الفصل 15 / 25

حب في الظلام

همسات في أروقة العائلة

بقلم فاطمة النجار

صباح اليوم التالي، استيقظ أحمد مبكراً، وعلى وجهه تصميم لا تلين. بعد أن أدى صلاته، توجه مباشرة إلى غرفة والده. وجد الحاج محمد جالساً في ركن الغرفة، يقرأ في المصحف الشريف. توقف أحمد قليلاً، يستجمع شجاعته، ثم دخل بصوت هادئ. "صباح الخير يا أبي."

رد الحاج محمد دون أن يرفع بصره عن المصحف. "صباح النور يا بني. هل من أمر؟"

جلس أحمد أمامه. "نعم يا أبي. أريد أن أتحدث معك في أمر مهم. أمر يتعلق بمستقبلي."

رفع الحاج محمد بصره عن المصحف، وأغلقه ببطء. نظرة فاحصة استكشفت وجه ابنه. "تحدث يا أحمد. أنا أسمع."

أخذ أحمد نفساً عميقاً. "كما تعلم يا أبي، لقد تعرفت على ليلى، ابنة العم أبو زيد. وقد تطورت علاقتنا، وأصبحت علاقة محبة واحترام متبادل."

هنا بدأت علامات الرضا ترتسم على وجه الحاج محمد. "نعم، سمعت الكثير عنها. فتاة محترمة، ومن عائلة طيبة. هذا يسعدني."

"أنا أريد يا أبي أن أخطبها رسمياً،" قال أحمد، وهو يشعر ببعض الثقل يتزحزح من صدره. "لقد وعدتها أنني سأتقدم لخطبتها فور عودتي."

ظل الحاج محمد صامتاً للحظة، يفكر. لم يكن الأمر مفاجئاً تماماً، فقد رأى التغير في سلوك أحمد في الفترة الأخيرة، وشعر بالارتياح لفكرة الارتباط بعائلة قريبة. لكنه كان دائماً يفضل أن تسير الأمور وفق خطوات محسوبة.

"خطبة؟ هذا قرار كبير يا بني،" قال أخيراً، "هل أنت مستعد؟ هل تحدثت مع عمك أبو زيد؟"

"لا يا أبي، لم أتحدث معه مباشرة. كنت أريد أن آخذ رأيك أولاً، وأن أتأكد من مباركتك. أنا أعلم أنك تهتم بمصلحتي، وبأن الزواج مسؤولية عظيمة."

"بالتأكيد يا بني. أنا أريدك أن تبني بيتاً قوياً، على أسس سليمة. الزواج ليس لعبة، بل شراكة حياة. هل فكرت في الأمور المالية؟ هل فكرت في ترتيبات الزواج؟ تكاليفه، تجهيزات بيت جديد؟"

هذه هي النقطة التي كان أحمد يتخوف منها. "أعلم يا أبي أن هذه الأمور تتطلب استعداداً. ولكنني أريد أن أبذل قصارى جهدي. أعتقد أن مشروعنا الجديد، بعد أن ينجح، سيكون كافياً لتغطية هذه الأمور. وأنا مستعد للعمل بجد أكبر."

"مشروعك الجديد يتطلب تركيزاً كاملاً يا أحمد،" قال الحاج محمد، بصوت فيه بعض التحذير، "إن نجاحه هو مفتاح مستقبلك، ومفتاح استقرارك. لا أريدك أن تشتت نفسك. الزواج يتطلب وقتاً، وجهداً، ومالاً. هل فكرت في أن تخطبها، وتؤجل الزواج فترة؟ هذا قد يعطينا فرصة للاستعداد بشكل أفضل."

شعر أحمد بخيبة أمل خفيفة. كان يأمل أن يحصل على موافقة فورية. "ولكن يا أبي، أنا أريد أن أكون رجلاً مسؤولاً، وأن أبني أسرتي. كما أنني لا أريد أن أطيل على ليلى."

"وأنا لا أريدك أن تتسرع في أمر قد تندم عليه،" قال الحاج محمد بجدية، "دعنا نتحدث مع عمك أبو زيد أولاً. سنرى ما يقول. ثم سنضع خطة. ربما نجد حلاً وسطاً. أنا لا أمنعك، بل أدعوك للتفكير بعمق، وللتخطيط بحكمة. الزواج مسؤولية، وأنا أريد أن أراك أسعد الناس، وليس أول الناس ديناً."

