الفصل 12 / 25

حب في الظلام

صدى الكلمات في أروقة الجامعة

بقلم فاطمة النجار

عادت ليلى إلى الجامعة، حاملةً معها ثقل الأفكار التي تجمعت في الأيام الماضية. سوق الحكايات القديمة، ورسالة الكتاب، وحديث خالد، كلها أمورٌ زادت من تعقيد مشاعرها. كانت تشعر بأنها تقف على أرضٍ هشة، وأن أي خطوةٍ خاطئة قد تُسقطها في بحرٍ من الندم.

في ذلك اليوم، كان لديها محاضرةٌ مع الأستاذ عمر. كان عمر، بأسلوبه الهادئ، وفصاحته الآسرة، قادرًا دائمًا على جعل ليلى تنسى همومها. كان يشرح الأدب العربي، وكأنه ينسج خيوطًا من التاريخ والجمال، ويُعيد إحياء روائع الشعراء العظماء.

جلست ليلى في الصف الأمامي، وقلبها يخفق بقوةٍ أكبر من المعتاد. كانت تحاول جاهدةً أن تبدو طبيعية، ولكن عينيها كانتا تلاحقان عمر في كل حركةٍ يقوم بها. كان يقف أمام السبورة، يكتب أبياتًا شعريةً بيده، وشعره الأسود المنسدل على جبينه يضيف إلى جاذبيته.

"اليوم،" بدأ عمر بصوته العميق، "سنتحدث عن مفهوم الحب في الشعر الجاهلي. إنه حبٌ مختلفٌ عن حبنا المعاصر، حبٌ يتسم بالعفة، والشوق، والألم. حبٌ يتجلى في وصف الأطلال، وفي تذكر أيامٍ ولت، وفي التغني بجمال المحبوبة، ولكن دائمًا مع احترامٍ ووقار."

كان عمر يتحدث، وكلماته تخترق روح ليلى كسهامٍ دقيقة. كان يتحدث عن الحب، عن العفة، عن احترام المحبوبة. هل كان يقصدها؟ هل كان يرى فيها ما لا تراه هي بنفسها؟

"كان الشاعر الجاهلي،" تابع عمر، "يعبر عن حبه بأسمى الكلمات، ولكنه لم يكن يتجرأ على المساس بالمحظور. كان يقف عند حدود الشرع، ويُقدس العلاقة بينه وبين محبوبته. فالحب، يا سادتي، يجب أن يكون طاهرًا، نقيًا، لا يشوبه شائبةٌ من الحرام."

نظرت ليلى إلى عمر، ورأت في عينيه صدقًا وعمقًا. شعرت بأنها تفهم الآن ما كانت جدتها تقصده. الحب الحقيقي، هو ما يُرضي الله.

بعد انتهاء المحاضرة، أسرعت ليلى بخطواتها لتلحق بعمر. كانت بحاجةٍ للتحدث معه، أن تسأله، أن تسمع منه.

"أستاذ عمر،" قالت ليلى بترددٍ وهي تقف بجانبه.

التفت عمر إليها، وابتسم. "نعم يا ليلى؟ هل لديكِ سؤالٌ؟"

"أردت أن أشكرك على هذه المحاضرة القيمة. لقد ألهمتني كثيرًا."

"هذا واجبي يا ليلى. والأهم أن تكوني قد استفدتِ."

"استفدتُ جدًا. وخاصةً عندما تحدثت عن الحب. كنتُ أفكر كثيرًا في هذا الأمر مؤخرًا."

نظر عمر إليها بفضول. "حقًا؟ وما الذي يشغلكِ بشأنه؟"

ترددت ليلى. هل كان بإمكانها أن تتحدث معه بصراحة؟ هل كان يستحق هذه الثقة؟

"أنا... أواجه بعض القرارات الصعبة في حياتي الشخصية،" قالت ليلى بصوتٍ منخفض. "يتعلق الأمر بمسألة الزواج. وهناك شابٌ جيدٌ يتقدم لي، ولكني... أشعر أن هناك شيئًا ما... ينقصني."

أومأ عمر برأسه بتفهم. "هذه مرحلةٌ طبيعيةٌ في حياة كل فتاة. اختيار شريك الحياة ليس بالأمر الهين. ولكنه يجب أن يكون اختيارًا عن قناعةٍ ورضا. يجب أن تنظري إلى الرجل الذي سيشارككِ حياتكِ، ليس فقط من ناحيةٍ واحدة، بل من كل النواحي. هل تجدين فيه الدين، والخلق، والعقل، والرفقة الصالحة؟"

"هذا ما أحاول أن أفهمه،" قالت ليلى. "ولكن، أحيانًا، يكون هناك شعورٌ غامضٌ، لا تستطيعين تفسيره."

