الحب الخفي
همسات القدر ورياح الشك
بقلم فاطمة النجار
لم يكن ليلى تتخيل أن تجد نفسها واقفة على أعتاب عالمٍ قد صاغته الظنون، حيث تتراقص الحقائق في ضوءٍ خافت، ويستشري الشك في دواخل القلوب كما تستشري النار في الهشيم. كانت كلمات والدها، الحاج أحمد، التي سُمعت عن غير قصد، كالصاعقة التي ضربت سكون روحها الهادئة. "يا بني، هذه الصفقة التجارية ليست مجرد تبادل للسلع، إنها مفتاحٌ لإنهاء هذا الخلاف القديم بين العائلتين. يجب أن تتم بأي ثمن. أما مسألة فاطمة، فهذا أمرٌ آخر. لا أريد أن أرى وجهها هنا مرة أخرى، فهي لا تصلح لأسرةٍ كهذه. لا أريد أي ارتباطٍ معها."
تلعثمت الكلمات على لسانها، وكأنها ريشةٌ تحاول الرسم على سطحٍ مائي، تتلاشى الأشكال قبل أن تتجسد. فاطمة؟ هل يقصد والدها زميلته فاطمة، تلك الفتاة الرقيقة ذات الابتسامة الحزينة والروح الشفافة؟ فاطمة التي كانت تشاركها أحلامها وطموحاتها، والتي لطالما شعرت تجاهها بحنانٍ غريب، وكأنها أختٌ لم تلتقِ بها. ولماذا هذه الكراهية؟ وما هو الخلاف القديم الذي تحدث عنه والدها؟
تسللت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، محاولةً استيعاب هول ما سمعت. ظلت واقفةً في منتصف الغرفة، وعيناها زائغتان، وقلبها يخفق بعنفٍ يكاد يمزق أضلعها. كانت صورة فاطمة تتردد في ذهنها، وصورة عمها، الرجل المهيب صاحب العينين الثاقبتين والابتسامة الدافئة، الذي لطالما قابلها بترحيبٍ حار. هل كان هذا الخلاف القديم سبب ابتعاده عنها؟ هل كانت علاقتها به مجرد واجهةٍ زائفة؟
لم تستطع ليلى أن تبقى صامتةً أمام هذا اللغز الذي استقر في قلبها كحجرٍ ثقيل. طرقت باب غرفة والدها برفق، ثم فتحته ودخلت. كان الحاج أحمد يجلس خلف مكتبه، يتصفح بعض الأوراق، وبدا عليه شيءٌ من الضيق.
"أبي، هل يمكن أن أتحدث معك قليلاً؟" سألت بصوتٍ حاول أن يكون هادئاً، لكن ارتعاشه لم يغب عن أذني والدها.
رفع الحاج أحمد رأسه، ونظر إليها بعينين تحملان مزيجاً من الحنان والقلق. "تفضلي يا ابنتي، ما الأمر؟"
تنهدت ليلى بعمق، ثم جلست قبالته. "أبي، سمعت شيئاً... عن الصفقة وعن فاطمة."
تجمد الحاج أحمد للحظة، ثم أعاد تركيز نظره في الأوراق، محاولاً إخفاء علامات الدهشة التي اعترته. "وما الذي سمعتِه يا ابنتي؟"
"سمعتك تقول إن الصفقة مهمة لإنهاء خلافٍ قديم، وأن فاطمة... وأنك لا تريد رؤيتها هنا." قالت ليلى، وعيناها مثبتتان على وجه والدها، تبحثان عن إجاباتٍ تطفئ نيران الشك التي اشتعلت في صدرها.
تنهد الحاج أحمد، ووضع الأوراق أمامه. "ليلى، هناك أمورٌ في الحياة لا يجب أن تشغلي بالك بها. هذه أمورٌ تخص الرجال والأعمال، والخلافات القديمة."
