الزوج المجهول الجزء الثالث

أشباح الماضي وخاتم سليمان

بقلم مريم الحسن

ارتعش قلب سارة وهي تسمع وقع خطواته القوية تقترب في الممر الواسع، وكأنها تسمع دقات قلبها هي نفسها تنبض بجنون. كانت تجلس في الشرفة المطلة على الحديقة الغنّاء، تتأمل زهر الليمون الذي تفتّح حديثاً، لكن عبق رائحته الحالمة لم يكن كافياً ليُهدّئ اضطرابها المتزايد. منذ أن أخبرها المحامي بمحتوى الوصية، لم تعرف سارة طعم الراحة. كلمات "الزوج المجهول" ظلت تتردد في أذنيها، محفورة كوشم لا يُمحى على روحها.

دخل فهد الغرفة، وكان وقاره المعهود يحيط به كعباءة ملكية. عيناه الثاقبتان، اللتان طالما بحثت فيهما عن إجابات، كانت الآن تحمل شيئاً من الحزن العميق، شيئاً لم تعهده فيه من قبل. جلس قبالتها، ولم يقطع صمت اللحظات سوى صوت العصافير المغردة والرياح التي داعبت أوراق الشجر.

"سارة"، بدأ فهد بصوت خفيض، يحمل ثقل ما يود قوله. "أعلم أن ما أقوله الآن قد يصدمك، لكن الحقيقة لا يمكن أن تظل مدفونة أكثر من ذلك."

رفعت سارة بصرها إليه، وعيناها تستجديه الصدق، وإن كانت تخشاه. "ماذا هناك يا فهد؟ أرجوك، قل لي."

"في الحقيقة"، تابع وهو يمسك بيدها بخفة، وشعرت بتيار كهربائي يسري في عروقها، "لم تكن جدتي لتترك لكِ هذا الإرث دون سبب. كان هناك سرٌّ دفين، وسرٌّ يتعلق بماضٍ لن أتحدث عنه إلا الآن."

انكمشت سارة قليلاً، وشعرت بأن الهواء حولها أصبح أثقل. "سرّ؟ أي سرّ تتحدث عنه؟"

"الوصية"، قال فهد بصوت بالكاد يُسمع، "لم تكن مجرد توزيع للممتلكات. كانت محاولة أخيرة من جدتي لتصحيح خطأ قديم، ولإعادتكِ إلى مساركِ الصحيح. المسار الذي رسمه لكِ والداكِ قبل رحيلهما."

كلمات والديها... ظلت هذه الجملة معلقة في الهواء، مثيرة غبار ذكريات لطالما حاولت أن تتجاهلها. "ما علاقة والديّ بهذا؟" سألت بصوت مرتجف.

"علاقة عميقة جدًا، سارة. عميقة لدرجة أن جدتي قضت سنوات عمرها الأخيرة تحاول ترميم ما أفسده الزمن. هل تذكرين خاتم جدتي سليمان؟ الخاتم الذي كان لا يفارق يدها؟"

هزت سارة رأسها، صورة الخاتم الذهبي القديم، المزخرف برموز غامضة، تتضح أمام عينيها. كانت دائماً تتساءل عن قصته.

"هذا الخاتم"، استمر فهد، وعيناه تتأملان نقطة بعيدة، "ليس مجرد قطعة مجوهرات. إنه مفتاح. مفتاح لبابٍ أُغلق منذ زمن بعيد."

"مفتاح؟ مفتاح لأي باب؟" سألت سارة، وقلبها يتسارع.

"مفتاح لتاريخ عائلتنا، ولتاريخ علاقتكِ بنا. سارة، أنتِ لم تكوني غريبة عن هذه العائلة أبداً. بل كنتِ جزءاً لا يتجزأ منها. والدكِ، رحمه الله، كان ابناً لعمتي."

صدمةٌ صامتةٌ جلّدت وجه سارة. لم تستطع أن تنطق بحرف. والدها؟ ابن عمة فهد؟ هذا يعني... هذا يعني أن فهد هو...

"هذا يعني"، أكمل فهد، وكأنه يقرأ أفكارها، "أنكِ وابنة عمي. وأن زواجكما... زواجكما كان مخططاً له منذ زمن بعيد، قبل أن تعرفا بعضكما البعض، وقبل حتى أن تولدا."

كان الأمر أشبه بصاعقة ضربت حياتها الهادئة. لم تكن تعرف كيف تتعامل مع هذه المعلومات. كل ما اعتقدت أنها تعرفه عن نفسها، عن ماضيها، عن عائلتها، عن علاقتها بفهد، كل ذلك كان الآن يتهاوى أمام عينيها.

"لكن... كيف؟ لماذا؟" سألت بصوت يختنق بالدموع. "لماذا لم يخبرني أحد؟"

"لأن الأمور لم تكن بهذه البساطة. كان هناك خلافات قديمة، جراح لم تندمل. جدتي، رحمها الله، حاولت بشتى الطرق أن تُصلح ما فسد، وأن تعيد العائلتين إلى ما كانتا عليه. لكن الظروف لم تسعفها. وبسبب سوء فهم، وبسبب كلمات قيلت في لحظات غضب، ابتعد والدكِ عن العائلة. وبعد وفاته، قررت جدتي أن تضع هذه الوصية، لتضمن أن يتحقق ما كان يتمناه قلبها وقلب والدكِ."

