياة، كما يقولون، ليست مجرد لقاءاتٍ عابرة، بل هي بناءٌ متينٌ، يحتاج إلى صبرٍ، وفهمٍ، ودعاءٍ متواصل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%