"لكن يا أبي، فاطمة صديقتي. كيف لي أن أقبل بهذا الحديث عنها؟ ولماذا هذا الخلاف؟ أليس عمي هو الطرف الآخر؟" سألت ليلى، وعواطفها بدأت تتغلب على هدوئها.
نظر الحاج أحمد إلى السماء للحظة، وكأنه يستجمع قواه. "يا ابنتي، لم يكن الأمر بسيطاً أبداً. قبل سنواتٍ طويلة، حدث سوء تفاهمٍ كبير بيني وبين شقيقي، رحمه الله. لقد اتهم بعضنا بعضاً بأشياء لم نرتكبها، وساءت الأمور لدرجةٍ لم نعد نستطيع بعدها الجلوس معاً. أما فاطمة، فهي ابنة أخي، ولم يكن لها ذنبٌ فيما حدث. لكن... لكنها تحمل اسم عائلةٍ أخرى دخلت على الخط، عائلةٌ سببت لنا الكثير من الأذى. وبسبب ذلك، أصبحت هذه العائلة الصغيرة، عائلة فاطمة، في مرمى السهام."
"عائلة أخرى؟ من هي؟" تساءلت ليلى، وقلبها يغرق في بحرٍ من الغموض.
"لا يهم الآن يا ابنتي. ما يهم هو أن هذه الصفقة مع عائلة الشريف، وهي العائلة التي كانت سبباً في كل هذه المشاكل، ستكون بمثابة جسرٍ لإعادة العلاقات، ولتضميد الجراح القديمة. أما فاطمة، فكما قلت، لم يعد لها مكانٌ في هذا المكان. إنها تمثل الماضي الذي يجب أن ندفنه." قال الحاج أحمد، وصوته يحمل نبرةً قاسيةً لم تعهدها ليلى من قبل.
شعرت ليلى ببرودةٍ تسري في عروقها. لم تستطع أن تفهم هذا المنطق. كيف يمكن لصفقةٍ تجارية أن تطفئ نار الخلافات القديمة؟ وكيف يمكن لفاطمة، بتلك البراءة التي تتجلى في عينيها، أن تكون سبباً في هذه المشاكل؟
"لكن يا أبي، هل أنت متأكدٌ من هذا؟ وهل هذا هو الطريق الصحيح؟" سألت ليلى، وعيناها تلمعان بالدموع.
"أنا متأكدٌ يا ابنتي. إنها خطوةٌ ضرورية. أما عن فاطمة، فهذا قرارٌ لا رجعة فيه. يجب أن نغلق هذا الباب إلى الأبد." قال الحاج أحمد، وعينيه جامدتين، كأنه يقرأ في كتابٍ قديمٍ لا يريد أن يغير سطوره.
خرجت ليلى من غرفة والدها، وقلبها مثقلٌ بالأحزان. لم تفهم شيئاً. كل ما كانت تعرفه هو أن حياتها قد اهتزت، وأن عالمها الهادئ قد بدأ يتشقق. هل يمكن لعلاقاتٍ قديمةٍ أن تفرض قوانينها على حاضرها؟ وهل يمكن لقرارٍ واحدٍ أن يمحو كل شيء؟
ذهبت إلى غرفتها، وجلست على حافة السرير، تنظر إلى صورتها مع فاطمة، والتي التقطاها قبل بضعة أشهر في نزهةٍ عائلية. كانتا تبتسمان، وتبدوان سعيدتين، لم تكن تعرفان أن تلك السعادة لن تدوم.
"يا فاطمة، ماذا يحدث؟" تمتمت ليلى بصوتٍ بالكاد يُسمع. "من أنتِ حقاً؟ وما هو هذا العالم الذي دخلتُ إليه؟"
لم تكن تعرف ليلى أن القدر قد رسم لها طريقاً مختلفاً، وأن هذه الليلة ستكون نقطة تحولٍ في حياتها، نقطةٌ لا عودة منها. كانت رياح الشك قد بدأت تعصف، حاملةً معها أسراراً دفينة، ووعداً بمواجهةٍ قادمةٍ لا يمكن التنبؤ بنتائجها.