الزوج المجهول الجزء الثالث

وشوشات الماضي على عتبة الحاضر

بقلم مريم الحسن

بعد رحيل خالد، الذي كان كالشبح اقتحم حياتها ثم تلاشى، تركت ليلى نفسها لتتجرع مرارة المفاجأة. لم تكن تملك سوى الهدوء المعتاد الذي ورثته عن جدتها، تلك المرأة الصامتة التي كانت تعرف كيف تزرع الأمل في قلب الصحراء. جلست في الغرفة التي كانت لجدتها، تتنفس عبق النعناع المجفف والمسك الذي كانت تحتفظ به في علبٍ معدنيةٍ مزخرفة. كانت كل قطعةٍ في هذه الغرفة تروي قصة، وتحمل عبق روحٍ غادرت.

لم يكن الأمر يتعلق بالرفض أو القبول بقدر ما كان يتعلق بالفهم. كيف يمكن لرجلٍ لا تعرفه، لم ترَ وجهه قط، أن يتقدم لخطبتها؟ هل كانت والدتها قد تركت لها وصيةً غامضة؟ هل كان هذا الرجل، صخر، يفي بوعدٍ قديمٍ لوالدتها؟ الأسئلة كانت تتكاثر كالنمل على حبة سكر.

تذكرت آخر لقاءٍ جمعها بوالدتها قبل وفاتها. كانت والدتها شاحبةً، تحمل في عينيها حزناً عميقاً، ولكنها كانت تبتسم. "لا تخافي يا ابنتي،" كانت تقول بصوتٍ واهن. "سيأتي يومٌ تفهمين فيه كل شيء. هناك أسرارٌ أعمق من هذه الصحراء، وستتكشف لكِ عندما يحين الوقت." هل كان هذا اليوم قد حان؟ هل كان هذا الزواج المجهول هو نهاية تلك الأسرار؟

في صباح اليوم التالي، مع بزوغ خيوط الشمس الذهبية التي تلونت بها أطراف الجبال، بدأت ليلى تتفحص الظرف الذي تركه خالد. كانت الأوراق بداخله أكثر تفصيلاً مما توقعت. عقدٌ مبدئيٌ للخِطبة، يذكر اسم "صخر بن عبد الرحمن"، ويذكر اسمها، "ليلى بنت يوسف". لم يكن هناك أي ذكرٍ للقصة العائلية، بل مجرد بنودٍ تتعلق بالشروط المالية، والضمانات، ومدة الخطوبة المقترحة. كانت بنوداً رسميةً، جافةً، لا تترك مجالاً للتكهنات.

كانت هناك أيضاً ورقةٌ أخرى، تبدو كرسالةٍ شخصيةٍ، ولكنها مكتوبةٌ بخطٍ أنيقٍ، ولكن غامض. "آنسة ليلى،" بدأت الرسالة. "أعلم أن هذا العرض قد يبدو مفاجئاً، بل وربما غريباً. ولكن ثقي أن وراء كل خطوةٍ أبعادٌ تفوق الظاهر. إنها ليست مجرد رغبةٍ في الزواج، بل هي استجابةٌ لواجبٍ، ووفاءٌ لعهدٍ، وربما... بدايةٌ لقصةٍ لم تُكتب فصولها بعد. أطلب منكِ منحي فرصةً. فرصةً لنثبت لكِ أن النوايا الطيبة يمكن أن تولد من رحم الظروف الغامضة. سأترك لكِ خياراتكِ كاملةً، ولكنني آمل أن يكون قلبكِ متفتحاً لهذه الإمكانية. صخر."

"واجب؟ عهد؟" رددت الكلمات في عقلها. ما هو الواجب الذي يحتم عليه الزواج منها؟ وما هو العهد الذي يمكن أن يربطه بعائلتها؟ كلما تعمقت في الأمر، زاد الغموض.

