حب في الظلام
ظلال الشك وكلمات الإقناع
بقلم فاطمة النجار
كانت الأجواء في منزل العم أبو زيد مشحونة بترقب هادئ. بعد أسبوع من الحديث بين الحاج محمد والحاج عبد الرحمن، تقرر تحديد موعد لزيارة رسمية من بيت الحاج محمد لبيت العم أبو زيد. لم يكن الهدف من الزيارة مجرد تهنئة بعودة أحمد، بل كان الهدف الأساسي هو فتح باب النقاش حول مستقبل ليلى وأحمد.
جلست السيدة فاطمة مع ابنتها في غرفتهما، قبل وصول الضيوف. "هل أنت مستعدة يا ابنتي؟" سألت السيدة فاطمة، وهي تعدل حجاب ليلى.
"أنا جاهزة يا أمي، ولكن قلبي يخفق بشدة،" أجابت ليلى، وهي تنظر إلى المرآة.
"هذا طبيعي يا حبيبتي. إنها لحظة مهمة. ولكن تذكري، أنتِ لست وحدك. نحن معك. وأحمد سيكون هنا ليدعمك."
"أتمنى ذلك يا أمي. ولكنني أخاف من رأي والدي. فهو يبدو متردداً."
"والدك يخاف على مصلحتك يا ليلى، وهذا دليل على حبه. ولكن في بعض الأحيان، قد يمنعنا خوفنا من المستقبل من اغتنام فرصة سعيدة في الحاضر. دع الأمر يأخذ مجراه. كوني هادئة، ودعي كلامك يكون موزوناً."
عندما وصل الحاج محمد والحاج عبد الرحمن، استقبلهما العم أبو زيد بترحيب حار. تم استقبالهم في ديوان الرجال، حيث جلس الحاج محمد والحاج عبد الرحمن مع العم أبو زيد، بينما كانت السيدة فاطمة والحاجة زينب قد أعددتا القهوة والشاي والحلوى، ثم انضمتا إلى المجلس بعد تقديم الضيافة.
بدأت المحادثة بشكل ودي، تحدثوا عن أخبار المدينة، وعن أحوال العائلة، ثم انتقلوا تدريجياً إلى الموضوع الرئيسي.
"أخانا أبو زيد،" بدأ الحاج محمد، وهو ينظر إلى العم أبو زيد بجدية، "جئنا اليوم لنتحدث في أمر يهم مستقبل شابين عرفنا قدرهما، وأحببنا لهما الخير. ابننا أحمد، وابنتكم ليلى."
ابتسم العم أبو زيد، ولكن كانت هناك علامات الاستفهام ترتسم في عينيه. "نعم يا أخانا محمد. سمعت أن أحمد عاد. وأن الأمور بينهما قد تطورت."
"نعم،" أكد الحاج عبد الرحمن، "لقد تحدثت مع أحمد، وهو مصر على خطبة ليلى. هو معجب بها، ويرى فيها شريكة حياته. ونحن، كعائلة، ندعمه في هذا القرار."
صمت العم أبو زيد للحظة، ثم قال: "أحمد شاب ممتاز، ونحن نحترمه. ولكن الزواج ليس بالأمر الهين. خاصة وأن أحمد يمر بمرحلة بناء لمشروعه الجديد. هل هو مستعد لتحمل مسؤولية الزواج في هذه المرحلة؟ هل سيكون لديه الوقت والجهد الكافيان للاهتمام بزوجته، وبمشروعه في آن واحد؟"
كانت هذه هي النقطة التي تخوف منها الحاج محمد. "أعلم يا أبا زيد أن أحمد يركز على مشروعه، وهو أمر مهم. ولكن الحب يدفع الإنسان للسعادة، والسعادة تدفع للعمل. أنا أرى في أحمد القدرة على الموازنة. وبالنسبة للتكاليف، فإننا كعائلة سنساعده، ولكننا نريد أن نراه يبني مستقبله بنفسه."