"هذا الشعور، يا ليلى، قد يكون همس القلب، وقد يكون مجرد فتنةٍ عابرة. الأهم هو أن تستعيني بالله، وأن تستخيريه. وأن تبحثي عن الرجل الذي يرى فيكِ شريكةً لدرب الحياة، لا مجرد نصفٍ لتكتمل به."

شعرت ليلى بارتياحٍ شديدٍ بعد حديثها مع عمر. كانت كلماته تحمل طمأنينةً ووضوحًا. لقد منحها دفعةً قويةً نحو اتخاذ قرارها.

"أستاذ عمر،" قالت ليلى بترددٍ. "هل... هل تعتقد أن الحب يمكن أن ينشأ في ظروفٍ غير تقليدية؟"

نظر عمر إليها بتمعن. "الحب، يا ليلى، قدرٌ من الله. وقد يأتي من حيث لا تحتسبين. ولكن، يجب أن يكون في إطارٍ شرعيٍ، ومرضيٍّ لله. لا يجب أن تسمحي لمشاعرٍ عابرةٍ أن تُفسد عليكِ حياتكِ. الأهم هو أن يكون الحب مبنيًا على الاحترام، والتقدير، والإيمان المشترك."

"ولكن، ماذا لو كان هذا الحب... عميقًا؟" سألت ليلى بعينين تلمعان ببعض الرجاء.

ابتسم عمر. "إذا كان هذا الحب عميقًا، وصادقًا، ومرضيًّا لله، فستجدين الطريق إليه. ولكن، لا تفتحي بابًا قد يُغلق عليكِ. كوني حذرةً، وصادقةً مع نفسكِ."

عاد عمر إلى مكتبه، تاركًا ليلى واقفةً في الممر، وقلبها ينبض بشعورٍ جديد. شعورٌ بالوضوح، وشعورٌ بالمسؤولية. لقد فهمت الآن أن الأمر ليس مجرد اختيارٍ بين رجلين، بل هو اختيارٌ لطريقٍ ستقطعها بقية حياتها.

في طريق عودتها إلى المنزل، مرت ليلى بمركز الأنشطة الطلابية. كانت ترى الطلاب مجتمعين، يتناقشون، ويتعاونون. لفت انتباهها لافتةٌ معلقةٌ على أحد الجدران: "نادي الشعر والأدب العربي - بابٌ مفتوحٌ لكل عشاق الكلمة."

تذكرت ليلى شغفها بالأدب، وشغف عمر به. تذكرت كيف كانت تشعر بسعادةٍ غامرةٍ حين تتحدث معه عن الكتب، وعن الشعر. هل كان هذا النادي فرصةً لها؟ فرصةً لتُقرب المسافات، ولكن بطريقةٍ شرعيةٍ وراقية؟

دخلت ليلى إلى قاعة النادي. كانت القاعة مليئةً بالطلاب، يجلسون في حلقاتٍ دائرية، ويقرأون الشعر، ويتبادلون الآراء. كان الجو مليئًا بالود، والاحترام المتبادل. وفي إحدى الزوايا، رأت عمر جالسًا، يبتسم وهو يستمع إلى أحد الطلاب.

لم تتردد ليلى. تقدمت بخطواتٍ واثقة، وجلست في إحدى الحلقات. شعرت بأنها وجدت مكانها، وأنها بدأت تُعيد اكتشاف نفسها. لم تكن تبحث عن حبٍ محرم، بل عن حبٍ يُعلي من قدرها، ويُقوي إيمانها، ويُثري روحها.

وبينما كانت تستمع إلى الأبيات الشعرية، وهي تتأمل في ابتسامة عمر، شعرت ليلى بأنها بدأت تفهم معنى "مفاتيح القلوب" بشكلٍ أعمق. مفاتيح القلوب، كانت تكمن في فهم الذات، وفي الصدق مع النفس، وفي السعي وراء ما يُرضي الله، وما يُبنى عليه حبٌ أصيلٌ، يدوم.

كانت هذه اللحظة، في صخب نادي الشعر، بين كلمات الشعراء، ونظرات عمر، بدايةً جديدة. بدايةٌ ستُقرر فيها ليلى أن تبحث عن حبها، لا في الظلام، بل في نور الحقيقة، وبمساندةٍ من الله، ودربٍ تُضيئه الآداب الرفيعة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%