الفصل 13 / 25

الحب الخفي

ضوء في غياهب الظلام

بقلم فاطمة النجار

كان الليل قد أرخى سدوله على مدينة الرياض، لكن في قصر آل عبد الله، كان النور يتسلل من نوافذ ديوان الأب، حيث اجتمع الأهل في حلقة دافئة. اجلس الشيخ أحمد، وجهه يشع حكمة وهدوءًا، وعيناه تترصدان كل وجه حوله، يبحث عن أي إشارة، عن أي اضطراب. بجانبه جلست زوجته أمينة، قلبها يخفق بترقب، تتأمل ابنتها الشابة، ليلى، التي بدت متألقة لكن بلمحة خفيفة من القلق تزين مقلتيها.

"أيها الأبناء والبنات،" بدأ الشيخ أحمد بصوت عميق ومهيب، "لقد اجتمعنا اليوم لنتحدث في أمر يخص مستقبلنا جميعًا، أمر يمس حياة أحبائنا." توقف لحظة، ينظر إلى أبنائه واحداً تلو الآخر. كان يعلم أن هناك أمورًا قد تعترض طريقهم، رياحًا عاتية قد تهب، لكنه كان واثقًا من قوة روابطهم، من تكاتفهم.

"كما تعلمون، فإن موضوع زواج سالم من ابنة عمنا، فاطمة، قد طُرح على بساط البحث. وهذا الزواج، وإن كان بين العائلة، يحتاج إلى موافقتنا ورضانا جميعًا. سالم ابني، شابٌ طموحٌ، وفاطمة ابنةٌ فاضلةٌ، وأرى فيهما خيرَ تكافؤٍ."

انتقلت نظرات الجميع نحو سالم، الشاب الواقف قبالة والده، بثوبٍ أبيض ناصع، ووجهٍ هادئٍ لا يكشف عن الكثير. كان سالم يكن احترامًا كبيرًا لوالدته، ويقدر عادات وتقاليد عائلته، لكن في داخله، كانت هناك ضغوطٌ أخرى، قلقٌ عميقٌ لا يجرؤ على البوح به.

"يا أبي،" أجاب سالم بصوتٍ واثقٍ، "ترضى عني، وأنا أرى أن زواجنا من فاطمة أمرٌ فيه صلاحٌ للعائلة. هي ابنة عمي، ونعرفها ونعرف تربيتها. وإن كانت لك رغبةٌ في هذا الزواج، فليكن."

ارتسمت ابتسامة رضا على وجه الشيخ أحمد، لكن أمينة، بحسها الأمومي المرهف، لاحظت شيئًا في نبرة صوت سالم، لمعةً لم تكن تليق بالهدوء الظاهري.

"وماذا عن ليلى؟" سألت أمينة، متجهةً نحو ابنتها. "لقد اقترب وقت الخطوبة، وتقدم إليكِ كثيرٌ من الشباب الكرام. هل لكِ رأيٌ فيمن ترغبين في مشاركة حياتك معه؟"

شعرت ليلى بقلبها يخفق بقوة. كانت تعلم أن الأضواء كلها مسلطة عليها. طوال الفترة الماضية، كانت تفكر كثيرًا، وتقارن بين ما هو واجبٌ وما هو رغبة.

"أمي، أبي،" بدأت ليلى بصوتٍ فيه بحةٌ خفيفة، "أنا أحترم رغباتكم، وأعلم أنكم تسعون لخيري. لقد تقدم لي الكثير من الشباب، وأنا أقدر طيبتهم. لكن... أريد وقتًا لأفكر، لأستخير."

لم تكن هذه إجابةً ترضي والدها تمامًا، لكنه فهم أن ابنته تحتاج إلى مساحتها. "وقتٌ مباركٌ، يا ابنتي. استشيري قلبكِ، واستخيري ربكِ."

في زاوية الديوان، كان ناصر، شقيق سالم، يراقب كل ما يحدث. كان ناصر، على عكس أخيه، شخصيةً اجتماعيةً، مرحةً، لكنه يحمل في صدره أسرارًا، ومشاعر دفينة. كان يرى في ليلى أكثر من مجرد أختٍ صغرى. منذ الطفولة، نمت لديه مشاعرٌ تجاهها، مشاعرٌ كان يكبتها، يعلم أنها لا تتناسب مع الأعراف والتقاليد.

"ولكن يا أبا،" تدخل ناصر، محاولًا تغيير مسار الحديث، "ماذا عن خططنا التوسعية في مشروع الشركة؟ لقد طُلب منا تقديم عروضٍ جديدة، وأرى أن علينا أن نركز جهودنا على هذا الأمر."

