الحب الخفي
ظلال الماضي وقرارات الحاضر
بقلم فاطمة النجار
اشتدت وطأة الأيام على "ليلى"، وأصبحت رائحة القلق تفوح من كل زاويةٍ في حياتها. لم يعد رؤية "أحمد" في الأماكن العامة مجرد لقاءٍ عابر، بل أصبح اختبارًا لقدرتها على إخفاء ما يدور في خلجها. كلما قابلته، كانت عيناها تبحثان عن أي علامةٍ تدل على اضطرابه، أو أي وميضٍ يكشف عن الحقيقة المخفية. وكان "أحمد" بدوره يبدو أكثر انطواءً، وكلماته تحمل دائمًا قناعًا من اللامبالاة المصطنعة.
في أحد الأيام، وبينما كانت "ليلى" تسير في السوق الشعبي، وبينما كانت تنظر إلى بضائع الحرفيين المحليين، رأت "أحمد" يتحدث مع رجلٍ غريب. لم يكن الرجل من أهل القرية، فملابسه كانت باهظة الثمن، وطريقة كلامه تحمل لكنةً مختلفة. كان الرجل يضع يده على كتف "أحمد"، ويبدو أنه يوجه له كلامًا، بينما كان "أحمد" يومئ برأسه بإجاباتٍ مقتضبة، وعيناه تبدوان متألقتين.
شعرت "ليلى" بقلبها يهبط. لقد تكرر المشهد. رأته مرةً أخرى في موقفٍ مشبوه، مع شخصٍ غريب، وفي مكانٍ عامٍ لا يليق بخطوات "أحمد" المتعارف عليها. هل كان هذا الرجل هو نفس الشخص الذي رأته الليلة الماضية؟ هل كان هذا هو المصدر الذي يتلقى منه "أحمد" أوامره، أو ربما أمواله؟
لم تستطع "ليلى" أن تقف مكتوفة الأيدي. تقدمت بخطواتٍ سريعة نحو "أحمد"، وعزيمتها أقوى من خوفها. "أحمد! ما هذا؟" قالت بصوتٍ عالٍ، يحمل نبرةً من الاستياء. تراجع "أحمد" قليلًا، بينما نظر الرجل الغريب إليها بنظرةٍ استغرابٍ باردة. "ليلى! ما الذي تفعلينه هنا؟" أجاب "أحمد" محاولًا إخفاء دهشته. "لا تقل لي أنك في ورطةٍ مرةً أخرى." قالت "ليلى" وهي تنظر إلى الرجل الغريب باستنكار. حاول "أحمد" أن يحافظ على رباطة جأشه. "ليلى، هذا عملٌ خاص، لا يخصكِ. وهذا السيد... صديقٌ قديم." "صديقٌ قديم؟ ولكنك لم تذكر أن لديك أصدقاءً بهذه الهيئة. وملابسك تبدو وكأنها لا تتناسب مع أجواء القرية." ردت "ليلى" بإصرار، رافضةً أن تنخدع.
نظر الرجل الغريب إلى "أحمد" بتحدٍ، ثم ابتسم ابتسامةً ماكرة. "يا صديقي "أحمد"، يبدو أن لديكِ اهتمامًا خاصًا بأعمالنا. هل أنتِ مهتمةٌ بالاستثمار؟" شعر "أحمد" بالارتباك، وبدا وكأنه يود أن تبتلعه الأرض. "الاستثمار؟ في ماذا؟ في ما تجلبونه إلى قريتنا من مشاكل؟" قالت "ليلى" وهي تتوجه بكلامها إلى الرجل الغريب. "عفوًا، لكنني لا أفهم. ما هي المشاكل التي نتحدث عنها؟ نحن مجرد رجال أعمال." رد الرجل ببرود. "رجال أعمال؟ أم تجار سُم؟" سألت "ليلى" بلهجةٍ حادة. "ليلى، كفى! هذا ليس وقت النقاش." قال "أحمد" بصوتٍ يكاد يكون يهمس، وعيناه تصرخان بالرجاء. "بل هو وقت النقاش يا أحمد. ما الذي تخفيه عنا؟ ما هي هذه "الصفقات" التي تجريها في الخفاء؟ هل فقدت عقلك؟" قالت "ليلى" وهي تضع يدها على صدرها، تشعر بأن قلبها يكاد ينفطر.
أدرك الرجل الغريب أن الموقف قد يتفاقم. "أحمد، يبدو أن لديكِ بعض المشاكل العائلية. ربما من الأفضل أن نؤجل حديثنا. وداعًا." قال الرجل وهو يلتفت ليغادر. "ليس قبل أن تخبرني بالحقيقة!" صاحت "ليلى" خلفه. لكن الرجل اختفى بين أزقة السوق، تاركًا "أحمد" و"ليلى" في مواجهةٍ صامتة.
