حب في الظلام
خيوط متشابكة في بيت العائلة
بقلم فاطمة النجار
كانت الأجواء في بيت عائلة الحاج منصور مشحونةً بالترقب. الحاج منصور، الرجل ذو الهيبة، والعينين اللتين تحملان عمق السنين، كان يجمع عائلته في مجلسه الكبير. اجتمع أبناؤه، وبناته، وأحفاده، حوله. رائحة القهوة العربية الأصيلة، الممزوجة بعبق البخور، كانت تملأ المكان.
كانت الحاجة فاطمة، والدة ليلى، تجلس بجانب زوجها، وتنظر إلى ابنتها بعينين تلمعان بالقلق والأمل. ليلى، بجمالها الهادئ، وثوبها الحريري ذي اللون الفضي، كانت تبدو كأميرةٍ تنتظر قرارًا مصيريًا.
"يا أبنائي وبناتي،" بدأ الحاج منصور بصوته الرخيم، الذي اعتاد الجميع أن يسمعوه في المناسبات الهامة. "نحن هنا اليوم لنُبارك لابنتنا ليلى، ولنُساندها في خطوتها القادمة. كما تعلمون، فقد تقدم لخطبة يدها المهندس خالد، الشاب الخلوق، من عائلةٍ كريمةٍ نعرفها ونحترمها. وقد وافقت والدتها، وأنا لا أعارض، فخالدٌ نعم الزوج، ونعم الرجل."
بدأت الحاجة فاطمة تتحدث، وصوتها يرتعش قليلًا. "يا ليلى، ابنتي الغالية. نحن نريدكِ أسعد الناس. المهندس خالدٌ رجلٌ صالحٌ، وسيُسعدكِ بإذن الله. عائلتنا تُحب خالدًا، ونتمنى لكما كل التوفيق."
نظرت ليلى إلى والديها، وإلى أفراد عائلتها المتجمعين. شعرت ببعض الخوف، ولكنها كانت مستعدةً. لقد تحدثت مع جدتها، ومع أستاذ عمر. لقد فهمت أن عليها أن تكون صادقةً مع نفسها، ومع ربها.
"أبي، أمي،" بدأت ليلى بصوتٍ ثابتٍ، وإن كان يرتجف قليلًا. "أنا أقدر جدًا ما تفعلونه من أجلي، وأحبكم حبًا كبيرًا. المهندس خالدٌ رجلٌ طيبٌ، وأخلاقه عالية، وأنا ممتنةٌ له ولعائلته على هذا الاهتمام."
صمتت ليلى للحظة، وأخذت نفسًا عميقًا. "ولكن،" تابعت، "قلبي ليس مطمئنًا تمامًا. أشعر أنني لم أفهم نفسي بعد. أشعر أن هناك أمورًا ما زالت غامضةً في حياتي، وأحتاج إلى وقتٍ لأفهمها."
اتسعت عينا الحاجة فاطمة بقلق. "ما الذي تقصدينه يا ليلى؟ ألا ترضين بالمهندس خالد؟"
"ليس الأمر كذلك يا أمي. أنا أقدر خالدًا. ولكني أحتاج إلى أن أكون صادقةً مع نفسي. أريد أن أتأكد من أن اختياري هو الاختيار الصحيح، الاختيار الذي يرضي الله، والاختيار الذي سيبني عليه مستقبلي."
تدخل الحاج منصور، بنبرةٍ هادئةٍ وحكيمة. "يا ابنتي، إذا كان هناك ما يُقلق قلبكِ، فعلينا أن نستمع إليه. ولكن، علينا أن نتحرك في إطارٍ شرعيٍ. هل هناك شابٌ آخر تقدم لكِ؟"
نظرت ليلى إلى والديها، وشعرت بأنها تتقدم في طريقٍ شائك. "ليس تقدم رسميًا يا أبي. ولكن، هناك شخصٌ آخر... هو أستاذي في الجامعة. أستاذ عمر."
صمتٌ مفاجئٌ عمّ المكان. نظرت الحاجة فاطمة إلى ابنتها بصدمةٍ واضحة. "أستاذكِ؟ وماذا يعني ذلك يا ليلى؟ هل هو مجرد إعجابٍ أكاديمي؟"
"لا أدري يا أمي. ولكني أشعر نحوه بتقديرٍ واحترامٍ كبيرين. هو رجلٌ ذكي، ومثقف، ويُشجعني على التفوق. ولكني لا أعرف ما إذا كان هذا شعورًا طبيعيًا، أم أنه شيءٌ أعمق."