نهضت ليلى، وارتدت عباءتها، وتوجهت نحو بئر الماء القديمة. كان مشهدها كل صباحٍ، ترتشف منه الحياة، وتشرب من صفائه. وهي تحمل الدلو، نظرت إلى أفق الصحراء. بدا لها وكأنها ترى فيه صورةً مشوشةً لوجهٍ لا تعرفه. رجلٌ ذو عينين عميقين، يحملان سراً.

"يا جدتي،" همست، وهي تنظر إلى السماء. "لو كنتِ هنا، هل كنتِ ستعرفين؟ هل كنتِ ستشرحين لي؟"

كان جدها قد رحل قبل زمنٍ طويل، وتركها تحت رعاية جدتها التي توفيت منذ سنواتٍ. كانت تعيش الآن في بيتٍ كان يصدح بالأصوات، ولكنه أصبح الآن يئن بصمت الأيام.

لم تمر أيامٌ كثيرةٌ حتى وصلها ردٌ من السيد خالد، الذي أرسلته ليلى عبر ساعي بريدٍ استأجرته. لم تكن ليلى من دعاة التكنولوجيا الحديثة، وكان البيت القديم يفتقر إلى الاتصالات، لكن الصحراء كانت دائماً مكاناً تتواصل فيه الأرواح قبل العقول.

"السيد خالد،" كتبت في ردها، بحبرٍ أسودٍ على ورقٍ عتيق. "لقد اطلعت على عرضكم. إنه أمرٌ جلل، ويتطلب دراسةً وتمعناً. أردت أن أبلغكم بأنني أرغب في لقاء السيد صخر. ولكن ليس هنا. أفضّل أن يكون اللقاء في مكانٍ محايد، بعيداً عن فضول الناس، لأتمكن من طرح بعض الأسئلة التي لا أجد لها إجاباتٍ في هذه الظروف."

عندما قرأ خالد الرسالة، بدا عليه الارتياح. "طلبٌ معقول،" قال لنفسه. "إنها امرأةٌ ذكيةٌ، وصاحبةُ قرار."

بعد يومين، جاءتها رسالةٌ أخرى من خالد، تحمل عنواناً لمكانٍ في مدينةٍ مجاورة، "دار الضيافة العربية". كان المكان معروفاً بتقديم الخدمات الراقية، ويتمتع بالخصوصية التامة.

"هل أنتِ متأكدةٌ من هذا القرار؟" سألتها "فاطمة"، جارةٌ لها، وسيدةٌ طيبةٌ، اعتادت أن تزورها كل بضعة أيام. كانت فاطمة تعرف قصة ليلى، وتعلم أنها تعيش وحيدةً، وتخاف عليها.

"نعم يا خالتي فاطمة،" أجابت ليلى، وهي تحاول أن تبدو واثقة. "لا يمكنني الاستمرار في العيش هكذا، دون أن أعرف ما الذي يدور. إنها فرصةٌ لفهم ماضي عائلتي. ربما يكون هذا الرجل مختلفاً عما أتخيل."

"الله وحده أعلم بالقلوب يا ابنتي. ولكن احذري، فالرجال ليسوا كلهم سواء. واصطحبي معكِ بعضاً من قوتكِ، فقد تحتاجين إليها."

كان لقاء الغد يحمل في طياته أكثر من مجرد حديثٍ تقليدي. كان يحمل ثقل سنواتٍ من الغموض، وألغاز عائلةٍ لم تُحل بعد. وبينما كانت ليلى تتجهز للسفر، شعرت بأن خطواتها تتوجه نحو مستقبلٍ مجهول، نحو رجلٍ مجهول، ولكنها كانت تحمل في قلبها بصيص أملٍ، وبصيص خوفٍ، وبصيص فضولٍ لم تكن تقوى على قمعه. كانت تعلم أن هذا اللقاء، مهما كانت نتائجه، سيغير حياتها إلى الأبد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%