"مساعدتكم يا أخانا محمد، محل تقدير كبير،" قال العم أبو زيد، وهو يقلب وجهه نحو الحاج محمد، "ولكن ليلى تستحق الأفضل. تستحق زوجاً مستقراً، قادراً على توفير حياة كريمة لها، وأن يكون لها وقت واهتمام. أنا لا أشك في حب أحمد، ولكنني أشك في قدرته على تحمل كل هذه المسؤوليات في وقت واحد. لقد رأيت في الماضي شباباً تشتت تركيزهم، وضاعوا بين الحب والعمل."
كانت كلمات العم أبو زيد تشبه السهام التي تصيب ليلى في قلبها. كانت تتألم لسماع هذه الشكوك، وهي تعلم أن والدها ينظر إلى الأمور بواقعية، ولكنها كانت تود لو أن الجميع رأوا في أحمد ما رأته هي.
"يا أبا زيد،" تدخلت الحاجة زينب بصوت هادئ، "لكل بداية صعوباتها. ولكن عندما يكون الحب قوياً، والإصرار حقيقياً، فإن الإنسان يجد طريقه. أحمد شاب موهوب، وليلى فتاة صابرة، ومتفهمة. أعتقد أن بإمكانهما معاً أن يتجاوزا هذه الصعوبات."
"وخصوصاً أن ليلى ليست من النوع الذي يضغط على زوجها،" أضافت السيدة فاطمة، "إنها فتاة تحب أن تساند زوجها، وتدعمه في طموحاته. هي ليست ممن يطلبن الكثير، بل ممن يبذلن الكثير."
نظر الحاج محمد إلى العم أبو زيد، محاولاً إقناعه. "أبا زيد، ليلى ابنتك، وأنا أعرفها جيداً. وهي فتاة نادرة. وأحمد ابني، وأنا أعرف قدراته. أنا أرى أن فيهما توافقاً قوياً. وهما شاب وشابة في مرحلة العمر المناسبة لبناء أسرة. لا نريد أن نؤجل الأمر أكثر من اللازم، خشية أن تتبدل الأحوال."
"ولكن ماذا عن الخطبة؟" سأل العم أبو زيد، وكأنه يضع شرطاً. "إذا كان أحمد جاداً، فليتقدم بخطبة رسمية، ويحدد موعداً لانتهاء بناء مشروعه، أو جزء منه. عندها يمكننا التفكير في الزواج."
كانت هذه كلمة فاصلة. خطبة رسمية، مع تحديد موعد للزواج بعد انتهاء المشروع. هذا يعني تأجيلاً طويلاً.
"تحديد موعد للزواج بعد انتهاء المشروع؟" قال الحاج عبد الرحمن، وقد بدت عليه علامات عدم الرضا، "هذا قد يستغرق سنوات يا أبا زيد. هل تريد أن تجعل الشاب ينتظر كل هذه المدة؟"
"هذه هي الطريقة التي نسير بها في مجتمعنا،" رد العم أبو زيد بثبات، "نحن نضمن لأبنائنا مستقبلاً آمناً. لا نريد أن نضع ابنتنا في موقف قد تضطر فيه لتحمل أعباء لم تكن مستعدة لها. إذا كان أحمد يريد ليلى، فليبنِ لها بيتاً آمناً أولاً، ثم يأتي ليخطبها."
بدت ليلى وكأنها ستنهار. لم تتخيل أن الأمور ستصل إلى هذا الحد. كانت تنظر إلى أحمد، الذي كان جالساً بصمت، وعلامات الحيرة والأسى ترتسم على وجهه. لم يكن يتوقع أن يواجه هذا الرفض الصريح.
"يا عم أبو زيد،" قال أحمد بصوت يرتعش قليلاً، "أنا أحترم رأيك، ولكني أود أن أقول شيئاً. مشروعي سيكتمل قريباً، وأنا متأكد من نجاحه. أنا أستطيع أن أعدك بأنني سأبني لليلى بيتاً جميلاً، وأن أؤمن لها كل ما تحتاج. لا أريد أن أؤجل زواجنا لسنوات."
