الزوج المجهول الجزء الثالث
عاصفة الماضي تهب
بقلم مريم الحسن
تغلغل ضوء الصباح الباكر عبر النوافذ الزجاجية المعشقة، يرسم خيوطاً ذهبيةً على أرضية الغرفة. كانت سارة قد قضت ليلةً مضطربة، تغفو وتستيقظ، وعقلها مشغولٌ بخريطة السماء المنحوتة على خاتم سليمان. لم يعد الخاتم مجرد رمزٍ للعهد، بل أصبح دليلاً، لغزاً يتطلب حلاً. كل خطٍّ، وكل نقطةٍ، بدأت تبدو وكأنها تشير إلى مكانٍ ما، أو إلى وقتٍ ما.
قررت سارة أن تبوح لفهد بما اكتشفته. شعرت بأن مشاركته في هذا الأمر لم تعد خياراً، بل واجباً. لقد كانا معاً في هذه الرحلة، شئنا أم أبينا.
عندما ذهبت إلى غرفة فهد، وجدته جالساً على مكتبه، يراجع بعض الوثائق. بدا مرهقاً، لكن عينيه كانتا تحملان بريقاً من التصميم.
"صباح الخير يا فهد"، قالت سارة بصوتٍ هادئ، تحمل خاتم سليمان في يدها.
نظر إليها فهد، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفةٌ. "صباح النور يا سارة. يبدو أنكِ قضيتِ ليلةً طويلةً أيضاً."
"نعم"، أجابت سارة، وجلست قبالته. "ولكنني أعتقد أنني وجدتُ شيئاً مهماً."
ثم شرحت له ما اكتشفته عن النقوش على الخاتم، وكيف أنها تمثل خريطةً للسماء في ليلةٍ معينة. "أعتقد أن هذه الخريطة تشير إلى ليلة زفاف والديّ"، قالت سارة. "لكنني لستُ متأكدةً من الغرض منها."
استمع فهد باهتمامٍ بالغ، ثم أخذ الخاتم ليفحصه عن قرب. "هذا مذهل، سارة. لم يخطر ببالي أبداً أن يكون للخاتم هذه الأهمية. جدتي كانت دائماً غامضةً، لكنها لم تكشف عن كل ما لديها."
"أعتقد أن جدتكِ حاولت أن تترك لنا رسالةً، يا فهد. رسالةً تتجاوز الزمان والمكان. رسالةً قد تساعدنا على فهم كل شيء."
"لكن كيف يمكننا تفسير هذه الخريطة؟" سأل فهد، وعيناه تتفحصان النقوش بتركيز. "هل هي مجرد خريطةٌ فلكية، أم أنها تشير إلى شيءٍ ماديٍّ؟"
"هذا ما أحاول أن أكتشفه"، أجابت سارة. "أعتقد أن علينا البحث عن أي شيءٍ يتعلق بليلة زفاف والديّ. ربما هناك ذكرياتٌ، أو صورٌ، أو حتى سجلاتٌ خاصةٌ بتلك الليلة."
في هذه الأثناء، كان المهندس سامي يراقب كل تحركاتهما من بعيد. كان يعلم أن سارة بدأت تقترب من الحقيقة، وأن الوقت يداهمه. كانت لديه معلوماتٌ لا تملكها سارة أو فهد، معلوماتٌ جعلته محور هذه اللعبة الخطيرة.
"إنهم يلعبون بالنار"، قال سامي لنفسه بابتسامةٍ ماكرةٍ. "ولكنهم لا يعرفون أن النار التي يحركونها، ستلتهمهم هم في النهاية."
في غضون ذلك، بدأت عاصفةٌ حقيقيةٌ تهب على القصر. لم تكن عاصفةً جويةً، بل كانت عاصفةً من الذكريات، والمشاعر، والاتهامات. اتصلت السيدة لمى بوالدها، وهو رجلٌ نافذٌ وصاحب نفوذٍ كبيرٍ.
"يا أبي"، قالت بلهجةٍ متوترةٍ، "ما يحدث في قصر العائلة غير طبيعي. فهد يتصرف بغرابةٍ، وسارة أيضاً. أخشى أن يكون هناك أمرٌ ما يخفونه عنا."
"وما الذي يثير قلقكِ يا ابنتي؟" سأل الأب بصوتٍ هادئٍ، لكنه يحمل نبرةً من السلطة.
"كل شيءٍ. العلاقة التي بدأت تتشكل بين فهد وسارة. طريقة تعاملهما مع الوصية. وكأنهما يبحثان عن شيءٍ أعمق من مجرد إرثٍ."
"ربما لديهما أسبابهما. علينا الانتظار ورؤية ما سيحدث. لا تتعجلي الأمور يا لمى."
