حب في الظلام
وهجٌ تحت سماءٍ متغيرة
بقلم فاطمة النجار
كانت الليلةُ صامتةً إلا من همسِ الريحِ العابرةِ، حاملةً معها عبقَ الترابِ المنديّ برذاذِ السماءِ. في جوفِ الصحراءِ الشاسعةِ، حيثُ لا تلوحُ سوى نجومٍ تتلألأُ كحباتِ الألماسِ المبعثرةِ على مخملٍ أسودَ، كانت "ليلى" تقفُ، تتأملُ الأفقَ بقلبٍ يعتصرُهُ مزيجٌ من الشوقِ والألمِ. يديها الناعمتينِ، اللتينِ اعتادتا رقةَ الحريرِ ونعومةَ بتلاتِ الوردِ، تمسكانِ الآنَ بقبضةِ قويةٍ على طرفِ عباءتِها الداكنةِ، وكأنها تحاولُ أنْ تجمعَ شتاتَ روحِها المبعثرةَ.
لم تكنْ ليلى مجردَ فتاةٍ عاديةٍ. كانتْ إحدى فتياتِ قبيلةِ "بني قيسَ" العريقةِ، المعروفةِ برزانتِها وكرمِها، ولكنّها كانتْ تحملُ في روحِها شغفًا نادرًا، حبًا للقراءةِ والتأملِ، وشغفًا جامحًا بالمعرفةِ. كانتْ عيناها الواسعتانِ، بلونِ البنِّ المحمَّصِ، تعكسانِ ذكاءً وحكمةً تفوقانِ سنَّها. شعرُها الأسودُ الداكنُ، الذي طالما غطّتهُ بحجابٍ شرعيٍّ أنيقٍ، يتناثرُ أحيانًا كظلٍّ سائلٍ مع هبّاتِ النسيمِ.
في تلكَ الليلةِ، كانتْ روحُ ليلى تسافرُ بعيدًا، إلى زمنٍ ولّى، إلى قصةٍ لم تكتملْ بعد. كانَ صوتُ والدِها، الشيخِ "سالمٍ"، يرنُّ في أذنيها: "يا ابنتي، الدنيا بحرٌ عميقٌ، ومن لم يملكْ سفينةً صالحةً، غرقَ في لجّتِهِ." كانَ كلامُهُ يصدقُ الآنَ، وهي تقفُ على شاطئِ حياتِها، تتأملُ الأمواجَ المتلاطمةَ.
كانتْ هناكَ علبةٌ خشبيةٌ قديمةٌ، تتوارثُها أجيالُ عائلتِها، تضعُها ليلى دائمًا بالقربِ منها. فتحتها الآنَ، لتكشفَ عن محتوياتِها القيمةِ: رسائلُ صفراءُ، وصورةٌ باهتةٌ لرجلٍ ذي لحيةٍ كثيفةٍ وابتسامةٍ واسعةٍ، ورقعةٌ قماشيةٌ مطرّزةٌ بالخيوطِ الذهبيةِ تحملُ اسمًا غريبًا: "جابر". كانتْ هذهِ هي خيوطُ ماضي عائلتِها، الألغازُ التي ظلتْ تلاحقُها.
كانتْ عينيها تتجولانِ في تفاصيلِ الصورةِ، تحاولُ أنْ تستجمعَ كلَّ معلومةٍ ممكنةٍ. منْ هذا الرجلُ؟ وما سرُّ هذهِ الرسائلِ؟ لماذا تشعرُ بصلةٍ غامضةٍ تربطُها بهِ، وكأنّها جزءٌ من روحِها؟ لم يكنْ لدى والدِها أيُّ استعدادٍ للحديثِ عنْ تلكَ الفترةِ منْ حياتِهِ، وكانَ دائمًا يغلقُ البابَ أمامَ أيِّ سؤالٍ يتعلقُ بهذا الموضوعِ.
فجأةً، سمعتْ ليلى صوتَ أقدامٍ تقتربُ. ارتجفتْ رعدةٌ خفيفةٌ في جسدِها، لكنّها لمْ تمنعْ نفسها منْ رفعِ رأسِها. كانتْ ظلالٌ تتحركُ في الظلامِ، تتبعُها خطواتٌ واثقةٌ. لمْ تكنْ تلكَ هي المرةَ الأولى التي تخافُ فيها منْ هذا الظلامِ، لكنّها كانتْ دائمًا تواجهُ مخاوفَها بشجاعةٍ.
اقتربَ الرجلُ، ورغمَ أنَّ الظلامَ كانَ يحجبُ ملامحَهُ، إلا أنَّ طيفَهُ المهيبَ كانَ كافيًا لإشعالِ فتيلِ الحذرِ في قلبِها. لمْ يكنْ منْ أهلِ القبيلةِ. ملابسهُ كانتْ مختلفةً، وحركتُهُ تحملُ نوعًا منْ الغرابةِ.
