الزوج المجهول الجزء الثالث

ظلال الشكوك

بقلم مريم الحسن

مع كل زيارةٍ للمهندس أحمد، كانت نسمة تشعر بأنها تقترب أكثر من السكينة المنشودة. كانت تتحدث معه عن أحلامها، وعن طموحاتها، وعن مخاوفها. كان يستمع إليها باهتمامٍ بالغ، ويجيب عليها بصبرٍ وحكمة. كان يرى فيها شريكة الحياة، وليس مجرد زينةٍ لبيتٍ.

في إحدى الزيارات، وبعد أن اطمأن السيد خالد إلى أخلاق الشاب، وتحدث مع زوجته، قرر أن يطلب من أحمد أن يأتي لزيارتهم بصحبة والديه، للحديث في موضوع الخطبة بشكلٍ رسمي. كان ذلك بمثابة خطوةٍ كبيرةٍ نحو مستقبلٍ مشترك.

عندما سمعت نسمة بهذا القرار، شعرت بسعادةٍ غامرة، ولكنها أيضاً شعرت ببعض القلق. كانت تعلم أن الخطوبة هي مرحلةٌ تتطلب مزيداً من التعارف، والتفاهم، والاستعداد للمسؤوليات القادمة.

في يوم الزيارة، جاء المهندس أحمد بصحبة والديه. كانت والدته، السيدة أمينة، امرأةٌ كريمةٌ، ذات وجهٍ بشوش. ووالده، السيد عبد الرحمن، رجلٌ هادئٌ، وحكيم. استقبلتهم عائلة نسمة بحفاوةٍ بالغة، وبدأت المحادثات الرسمية.

كان السيد خالد، والد نسمة، يمثل عائلته بكل فخر. تحدث عن عاداتهم، وتقاليدهم، وعن أهمية الزواج في الإسلام. بينما تحدث السيد عبد الرحمن، والد أحمد، عن أخلاق ابنه، وعن رغبته في تزويجه من فتاةٍ صالحة.

"ابني أحمد،" قال السيد عبد الرحمن، "رجلٌ يتحمل المسؤولية، ويعرف حقوق الآخرين. وقد رأينا في الآنسة نسمة ما نبحث عنه في زوجة ابني. العقل، والدين، والأخلاق."

ابتسمت السيدة أمينة، وقالت: "نحن نثق في اختيار ابننا، ونرى أن هذه العائلة الكريمة هي الأنسب لتربية شابٍ مثل أحمد."

شعرت نسمة بالفخر، والارتياح. كانت ترى في والدي أحمد ما رأته في أحمد نفسه، من احترامٍ، وتدين.

بعد نقاشٍ حول التفاصيل، تم الاتفاق على الخطبة. تم تحديد موعدٍ مبدئيٍ للعقد، وحددوا أيضاً فترةً للخطوبة، لتكون كافيةً للتعارف والتجهيز.

عندما غادر والدا أحمد، شعرت نسمة بأن الدنيا تدور بها. كانت سعيدةً جداً، وشعرت بأنها قد حققت حلماً. ولكن في تلك اللحظة، شعرت بشيءٍ غريب.

خلال الحديث، وبينما كانت السيدة أمينة، والدة أحمد، تتحدث عن جمال نسمة، وعن طباعها الهادئة، لاحظت نسمة شيئاً. نظرةً خاطفةً، سريعةً، في عيني السيدة أمينة. نظرةٌ لم تكن تبدو طبيعية. نظرةٌ حملت معها شيئاً من الحذر، أو ربما... من الخوف؟

لم تستطع نسمة أن تفسر ذلك. ربما كان مجرد وهم. ربما كانت تشعر بالتوتر، فتأولت الأمور بشكلٍ خاطئ. ولكن هذه النظرة، بقيت عالقةً في ذهنها.

في الأيام التالية، بدأت نسمة تشعر ببعض الغرابة. كانت تعود بذاكرتها إلى بعض التفاصيل.

عندما ألتقته للمرة الأولى في المقهى، قال لها: "البحث عن السكينة." ثم عندما ألتقته في حفل والدتها، قال لها: "أبحث عن شريكة حياةٍ تسير معي في دروب الحياة، تعينني على طاعة الله، وتكون لي سكنًا ورحمة."

كلماته كانت تبدو مثاليةً، ومنطقيةً. ولكن مع قدوم والدته، وبداية الحديث الرسمي، بدأت نسمة تشعر بأن هناك شيئاً ما.

كانت السيدة أمينة، رغم لطافتها، تحاول أن تتجنب بعض الأسئلة. عندما سألها السيد خالد عن طبيعة علاقتها بأحمد، قالت: "أحمد ابني، لا أستطيع أن أصف مدى حبي له. هو كل ما أملك." ثم عندما سألها السيد خالد عن سبب عدم زواج أحمد حتى الآن، قالت: "كان مشغولاً بدراسته، ثم بعمله. لم يجد الفتاة المناسبة."