في منزل العم أبو زيد، كانت الأمور تسير على وتيرة مختلفة. جلست السيدة فاطمة مع ابنتها ليلى في حديقة المنزل. كانت ليلى سعيدة بخبر عودة أحمد، وبشوقها للقائه.

"أمي، هل تعتقدين أنه سيتحدث مع والده؟" سألت ليلى، وعيناها تلمعان بالأمل.

"بالتأكيد يا حبيبتي،" قالت السيدة فاطمة، وهي تضع يدها على كتفها. "أحمد شاب واعد، ورجل مسؤول. أنا واثقة من أنه سيتصرف بالشكل المناسب."

"أتمنى ذلك يا أمي. ولكنني أشعر ببعض القلق. والده، الحاج محمد، يبدو لي رجلاً يحب أن تسير الأمور على طريقته. هل سيوافق على زواج مبكر؟"

"القلق في محله يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة، "ولكن الحب الحقيقي، والعلاقات الطيبة، قد تساعد في تخطي الكثير من العقبات. حاولي أن لا تشغلي بالك كثيراً. ركزي على ما يمكنك التحكم فيه. واجعلي دعاءك هو سلاحك."

وفجأة، دخل العم أبو زيد الغرفة، وعلى وجهه ابتسامة غامضة. "ماذا تتحدثان؟"

"نتحدث عن أحمد، وعن عودته، وعن مستقبل ليلى،" أجابت السيدة فاطمة.

"أحمد؟" قال العم أبو زيد، وقد بدت عليه علامات الدهشة. "لم يصلني أي خبر عن عودته. هل هو قادم إلى هنا؟"

"نعم يا عمي. لقد وعد ليلى بالعودة قريباً. وهي تنتظره بشوق."

نظر العم أبو زيد إلى ليلى. "هذا خبر جيد. أحمد شاب مهذب، وأنا معجب به. ولكن هل تقدم لخطبتك رسمياً؟ هل تحدث مع والده؟"

هنا شعرت ليلى بحرارة تصعد إلى وجهها. "لم نتحدث عن هذه التفاصيل يا عمي. ولكني... أنا أحبه، وهو يحبني."

تنهد العم أبو زيد. "الحب شيء، والزواج شيء آخر يا ليلى. الزواج مسؤولية، ويتطلب موافقات، وخطوات محسوبة. خاصة عندما يتعلق الأمر بعائلة الحاج محمد. هو رجل له هيبته، وله طريقته. يجب أن نتأكد من أن الأمور ستسير بسلاسة، دون تعقيدات."

"وما هي التعقيدات التي تخشاها يا أبي؟" سألت السيدة فاطمة، محاولة أن تبدو هادئة.

"التعقيدات التي تأتي من عدم الاستعداد،" قال العم أبو زيد، "من أن يظن الناس أننا نستعجل الأمور، أو أننا نضغط على الحاج محمد. الحاج محمد رجل يحب أن يقدم الدعم، ولكن بشروطه. يجب أن نتأكد من أننا على نفس الخط، وأننا لسنا عبئاً عليه. فكروا في الأمر. ربما يجب أن ننتظر حتى يطمئن أحمد على مشروعه، ثم يتقدم بخطوة واضحة. هذا سيجعل الأمور أسهل للجميع."

شعرت ليلى بأن آمالها بدأت تتضاءل. كلام والدها كان منطقياً، لكنه كان يؤلم قلبها. هل يعني هذا أن عليها الانتظار طويلاً؟ هل يعني أن حبها سيتحول إلى مجرد حلم مؤجل؟

نظرت إلى والدتها، التي بدت عليها علامات القلق الخفي. كانت السيدة فاطمة تعرف زوجها جيداً، وتعرف أن أبا زيد يضع مصلحة العائلة فوق كل شيء، وهذا قد يعني تأجيل ما تريده ليلى.