رد الشيخ أحمد بابتسامة، "يا بني، الحياة مزيجٌ من الواجبات والرغبات. لا ينبغي أن نغفل جانبًا على حساب الآخر. سالم، تحدث مع ناصر حول تفاصيل المشروع. وأنا، سأجدول موعدًا للقاء مع عائلة بن غانم للنظر في أمر خطبة أحمد."

ذكر اسم "أحمد" أحدث موجةً صامتةً من التوتر في جو المكان. أحمد هو ابن عم سالم وليلى، شابٌ وسيمٌ، طموحٌ، لكن سمعته كانت مشوبةً ببعض الشكوك.

"أحمد؟" كررت ليلى في نفسها، وقلبها يثقل. هل حقًا هو من ستقدمه العائلة؟ هل هو من ستقضي حياتها معه؟

في تلك الليلة، لم يستطع سالم النوم. كان يتقلب على فراشه، عقله مشغولٌ بأفكارٍ متضاربة. كان يعلم أن هناك شيئًا لم يقله لوالده. لقد كان على وشك أن يخبره عن حبه لـ "سارة"، الفتاة التي التقاها بالصدفة في ذلك المعرض الخيري، والتي سرقت قلبه بذكائها وروعة أخلاقها. لكن كيف له أن يفعل ذلك، وقد وعد والده مسبقًا بالزواج من فاطمة؟

في غرفته، كانت ليلى تفتح المصحف، تقرأ آياتٍ من سورة يوسف، تتأمل قصة الحب الطاهر، قصة الصبر والعفة. كانت تشعر أن قدرها يتشابك مع أقدار الآخرين بطرقٍ معقدة، وأن عليها أن تجد طريقها وسط هذه التعقيدات.

صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى على صوت رنين هاتفها. كانت رسالةٌ من سارة، صديقتها المقربة، تدعوها للخروج لبعض الوقت، لتغيير الجو. شعرت ليلى بارتياحٍ، فهي بحاجةٍ ماسةٍ لسماع صوتٍ صديقٍ، وللتحدث عن الأمور التي تثقل صدرها.

"يا سارة،" قالت ليلى وهي تحتسي قهوتها في مقهى هادئ، "أشعر وكأنني في متاهة. كل شيءٌ يبدو مرتبًا من الخارج، لكن من الداخل، هناك الكثير من الأسئلة، والكثير من المشاعر المتضاربة."

ابتسمت سارة بلطف. "ليلى، أعرف أن الأمور ليست سهلة. لكن عليكِ أن تثقي بنفسك، وأن تتبعي قلبكِ. الأهم هو أن تكوني سعيدةً، وأن تشعري بالرضا عن اختياراتك."

"ولكن كيف؟" تساءلت ليلى، "إذا كان اختياري يتعارض مع رغبات عائلتي؟"

"حينها،" قالت سارة بهدوء، "علينا أن نجد طريقةً لإقناعهم، أو على الأقل، لإيجاد حلٍ يرضي جميع الأطراف. الحب الحقيقي، يا ليلى، له طرقٌ مباركةٌ، طرقٌ تجعل الجميع يشعرون بالراحة."

كانت كلمات سارة بلسمًا على روح ليلى. بدأت تشعر ببعض الأمل. ربما لم يكن كل شيءٍ قد انتهى بعد. ربما كان هناك نورٌ ينتظرها في غياهب الظلام.

في هذه الأثناء، كان سالم قد اتخذ قرارًا. لم يستطع أن يكذب على والده، ولم يستطع أن يتخلى عن حبه. كان عليه أن يواجه عواقب قراراته، وأن يتحدث بصراحةٍ، مهما كان الثمن.

"يا أبي،" قال سالم لوالده في وقتٍ لاحقٍ من ذلك اليوم، بصوتٍ فيه تصميمٌ، "أحتاج أن أتحدث معك في أمرٍ مهم. أمرٌ يخص مستقبلي، ومستقبل عائلتنا."

نظر الشيخ أحمد إلى ابنه، مستشعرًا جدية الموقف. "تفضل يا بني، أنا أسمعك."

لم يكن يعلم سالم أن هذه اللحظة ستكون نقطة تحولٍ في حياته، وفي حياة كل من حوله. كان على وشك أن يلقي حجارةً صغيرةً في بحرٍ هادئٍ، ليحدث أمواجًا قد تغير مجرى التاريخ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%