لكن لمى لم تكن لتصبر. كانت تشعر بأنها على وشك خسارة كل شيءٍ. وأن هذا الزواج، الذي كان يجب أن يكون اتحاداً قوياً، أصبح مهدداً.
في قصر العائلة، كانت سارة وفهد يغوصان في ألبومات الصور القديمة. وجدا صوراً من حفل زفاف والديها، وكانت ليلةً باذخةً، مليئةً بالفرح والبهجة. لكن لم تكن هناك أي إشارةٍ واضحةٍ إلى أي شيءٍ غير عادي.
"ربما يجب أن ننظر إلى تفاصيل التفاصيل"، قالت سارة. "ربما هناك شيءٌ صغيرٌ، لا نراه في الوهلة الأولى."
وبينما هما يتفحصان الصور، انتبه فهد إلى صورةٍ معينةٍ. كانت صورةً لوالدته وهو طفلٌ صغيرٌ، يقف بجانب جدته. وفي يد جدته، كان هناك خاتم سليمان. ولكن ما لفت انتباه فهد، هو أن جدته كانت تضع خاتماً آخر، يبدو أنه كان جزءاً من طقمٍ.
"سارة"، قال فهد بحماسٍ، "انظري إلى هذه الصورة. جدتي ترتدي خاتماً آخر بجانب خاتم سليمان. هل يمكن أن يكون هذا الخاتم الآخر هو المفتاح؟"
فحصت سارة الصورة بعناية. وبالفعل، كانت هناك قطعة مجوهراتٍ أخرى، كانت جدته ترتديها في مناسباتٍ معينةٍ. "لم أرى هذا الخاتم من قبل"، قالت سارة. "هل يمكن أن يكون مرتبطاً بخاتم سليمان؟"
"ربما. ربما كانا معاً في الأصل. وربما تم فصلهما. وربما هذا الخاتم الآخر هو الذي يحمل بقية الأسرار."
بدأ فهد في استجواب العائلة مرةً أخرى، هذه المرة عن خاتمٍ آخرٍ كان لجدته. كان الأمر أشبه بمحاولة البحث عن إبرةٍ في كومة قش. لكن الإصرار كان يغلبهم.
وفي تلك الأثناء، كان المهندس سامي يتلقى تقريراً عن تحركات سارة وفهد. "لقد اقتربوا من الهدف"، قال لنفسه بابتسامةٍ خبيثةٍ. "لكنهم لا يعرفون أن الهدف ليس كما يعتقدون. وأن الحقيقة أعمق وأخطر مما يتصورون."
في وقتٍ لاحقٍ من اليوم، تلقت سارة رسالةً غامضةً، مجهولة المصدر. كانت تحمل نصاً قصيراً، لكنه أحدث فيها قلقاً بالغاً: "ابتعدي عن الخاتم. إن ما تبحثين عنه لن يجلب لكِ إلا الدمار. هناك من يراقبكِ، وهناك من لا يريدكِ أن تكشفي الحقيقة."
شعرت سارة بقشعريرةٍ تسري في جسدها. لقد تأكدت الآن أن هناك من يعرف بما تفعله، وأن هذا الشخص لا يريد لها النجاح.
"من يمكن أن يكون هذا؟" سألت فهد، وهي تبين له الرسالة.
نظر فهد إلى الرسالة بجديةٍ. "لا أعرف، سارة. لكن هذا يعني أننا لسنا وحدنا في هذه الرحلة. وأن هناك قوةً تحاول إيقافنا."
"وهل يجب أن نتوقف؟" سألت سارة، وعيناها تلمعان بالإصرار.
"لا. أبداً. كلما حاولوا إيقافنا، كلما زاد إصرارنا على كشف الحقيقة. فهذا ليس فقط إرثنا، بل هو أيضاً حقنا."
اشتدت عاصفة الماضي، وهبت رياحها العاتية على القصر. كل معلومةٍ جديدةٍ كانت تفتح باباً آخر، باباً يؤدي إلى المزيد من الأسرار، والمزيد من التحديات. لقد بدأت المعركة الحقيقية، معركةٌ لا تتعلق بالإرث، بل بكشف حقيقةٍ عميقةٍ، قد تغير مصيرهم إلى الأبد.
*
في زاويةٍ مظلمةٍ من المدينة، كان سامي يبتسم. "لقد أرسلتُ الرسالة"، قال لنفسه. "الآن، سيعرفون أنهم يلعبون لعبةً خطيرةً. وأن كل خطوةٍ يخطونها، قد تكون خطوتهم الأخيرة." كان لديه خطةٌ جهنميةٌ، خطةٌ ستكشف كل شيءٍ، ولكن بطريقته الخاصة.
*
استمرت الأجواء في القصر مشحونةً بالتوتر. كل صوتٍ، كل حركةٍ، كانت تثير الشكوك. لكن سارة وفهد كانا مصممين على المضي قدماً، مهما كان الثمن.