"ماذا فعلتِ يا ليلى؟" قال "أحمد" بصوتٍ مختنق، يحمل مزيجًا من الغضب واليأس. "ما الذي فعلته؟ بل ما الذي تفعله أنت؟" ردت "ليلى" وهي تكاد تبكي. "لقد رأيتك. رأيتك تتحدث مع هذا الرجل. سمعت كلماتٍ لم أفهمها، لكنها كانت تحمل معنىً واحدًا: الخطر. ما الذي تورطت فيه يا أحمد؟" "لا شيء! لا شيء على الإطلاق! أنتِ تتوهمين." قال "أحمد" وهو ينظر إلى الأرض. "أتوهّم؟ هل أتوهّم أنك تختبئ في الظلام؟ أتوهّم أنك تتحدث مع غرباء بلغةٍ لا أعرفها؟" سألت "ليلى" بمرارة. "ليلى، أنا... أنا أحاول حل بعض المشاكل." قال "أحمد" بصوتٍ ضعيف. "مشاكل؟ هل هذه المشاكل تبرر كل هذا؟ هل تبرر أن تكون حياتك عرضةً للخطر؟ هل تبرر أن تخدع كل من يحبك؟" "لم أخدع أحدًا." قال "أحمد" وهو يرفع رأسه، وعيناه تحملان لمعةً من الألم. "أنا فقط أحاول إيجاد طريقةٍ للخروج من ورطةٍ ورثتها." "ورطة ورثتها؟ من؟" سألت "ليلى" بفضول.
صمت "أحمد" للحظة، وكأنه يقيم مدى ثقتها به. ثم تنهد بعمق. "والدي... كان عليه ديونٌ كبيرة. ديونٌ لم يعرف بها أحد، ولم يعرف بها إلا بعد وفاته. هذه الديون تراكمت، وبدأ الدائنون يهددوننا. هذا الرجل... هو أحد الوسطاء الذين يحاولون مساعدتي في تسوية الأمر." "يساعدونك؟ أم يبتزونك؟" قالت "ليلى" بصوتٍ يرتعش. "الأمر معقدٌ جدًا يا ليلى." قال "أحمد" وهو يفرك جبينه. "هناك طرقٌ سريعة لكسب المال، لكنها تحمل مخاطر كبيرة. وهذا الرجل... يعرض عليّ بعض "الفرص"." "فرص؟ مثل ماذا؟ هل هي سرقة؟ هل هي تجارة ممنوعة؟" سألت "ليلى" وهي تشعر بالدوار. "لا... ليس تمامًا. الأمر يتعلق بـ... نقل بعض البضائع." قال "أحمد" وهو يتجنب النظر في عينيها. "بضائع؟ أي بضائع؟ هل هي مخدرات؟ هل هي أسلحة؟" سألت "ليلى" بحدة، وقلبها يتجمد من الخوف.
"لا! بالطبع لا!" قال "أحمد" بسرعة، وبدا عليه الانزعاج. "إنها... أشياء ثمينة. أشياء تحتاج إلى نقلٍ سريٍ وخاص. وهم يدفعون مبلغًا جيدًا مقابل هذه الخدمة." "مبلغ جيد؟ وهل تعتقد أن هذا يبرر كل هذا؟ هل تعتقد أن هذا يليق بشابٍ مثل "أحمد"؟ شابٌ لطالما كنت أفتخر به؟" قالت "ليلى" وهي تكتم شهقة. "ليلى، أنا أفعل كل هذا من أجل عائلتي. لأجل أمي وأبي. لا أريدهم أن يعيشوا في خوفٍ أو فقر." قال "أحمد" بصوتٍ خافت، يحمل نبرةً من العجز. "لكن هذا الفعل قد يدمركم جميعًا! قد يحول حياتكم إلى جحيم. هل فكرت في ما سيحدث لو تم القبض عليك؟ هل فكرت في العار الذي سيلاحقكم؟" قالت "ليلى" وهي تشعر بالدموع تنهمر على خديها.
"أنا أعرف المخاطر." قال "أحمد" وهو يرفع رأسه، وبدا عليه التصميم. "لكنني سأكون حذرًا. وسأنتهي من هذا في أسرع وقتٍ ممكن." "وهل تعتقد أن هذا سهل؟ هل تعتقد أن هؤلاء الناس يلعبون؟" "ليلى، أرجوكِ. لا تفهميني خطأ. أنا أحاول أن أصلح الأمور. ليس بيدي حيلةٌ أخرى." تنهدت "ليلى" بعمق. كانت تعرف أن "أحمد" في ورطةٍ حقيقية، وأن هذه ليست مجرد نزوة. لقد ورث ديونًا، وكان على وشك الوقوع في فخٍ أكبر. نظرت إليه، ورأت فيه شابًا متهالكًا، مثقلًا بالهموم، يتخبط في بحرٍ من الظلام.
"حسناً يا أحمد." قالت "ليلى" بصوتٍ هادئ، لكنه كان يحمل جديةً تامة. "إذا كنت مصرًا على فعل هذا، فعليك أن تعدني شيئًا." "ما هو؟" سأل "أحمد" باهتمام. "أعدني أنك ستكون حذرًا. وأنك لن تذهب بعيدًا في هذا. وأنك ستخبرني دائمًا بما تفعله. أنا... أنا أريد أن أساعدك. حتى لو كان ذلك بطرقٍ أخرى." نظر "أحمد" إلى "ليلى" طويلاً، يبدو أنه يقيم صدق كلماتها. ثم أومأ برأسه ببطء. "أعدكِ يا ليلى. سأكون حذرًا. وسأخبركِ بكل شيء."
شعرت "ليلى" بشيءٍ من الراحة، لكن القلق لم يغادرها. لقد دخلت الآن في هذا الأمر، وأصبحت جزءًا منه. لقد أصبحت شريكةً في سر "أحمد"، وشريكته في محاولة الخروج من هذه الورطة. وبينما كانت تبتعد عن "أحمد"، كان قلبها يصرخ: هل اتخذت القرار الصحيح؟ هل سيقودها هذا الطريق إلى السعادة، أم إلى مزيدٍ من العذاب؟