تحدثت الحاجة فاطمة بغضبٍ مكتوم. "يا ليلى، أنتِ تعلمين أن هذا غير ممكن. هو أستاذكِ، ومن عائلةٍ مختلفة. وأنتِ مخطوبةٌ، أو على وشك الخطوبة، من المهندس خالد."
"لم أُخطب بعد يا أمي،" قالت ليلى بصوتٍ خافت. "وأنا أريد أن أفهم مشاعري قبل أن أُعطي أي وعدٍ لأحد."
قال الحاج منصور، بنبرةٍ حازمة. "يا ليلى، الاحترام واجبٌ تجاه أساتذتكِ. ولكن، لا يجب أن نخلط بين الاحترام وبين أمورٍ أخرى. إذا كان هناك شابٌ آخر يُفكر فيكِ، فعليه أن يتقدم بشكلٍ رسمي، وأن يُقدم عرضه لوالديكِ. أما مجرد التفكير، فهو ليس كافيًا."
"أنا أفهم يا أبي. ولكني أردت أن أكون صادقةً معكم. لا أريد أن أتخذ قرارًا ندم عليه لاحقًا."
كانت الحاجة فاطمة في حالةٍ من الارتباك. لم تتوقع أبدًا أن تصل الأمور إلى هذا الحد. كان المهندس خالدٌ خيارًا مثاليًا في نظرها.
"يا ليلى،" قالت بصوتٍ حانٍ ولكن مُتألم. "هل أنتِ واثقةٌ من هذا الأمر؟ هل أنتِ متأكدةٌ أن هذا ليس مجرد وهم؟"
"أنا غير متأكدةٍ يا أمي،" اعترفت ليلى. "ولكنني أريد فرصةً لأفهم. أريد أن أُصلي الاستخارة، وأن أطلب من الله أن يُبصّرني بالخير."
تدخلت العمة سارة، شقيقة الحاج منصور، والتي كانت دائمًا تحمل وجهة نظرٍ مختلفة. "يا فاطمة، يا منصور، لعل ليلى تقول الحق. إذا كان قلب الفتاة لا يطمئن، فلا يجب أن نُجبرها. والزواج قسمةٌ ونصيب."
"ولكن، يا سارة،" ردت الحاجة فاطمة، "المهندس خالدٌ رجلٌ صالحٌ. أين سنجد مثله؟"
"الصالحون كثيرون يا فاطمة،" قالت العمة سارة. "والأهم أن يكون قلب ابنتنا مطمئنًا. ربما يكون أستاذ عمرٌ خيرًا لها، ولم نكن نعلم."
تنهد الحاج منصور. "إذا كان الأمر كذلك، فعلينا أن نستمع إلى ما في قلب ليلى. ولكن، يجب أن نتحرك بحذرٍ، وفي إطارٍ شرعي. لا نريد أن نُحدث فتنةً، أو نُسبب لأحدٍ أذى."
"ما الذي تقترحونه يا أبي؟" سألت ليلى، قلبها يخفق.
"أولًا،" قال الحاج منصور، "أنتِ بحاجةٍ إلى وقتٍ للتفكير، وللصلاة. استخيري الله في هذه المسألة. ثانيًا، إذا كان أستاذ عمرٌ مُعجبًا بكِ حقًا، فليعلم أن عليه أن يتقدم بشكلٍ رسمي، وأن يُقابلني أنا أو والدكِ. أما غير ذلك، فلا داعي لإثارة الأمر."
"ولكن، يا أبي،" قالت ليلى بحذر، "هو لا يعرف أنني أفكر فيه بهذه الطريقة. لم أُخبره بذلك."
"إذًا،" قال الحاج منصور، "إما أن تنسي الأمر، أو أن تخبري والدتكِ، وهي بدورها ستُخبرني. ولكن، لا نريد أن ندخل في علاقاتٍ مُحرمة، أو أن نُعطي آمالًا كاذبة."
كانت كلمات الحاج منصور قاطعةً، ولكنها حملت بعض الأمل. شعرت ليلى بأنها وجدت بابًا صغيرًا يُفتح أمامها.
"حسنًا يا أبي،" قالت ليلى. "سأفكر كثيرًا، وسأستخير الله."
شعرت ليلى بأنها نجت من موقفٍ صعب. لقد عبّرت عن مشاعرها، وحصلت على بعض الوقت. ولكنها علمت أن المعركة لم تنتهِ بعد. كانت عليها أن تُفكر مليًا، وأن تستخير، وأن تكون صادقةً مع نفسها، ومع ربها.
بينما كانت الأجواء