"منْ أنتِ؟" سألَ بصوتٍ عميقٍ، يخترقُ سكونَ الليلِ.
لمْ تجبْ ليلى على الفورِ. تأكدتْ منْ أنَّ العلبةَ الخشبيةَ آمنةٌ في يدِها، ثمّ رفعتْ رأسَها مجددًا، والتقتْ عيناهُما في خضمِّ الظلامِ. كانتْ عيناهُ، حتى في العتمةِ، تشعّانِ ببريقٍ حادٍّ، فيهِ مزيجٌ منْ القوةِ والحزنِ.
"أنا ليلى، ابنةُ سالمٍ، منْ بني قيسَ." قالتْ بصوتٍ ثابتٍ، رغمَ رجفةٍ خفيفةٍ تسللتْ إلى أطرافِ أصابعِها.
صمتَ الرجلُ لبرهةٍ، وكأنّهُ يستوعبُ الكلماتِ. ثمّ قالَ ببطءٍ: "بني قيسَ... اسمٌ عريقٌ. ولكنّي لمْ أعهدْ وجودَ فتاةٍ تتجولُ وحدَها في هذهِ الساعةِ المتأخرةِ منْ الليلِ."
"الليلُ ملكٌ للهِ، وسماءُ الصحراءِ هيَ مأوى الأرواحِ الحائرةِ." أجابتْ ليلى بكلماتٍ اقتبستْها منْ كتابٍ قرأتْهُ، محاولةً أنْ تبدوَ أكثرَ هدوءًا مما تشعرُ بهِ.
ابتسمَ الرجلُ ابتسامةً خفيفةً، لمْ تصلْ إلى عينيهِ. "حكمةٌ جميلةٌ، وإنْ كانتْ خطرةً في هذا المكانِ."
"الخطرُ لا يكمنُ في المكانِ، بلْ في النوايا." قالتْ ليلى، شعرتْ فجأةً بأنّها في مواجهةٍ، وأنّ هذهِ اللحظةَ تحملُ وزنًا أكبرَ منْ مجردِ لقاءٍ عابرٍ.
"ومنْ أينَ لكِ هذهِ المعرفةُ؟" سألَ الرجلُ، وبدتْ نبرتُهُ تحملُ شيئًا منْ الفضولِ.
"منْ القراءةِ، ومنْ التأملِ، ومنْ قصصِ الأجدادِ." أجابتْ، وأمسكتْ بالعلبةِ الخشبيةِ بقوةٍ أكبرَ.
"الأجدادُ..." تردّدَ الرجلُ الكلمةَ، وبدا وكأنَّ شيئًا ما قدْ لمعَ في عينيهِ. "هلْ لديكِ شيءٌ يخصُّ الأجدادَ؟"
ارتعشَ قلبُ ليلى. هلْ يعلمُ شيئًا عنْ العلبةِ؟ عنْ صورةِ "جابرٍ"؟
"لديّ ذكرياتٌ، وقصصٌ سمعتُها." قالتْ بحذرٍ.
"والذكرياتُ أحيانًا تكونُ أثقلَ منْ الجبالِ." قالَ الرجلُ، واقتربَ خطوةً أخرى. "ربما، في يومٍ منْ الأيامِ، سنلتقيُ مرةً أخرى، وتجدينَ فيّ منْ يفهمُ ثقلَ ذكرياتِكِ."
لمْ يمنحْها فرصةً للردِّ. استدارَ ببطءٍ، واختفى في عتمةِ الصحراءِ بنفسِ السرعةِ التي ظهرَ بها. بقيتْ ليلى واقفةً، قلبُها ينبضُ بشدةٍ، وعقلُها يدورُ في دوامةٍ منْ الأسئلةِ. منْ كانَ هذا الرجلُ؟ وماذا أرادَ؟ وهلْ سيعودُ حقًا؟
نظرتْ إلى العلبةِ الخشبيةِ في يدِها. كانَ وهجُ القمرِ الخافتِ ينيرُ نقشَها القديمَ، وكأنّها تحملُ سرًّا عتيقًا، سرًّا ينتظرُ أنْ يُكشفَ. شعرتْ بأنّ هذهِ الليلةَ ليستْ مجردَ ليلةٍ عاديةٍ، بلْ هيَ بدايةُ فصلٍ جديدٍ، فصلٌ قدْ يغيّرُ مجرى حياتِها، وتدركَ معنى "وهجٍ تحتَ سماءٍ متغيرةٍ".