"وخاتم سليمان؟" سألت سارة، محاولةً استيعاب كل هذه الحقائق المتلاحقة.

"خاتم سليمان، سارة، كان يحمل نقشاً سرياً. نقشاً لا يفهمه إلا من يعرف قصة الحب الذي جمع بين جدتي وبين جدكِ. لقد كان خاتم عهدٍ بينهما. وكان هذا العهد يتضمن وعداً بزواج أبنائهما. ووعداً بزواج أحفادهما، إن لم تتحقق أسباب أخرى. وهو ما حدث. والدكِ لم يتزوج بعد أن ابتعد عن العائلة. وأنتِ... بقيتِ بعيدة. حتى أتى هذا اليوم."

"ولماذا الآن؟ لماذا لم تخبرني بكل هذا من قبل؟" كانت نبرة صوتها تحمل اتهاماً صغيراً.

"لأنني كنتُ في صراع داخلي، سارة. كيف لي أن أخبركِ بهذه الحقيقة وأنا على وشك الزواج من أخرى؟ كيف لي أن أقول لكِ أنكِ ابنة عمي، وأن زواجنا كان مخططاً له، وأنا أعيش حالة يأسٍ لا أصفها؟"

"زواج؟" تذكرت سارة بسرعة، وكأنها استيقظت من حلم. "من؟"

"من السيدة لمى"، أجاب فهد بصوتٍ متعب، "وهي ابنة صديقٍ مقربٍ جداً لوالدي. لكن لم يكن الأمر يتعلق بالحب، سارة. كان الأمر يتعلق بتلبية رغبةٍ عائلية. كنتُ أحاول أن أُرضي الجميع، وأن أُصلح ما أفسده الآخرون. لكنني أدركتُ الآن أنني كنتُ مخطئاً. أنني كنتُ أجري خلف سراب."

"وهل أنتَ الآن... هل أنتَ مستعدٌ لتلقي هذا الإرث؟" سألت سارة، وعيناها تبحثان في عينيه عن أي أثرٍ للتردد.

"لم يعد لدي خيار آخر، سارة. الحقيقة قد ظهرت. الخاتم قد كشف عن سره. وما بقي هو أن نُقرر مصيرنا. مصيرنا الذي لم نبدأه نحن، بل بدأه أجدادنا."

نظرت سارة إلى يدها التي لا تزال تحمل خاتم سليمان. شعرت بثقله، بثقل التاريخ والوعود التي يحملها. هل كانت هذه هي النهاية؟ أم كانت هذه هي البداية؟ بدايةً لم تكن تتوقعها أبداً.

"ماذا سنفعل يا فهد؟" سألت بصوتٍ هامس، وقد انسابت دمعةٌ حارةٌ على خدها.

"سنفعل ما هو حق، سارة. ما هو واجب. وما هو مكتوبٌ لنا. سنبحث في هذا التاريخ. سنفهم كل شيء. وسنتخذ القرار الذي يرضي الله، ويرضي قلوبنا."

نهض فهد، ومدّ يده إليها. ترددّت سارة للحظة، ثم أمسكت بيده. شعرت بقوةٍ غريبةٍ تسري فيها، قوةٌ مستمدةٌ من هذا الارتباط غير المتوقع، ومن هذه الحقيقة الصادمة. لقد كانت في نقطة اللاعودة. أمامها طريقٌ وعرٌ، مليءٌ بالأسرار والخفايا، لكنها لم تعد وحيدةً فيه. معها فهد، ومعها خاتم سليمان، ومعها أشباح الماضي التي بدأت للتوّ تكشف عن وجهها الحقيقي.

*

في تلك اللحظة، وفي جزءٍ آخرٍ من المدينة، كان رجلٌ آخرٌ يواجه مصيراً غامضاً. كان المهندس سامي، الذي اختفى قبل أسابيع، يحدق في انعكاس وجهه في مرآةٍ مهشمةٍ، آثار الشقاء باديةٌ على ملامحه. كان في مكانٍ لا يتوقعه أحد، مكانٍ كان يخشى أن ينتهي به الأمر. صوته كان متهدجاً وهو يتحدث إلى نفسه: "لقد كشفوا الأمر. لكنهم لن يجدوا دليلاً. ولن يعرفوا أبداً ما تخبئ هذه الجدران." كان ينظر إلى ورقةٍ مطويةٍ في يده، ورقةٌ كانت مفتاح كل هذه الأسرار. ورقةٌ تحمل بصماتٍ لا يمكن تزييفها.

*

عادت سارة إلى غرفتها، والخاتم لا يزال في يدها. نظرت إليه بإمعان. كانت تعرف الآن أنه ليس مجرد خاتم، بل هو بوابةٌ إلى ماضٍ لم تعرفه، وإلى مستقبلٍ يكتنفه الغموض. هل كانت مستعدةً لمواجهة كل هذا؟ هل كانت لديها القوة الكافية؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%