"ماذا عن الخطبة؟" كرر العم أبو زيد، مصراً على شرطه. "هل أنت مستعد لتقديم طلب خطبة رسمي، والالتزام بالوقت الذي سيتطلبه إنجاز مشروعك؟"
شعر الحاج محمد بالضيق. كان يرى أن العم أبو زيد يضع شروطاً تعسفية. "أبا زيد، لا أريد أن أقول هذا، ولكنني أخشى أن يكون سبب رفضك ليس بسبب مشروع أحمد، بل لأسباب أخرى."
استغرب العم أبو زيد. "وما هي الأسباب الأخرى التي تقصدها يا أخانا محمد؟"
"ربما لأنكم تملكون أرضاً واسعة، وترغبون في ربط ليلى بشخص ذي جاه ومكانة،" قال الحاج محمد، وهو يرى أن الوقت قد حان لقول الحقيقة.
انتفخ وجه العم أبو زيد بالغضب. "هذا اتهام باطل يا أخانا محمد! نحن أناس بسطاء، نحب لابنتنا السعادة، وليس المال أو الجاه. إذا كانت لديك شكوك، فدعني أقول لك. نحن لم نتلق أي طلبات رسمية من عائلات أخرى حتى الآن، ولكننا لم نعد أحداً. ونحن نريد لابنتنا من يتقي الله فيها، ويوفر لها حياة كريمة. إذا لم يكن أحمد قادراً على ذلك الآن، فمن الأفضل أن ننتظر."
كان الجو متوتراً. بدت السيدة فاطمة قلقة، والحاجة زينب تحاول استيعاب ما يحدث. أما ليلى، فكانت تشعر بأن حياتها تنهار أمام عينيها.
"إذاً، هل رفضت طلبي؟" سأل أحمد، وعيناه مليئتان بالأسى.
"لم أرفض بشكل قاطع،" قال العم أبو زيد، "ولكنني وضعت شرطاً. إذا كنت مستعداً للالتزام به، فسننظر في الأمر."
وقف الحاج محمد. "يبدو أن الأمور لن تسير كما نتمنى اليوم. لنترك الأمر يأخذ وقته. وسنعود لنتحدث فيه لاحقاً."
نهض الجميع. كانت النظرات المتبادلة بين الحاج محمد والعم أبو زيد تحمل الكثير من الأسف، ولكن أيضاً الكثير من الإصرار.
خرج الحاج محمد والحاج عبد الرحمن، تاركين خلفهم صمتاً ثقيلاً. جلست ليلى في غرفتها، والدموع تنهمر على خديها. لم تتخيل أن حبها سيكون سبباً لكل هذه المشاكل. لم تتخيل أن والدها، الذي أحبته دائماً، سيضع أمامها هذا الحاجز.
"أمي،" قالت ليلى بصوت مبحوح، "ماذا سنفعل؟ هل سأبقى هكذا؟"
"لا يا حبيبتي،" قالت السيدة فاطمة، وهي تحتضنها. "لا تيأسي. والدك لديه أسبابه. ولكن ربما هناك طريقة. ربما يمكننا إقناعه. ربما يمكن لأحمد أن يبدأ في بناء ما وعد به، حتى لو لم يكن هناك طلب خطبة رسمي. الأهم هو أن يبقى الحب قائماً، وأن تبقى الثقة متبادلة."
لكن في قرارة قلبها، كانت السيدة فاطمة تعلم أن الأمور ليست بهذه البساطة. كانت تعلم أن كلمات العم أبو زيد، وإن بدت منطقية، إلا أنها تحمل وراءها الكثير من التعقيدات. كانت تعلم أن الشكوك التي أثارها الحاج محمد، وإن كانت قاسية، إلا أنها قد تكون قريبة من الحقيقة. كانت هناك أبعاد أخرى للموقف، ظلال قد لا تراها ليلى، ولا يراها أحمد.