"ولكن يا أبي،" قالت ليلى بصوت مرتجف قليلاً، "أحمد وعدني. وأنا أثق به. هل عدم الثقة في كلامه يعني أننا لا نحترمه؟"

"لا يا ابنتي، ليس هذا ما أقصده،" قال العم أبو زيد، وهو يشعر ببعض اللين. "أنا أحترم أحمد، وأثق به. ولكنني رجل أب، وأخاف على ابنتي. أريد أن يكون زواجها مستقراً، وأن لا تواجه صعوبات لا داعي لها. دعنا ننتظر، ونرى ما سيقول الحاج محمد. إذا كان أحمد جاداً، فسيأخذ وقته الكافي للاستعداد، وللتقدم بشكل رسمي. هذا هو ما أتوقعه من رجل مثله."

في تلك اللحظة، دخلت الحاجة زينب، وهي تحمل معها طبقاً من التمر. "ما هذه الوجوه المتجهمة؟ ألم تسمعوا خبراً ساراً؟"

"الخبر السار هو عودة أحمد،" قالت السيدة فاطمة، "ولكن يبدو أن هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى ترتيب."

نظرت الحاجة زينب إلى الجميع، ثم جلست بهدوء. "الترتيبات يا أبنائي، هي من تدبير الله. ولكن الإنسان يجب أن يبذل السبب، وأن يتوكل عليه. لا تجعلوا القلق يسرق منكم فرحة الأمل. أحمد شاب خير، وليلى فتاة مباركة. إن كان فيهما خير، فسيجمع الله بينهما. ولكن يجب أن يسير كل شيء في وقته. الزواج رزق، والرزق يأتي بتوفيق الله، وبسعي الإنسان. دعونا ندعو الله، ونرى ما سيحدث."

كانت كلمات الحاجة زينب تحمل حكمة لا تخطئ. كانت تذكرهم بأن الأمور ليست دائماً بيدهما، وأن التخطيط وحده لا يكفي. كان هناك دائماً عنصر القدر، وعنصر التدبير الإلهي.

في غرفتها، جلست ليلى تفكر. كانت تحب أحمد، وتثق به. ولكنها كانت أيضاً تفهم مخاوف والدها. كانت تعلم أن الحاج محمد رجل عملي، ويفضل أن تكون الأمور واضحة ومنظمة. كان عليها أن تنتظر، وأن تدعو الله. ربما كان هذا الانتظار اختباراً لقوة حبها، وصبرها. ربما كان هذا هو الوقت الذي ستتأكد فيه من أن أحمد مستعد حقاً، وليس مجرد شاب يعيش حلم الحب.

في صباح اليوم التالي، بينما كان الحاج عبد الرحمن يتناول فطوره، قال للحاج محمد: "لقد تحدثت مع أحمد بالأمس. يبدو أنه مصر على الارتباط بليلى. وهي فتاة طيبة، وأنا أرى أن هذا الزواج سيكون مباركاً."

نظر الحاج محمد إلى ابنه. "أحمد؟ هل تحدث معك؟"

"نعم يا أبي. لقد قال لي إنه يريد التقدم لخطبتها. وأنا أعتقد أنه يجب أن ندعم قراره. هو شاب مسؤول، وقد أثبت جدارته في أعماله. وبالنسبة للأمور المالية، يمكننا أن نساعده قليلاً في البداية، ليطمئن. ولكن بشرط أن يكون لديه خطة واضحة، وأن يبدأ في تنفيذها فوراً."

أومأ الحاج محمد برأسه ببطء. "أنا لا أشك في قدرة أحمد. ولكنني أخشى أن يتشتت تركيزه. زواجه من ليلى يعني مسؤولية أكبر. وربما يجب أن نتحدث مع عمك أبو زيد أولاً، لنرى ما لديه من استعدادات، وما هي توقعاته. يجب أن نتأكد من أن الجميع على وفاق."

"هذا هو الأفضل يا أبي،" قال الحاج عبد الرحمن. "سنقوم بزيارة إلى منزلهم هذا الأسبوع، لنتحدث معهم بشكل رسمي. ونرى كيف يمكننا أن نجمع بين حب الشباب، وبين حكمتكم، وبين تقاليدنا."

كانت هذه الخطوة، وهي الزيارة الرسمية، هي ما كانت تخشاه ليلى قليلاً، وتتطلع إليه في الوقت نفسه. كانت تعتقد أن هذه الزيارة ستكون نقطة تحول. نقطة ستكشف ما إذا كانت أحلامها ستصبح حقيقة، أم أنها ستظل مجرد همسات في أروقة العائلة، تنتظر بصبر، ودعاء، ووقت مناسب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%