الحب الخفي
صدى الماضي وعبق المستقبل
بقلم فاطمة النجار
تسارعت دقات قلب ليلى، وكأنها طبولٌ تدق معلنةً عن معركةٍ وشيكة. لم تستطع النوم طوال الليل، والأفكار تتزاحم في رأسها كقطعان الذئاب الجائعة. كانت رواية والدها عن الخلاف القديم، وعن ضرورة إنهاء ذلك الارتباط، تبعث في نفسها شعوراً بالخوف وعدم التصديق. كيف يمكن لقرارٍ كهذا أن يُتخذ دون مشاورة؟ وكيف يمكن أن يترك أثراً بالغاً على حياة صديقتها دون أن تمنحها فرصةً للتبرير أو حتى الفهم؟
في صباح اليوم التالي، كان الجو في المنزل مشحوناً بالتوتر. لم تأكل ليلى شيئاً، واكتفت بالنظر إلى فنجان القهوة الذي أمامها، وكأنه مرآةٌ تعكس صورتها الشاحبة. حاولت أن تتحدث مع والدتها، الحاجة أمينة، لكنها شعرت أن والدتها تخفي شيئاً، وأنها تعرف أكثر مما تقول.
"أمي، هل تعرفين شيئاً عن هذا الخلاف القديم؟" سألت ليلى، وعيناها تترقبان رد فعل والدتها.
تنهدت الحاجة أمينة، ونظرت إلى بعيد. "يا ابنتي، الماضي يحمل معه آلاماً كثيرة. لقد كانت هناك خلافاتٌ بين أبيكِ وشقيقه، وكان لهذه الخلافات تبعاتٌ لم نكن نتوقعها. لكن لا أريد أن أشغل تفكيركِ بهذه الأمور."
"لكن يا أمي، فاطمة... إنها ليست مجرد شخصٍ عابر. إنها صديقتي. كيف يمكن أن تُقطع علاقتها بهذه البساطة؟" قالت ليلى، والدموع تتجمع في عينيها.
"أعلم يا ابنتي، وأنا أشعر بما تشعرين به. لكن أحياناً، يجب على الأقدار أن تتخذ مساراتٍ لا نفهمها. إن ما يراه والدكِ هو الصالح العام، هو مصلحة العائلة، ولربما لمصلحة فاطمة نفسها." قالت الحاجة أمينة، وحاولت أن تحتضن ابنتها، لكن ليلى شعرت ببرودةٍ غريبةٍ في هذا الاحتضان.
شعرت ليلى بأنها وحيدةٌ في هذا العالم، محاطةً بأسرارٍ لا تفهمها. قررت أن تتصرف. لم تستطع أن تنتظر. كان عليها أن تعرف الحقيقة كاملةً، وأن تقف إلى جانب صديقتها.
اتصلت بفاطمة. كان صوتها يبدو متعباً، ومرتعشاً. "ليلى، هل أنتِ بخير؟"
"فاطمة، يجب أن ألتقيكِ. أريد أن أتحدث معكِ. أرجوكِ." قالت ليلى، وعيناها تبحثان عن أي بادرة أمل.
"أين؟" سألت فاطمة بتردد.
"في حديقة المطار القديم، الغد بعد الظهر. هل يمكنكِ؟"
"سأكون هناك." قالت فاطمة، وصوتها مليءٌ بالترقب.
في اليوم التالي، توجهت ليلى إلى حديقة المطار القديم. كان المكان خالياً، والجو ساكن. جلست على إحدى المقاعد الخشبية، تنظر إلى أشجار السرو الشاهقة، وتشعر بأنها في عالمٍ آخر. بعد قليل، رأت فاطمة تقترب، بخطواتٍ مترددة، وكأنها تسير فوق حبالٍ رفيعة.
"ليلى." نادت فاطمة، وصوتها يكاد يكون همساً.
"فاطمة." ردت ليلى، وقامت لتقابلها. احتضنتها بقوة، وكأنها تحاول أن تمنحها شيئاً من الدفء الذي افتقدته.
"ماذا يحدث يا ليلى؟ والدي قال لي إن عمي... إن الحاج أحمد قرر إنهاء كل شيء. أخبروني أني لم أعد مرغوبةً هنا." قالت فاطمة، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها.
"لا أعرف كل شيء يا فاطمة، لكني أعرف أن هذا غير عادل. والدي قال إن هناك خلافاً قديماً، وأنا... أنا لا أصدق أنكِ السبب في أي شيء." قالت ليلى، وحاولت أن تربت على كتف فاطمة.
"لكن السبب ليس أنا، يا ليلى. السبب هو زوجة عمك، السيدة زينب. هي التي زرعت الأحقاد بين والدي وعمي، وهي التي أجبرت والدي على الابتعاد عن العائلة. وهي الآن... وهي الآن تضغط على عمك لإنهاء كل شيء. تقول إن الارتباط بين عائلتينا سيجلب لنا المزيد من المشاكل." قالت فاطمة، وصوتها يرتعش من البكاء.
"زينب؟ زوجة عمي؟" تساءلت ليلى، وقد بدأت الصورة تتضح شيئاً فشيئاً. كانت تتذكر زينب، المرأة الأنيقة صاحبة الابتسامة الباردة، التي لم تشعر تجاهها أبداً بالارتياح.
"نعم. إنها لا تريد لأحدٍ من عائلتنا أن يقترب من عائلتكم. هي تخاف، أو ربما تخشى أن يُكشف شيءٌ ما. شيءٌ يتعلق بماضيها." قالت فاطمة، ونظرت إلى ليلى بعينين مليئتين بالأسى.
"وما هو هذا الشيء؟" سألت ليلى، وشعرت برغبةٍ عارمةٍ في فهم كل هذه الأسرار.
"لا أعرف بالضبط. لكن والدي حاول أن يتحدث مع عمك، مع الحاج أحمد، ليصحح الصورة. لكن زينب كانت دائماً تمنعهم. وهي الآن، بمناسبة هذه الصفقة التجارية، تريد أن تقطع كل الخيوط. إنها تقول إنها تريد أن تحمي عائلتكم من تبعات الماضي. لكنني أشعر أنها تريد أن تمنع شيئاً ما من الظهور." قالت فاطمة، وصوتها يشبه صوت الريح وهي تعبر بين الأغصان.
شعرت ليلى أن عقلها يدور. زينب. هي السبب؟ هي التي زرعت كل هذه الشقاق؟ ولماذا؟ ما هو سرها الذي تخاف أن يُكشف؟
"فاطمة، لا تبكي. يجب أن نفعل شيئاً. لا يمكن أن نترك الأمور هكذا." قالت ليلى، وصوتها يحمل قوةً جديدة.
"ماذا سنفعل يا ليلى؟ عمي لا يستمع لأحد. ووالدي... والدي قد أرهقه كل هذا الصراع." قالت فاطمة، ونظرت إلى ليلى بعينين لا تريان إلا الحزن.
"سنجد طريقة. لا تدعي اليأس يتملككِ. سأتحدث مع والدي مرة أخرى. وسأحاول أن أفهم كل شيء." قالت ليلى، وشعرت بأنها على وشك اكتشاف الحقيقة.
وبينما هما تتحدثان، نظرت ليلى إلى الأفق، وشعرت بأن رياح الماضي بدأت تهب بقوة، حاملةً معها عبق المستقبل الذي لم يعد واضحاً. كانتا واقفين على حافة عالمٍ جديد، عالمٌ فيه الحقائق تتشابك، والأقدار تتصارع، وكان عليهما أن تجدا طريقهما فيه.