كانت إجاباتها منطقيةً، ولكن لم تكن تحمل ذلك التلقائية التي قد تتوقعها من أمٍ تتحدث عن ابنها. كانت إجاباتها محسوبةً، ودقيقةً.

بدأت الشكوك تتسلل إلى قلب نسمة. هل كان كل ما يحدث، مجرد مسرحية؟ هل كان المهندس أحمد، بكلماته الرنانة، يخفي سراً؟ هل كانت والدته، بابتسامتها اللطيفة، تخفي شيئاً؟

فكرت في لقائها الأول. لم يكن لديه سببٌ وجيهٍ لقول تلك الجملة عن السكينة، إلا إذا كان يعرف شيئاً عنها. ولكن كيف؟

في أحد الأيام، وهي تتحدث مع والدتها، قالت لها: "يا أمي، هل تعتقدين أن كل شيءٍ يسير على ما يرام؟"

نظرت والدتها إليها بعجب. "وماذا يعني ذلك يا بنيتي؟ ألم توافقي على الخطبة؟"

"بلى، ولكن... أشعر أن هناك شيئاً ما. ربما أنا أتوهم."

"توهم؟ ماذا هناك؟"

"لا أعرف يا أمي. ربما طريقة حديث والدة المهندس أحمد. أو نظراتها. أشعر أنها تخفي شيئاً."

ابتسمت والدتها. "يا ابنتي، لا تعطي الأمور أكبر من حجمها. ربما كانت متوترةً قليلاً. الخطوبة أمرٌ هامٌ، وهي أمٌ. طبيعيٌ أن تشعر ببعض القلق."

"ولكن... عندما التقيتُ بالمهندس أحمد للمرة الأولى، في المقهى، قال لي عن السكينة. وكأنه كان يعرفني. هل يمكن أن يكون قد رآني من قبل؟"

"ربما. لا أعرف. ولكن تذكري، أن الله قد وضع هذه الفرصة أمامكِ. استمري في الاستخارة، والدعاء. ودعي الأمور تأخذ مجراها."

حاولت نسمة أن تتجاهل هذه الشكوك. ولكنها كانت تلتصق بها كظلها. كلما رأت المهندس أحمد، كانت تتذكره. كلما سمعت جملةً عن السكينة، كانت تفكر فيه.

في إحدى الليالي، وبينما كانت تسمة تتصفح بعض الصور القديمة لعائلتها، وقعت عيناها على صورةٍ. صورةٌ قديمة، ولكنها واضحة. صورةٌ لها وهي طفلةٌ صغيرة، تقف بجانب والدها، في مكانٍ يبدو مألوفاً.

نظرت إلى الصورة جيداً. المكان كان حديقة منزلٍ قديم، كان ملكاً لوالدها قبل أن ينتقلوا إلى منزلهم الحالي. وفي الخلفية، كان هناك أشخاصٌ آخرون. أشخاصٌ كانت تراهم أحياناً في المناسبات العائلية، ولكنها لم تكن تتذكرهم جيداً.

وبين هؤلاء الأشخاص، لمحت وجهين. وجهٌ بدا مألوفاً جداً. وجهُ رجلٍ. رجلٍ يبدو كبيراً في السن، ولكنه كان يحمل في عينيه شيئاً من الحنان. هل يمكن أن يكون هذا الرجل هو والد المهندس أحمد؟

بدأت الشكوك تتحول إلى يقين. هل كان هناك تاريخٌ مشتركٌ بين العائلتين؟ هل كان لقاؤها بالمهندس أحمد، صدفةً، أم كان مخططاً له؟

بدأت نسمة تبحث في ألبوم صورٍ أخرى، تبحث عن دليلٍ. وبدأت تستدعي ذكرياتٍ قديمة، ذكرياتٍ كانت قد طواها الزمن.

وفي النهاية، وجدت ما كانت تبحث عنه. صورةٌ أخرى، أقدم قليلاً. في هذه الصورة، كان والدها يتحدث مع رجلٍ آخر. رجلٌ كان يرتدي ملابس رسمية. وفي جانب الصورة، كانت هناك امرأةٌ. امرأةٌ ذات وجهٍ بشوش، تحمل طفلاً صغيراً على ذراعيها.

هل يمكن أن تكون هذه المرأة هي والدة المهندس أحمد؟ وهل يمكن أن يكون الطفل الصغير هو المهندس أحمد نفسه؟

بدأت كل الألغاز تتجمع. بدأت نسمة تشعر بأنها على وشك اكتشاف شيءٍ كبير. شيءٌ قد يغير كل شيء.

في تلك الليلة، لم تستطع نسمة أن تنام. كانت تفكر، وتبحث، وتستنتج. شعرت بأنها تقف على حافة هاوية، لا تعرف ما الذي ينتظرها في الأسفل. هل سيكون اكتشافاً مؤلماً، أم سيجلب لها المزيد من السعادة؟

في قلبها، كانت تدعو الله أن يكشف لها الحق. وأن يهديها إلى الصواب. وأن يبعد عنها شر الأشرار، ومكر الماكرين.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%