الفصل 18 / 25

حب في الظلام

صراع القلوب ووشوشات القدر

بقلم فاطمة النجار

تلاشت شمس الأصيل خلف أفق المدينة، تاركةً وراءها لوحةً من الألوان الدافئة التي تختلط بحزنٍ خفي. في جناحها الخاص، جلست ليلى على مقربة من النافذة، وعيناها الشاردتان تلاحقان خيوط النور المتلاشية. لم يكن قلبها ينبض بالسلام الذي اعتاد عليه، بل كان أشبه بمدجّنٍ تحطم عن مضض، تتناثر شظاياه مع كل نفسٍ تأخذه. كانت رائحة عطر والدتها، الذي ما زال يملأ الأرجاء، تذكّرها بوجودها الرحب، وتزيد من وطأة الغياب.

لقد بدأت تتكشف أمامها الحقائق كستارٍ ينسدل ببطء، كاشفاً عن مسرحٍ لم تكن تتوقع أن تجد نفسها فيه. همساتٌ قديمة، كلماتٌ غامضة، ووجوهٌ عابرة بدأت تتجمع في صورةٍ واحدة، صورةٌ ترسم ملامح مؤلمة لمستقبلٍ بدا لها قبل أيامٍ معدودةٍ مشرقاً ومشرقاً.

في تلك الليلة، أتى صوتٌ طارقٍ لباب غرفتها، فأيقظها من شرودها. لم يكن الصوت المعتاد لمدبرة المنزل، بل كان أعمق وأكثر تردداً. فتحت الباب لتجد والدها يقف أمامها، وقد ارتسمت على وجهه علاماتٌ من الهمّ والقلق لم تعهدها فيه من قبل.

"ليلى يا ابنتي، هل تسمحين لي بالدخول؟" سأل بصوتٍ خافت. أومأت برأسها، وخطت جانباً لتفسح له المجال. جلس على طرف السرير، وعيناه ترصدانها بحنانٍ مخلوطٍ بخجل. "لقد تأخر الوقت، ولكن هناك أمرٌ هامٌ يجب أن نتحدث فيه." قال وهو يقلّب يديه. شعرت ليلى بقلبها يخفق بعنف. كان الجو مشحوناً بتوترٍ غير مرئي، وكان عليها أن تستجمع كل قوتها لتسمع ما سيقوله. "أنا أسمعك يا أبي." قالت بصوتٍ ثابتٍ قدر الإمكان.

بدأ والدها بالحديث، وكانت كلماته تتدفق ببطءٍ، كمن يسير على طريقٍ مليءٍ بالأشواك. تحدث عن الماضي، عن اختياراتٍ اتخذتها والدتها قبل وفاتها، اختياراتٌ لم تكن ليلى على درايةٍ بها. كانت والدتها، قبل زواجها من والدها، قد واعدت شاباً آخر، شابٌ كانت تحبه بشدة. ولكن ظروفاً قاهرة، وخلافاتٍ عائلية، حالت دون إتمام هذا الارتباط. ثم جاء والد ليلى، الذي كان زميلاً لوالدتها في الجامعة، وقدم لها عرضاً للزواج. ورغم أن قلبها كان متعلقاً بآخر، إلا أنها وافقت، مدفوعةً بحاجتها إلى الأمان والاستقرار.

"لم تكن والدتك سعيدةً تماماً يا ليلى." قال والدها وعيناه تلمعان بالدموع. "كان هناك جرحٌ عميقٌ في قلبها، جرحٌ لم يندمل أبداً. لقد ظلت تحمل ذكرى هذا الحب القديم في صدرها، رغم أنها كرست حياتها لك ولها." لم تكن ليلى تتوقع هذه الرواية. كانت دائماً ترى والدتها كرمزٍ للقوة والسعادة، كمن بنت حياتها على أسسٍ متينةٍ من الحب والتفاهم مع والدها.

ثم، بدأ والدها يتحدث عن أمرٍ آخر، أمرٌ كان أكثر إيلاماً وصدمة. لقد كان ذلك الشاب القديم، الذي أحبته والدتها، يحمل اسماً واحداً مع اسمٍ آخر ظهر مؤخراً في حياة ليلى. "أتعرفين يا ليلى، أن الشاب الذي أحبته والدتك كان اسمه 'مالك'؟" سأل والدها، ونبرته اختلطت بشيءٍ من الحيرة. تجمدت ليلى في مكانها. مالك. اسمٌ يرنّ في أذنيها كصدىً بعيد، اسمٌ لمعرفةٍ جديدة، اسمٌ لرجلٍ أثار مشاعرها دفعةً واحدة. "نعم يا أبي، أعرف." قالت بصوتٍ بالكادٍ يُسمع. "وما لا تعرفينه يا ابنتي، هو أن مالك الذي عرفتِهِ أنتِ، هو ابنٌ لذلك الرجل الذي أحبته والدتك." كان الخبر كالصاعقة. تلاقت خطوطٌ في رأسها، خطوطٌ كانت متفرقةً وغير مفهومة، لتشكل معاً صورةً سوداوية. هل هذا يعني أن هناك شيئاً ما يتعلق بماضي والدتها بماضي مالك؟ هل كانت هناك خطة؟ هل كان لقاؤهما مجرد صدفةٍ أم قدراً مدبراً؟

"لقد ظلّت والدتك تحاول البحث عن هذا الرجل، مالك، لفترةٍ طويلةٍ بعد زواجنا." استأنف والدها، وعيناه زائغتان. "كانت تشعر بالذنب تجاهه، وتودّ أن تعرف ما آل إليه مصيره. ولكنها لم تستطع العثور عليه. وبعد سنواتٍ طويلة، علمت أنه تزوج ولديه ابنٌ اسمه مالك." "ولكن كيف؟ كيف عرفتِ بهذا الأمر؟" سألت ليلى، وقد شعرت أن العالم يلتف حولها.

"في الأيام الأخيرة لوالدتك، قبل وفاتها، أعطتني رسالةً وقالت: 'إذا حدث لي شيء، أو إذا ساءت الأمور، سلم هذه الرسالة للشخص المناسب.' لم أفهم ماذا كانت تقصد حينها. ولكن بعدما علمت أنكِ قابلتِ شاباً اسمه مالك، وأن اسمه هو اسم حب حياتها الأول، شعرت بأن القدر قد لعب لعبته. ورأيت هذه الرسالة في درجها، وكانت موجهةً إلى 'مالك'." فتح والدها درجاً صغيراً في الطاولة المجاورة، وأخرج منها ظرفاً قديماً، يبدو أن الزمن قد ترك بصمته عليه. كان مرسوماً عليه بلمسةٍ حانيةٍ اسم 'مالك'.

"لم أجرؤ على فتحها يا ليلى. كانت أمانةً لأمك، ومن واجبي أن أوفّيها. ولكنني الآن، وبعدما أدركت مدى تعقيد الأمر، أرى أنه من الضروري أن تعرفي كل شيء. ربما هناك تفسيرٌ لكل هذا، ربما هناك شيءٌ كان يجب أن يتم." أخذت ليلى الظرف بيدين مرتعشتين. شعرت بوزن التاريخ، بوزن أسرارٍ لم تكن لتتخيل وجودها. مالك، الذي أحبته، الذي شعرت تجاهه بانجذابٍ عميق، كان ابن الرجل الذي أحبته والدتها. هل كان الأمر مصادفةً بحتة؟ أم أن هناك ما هو أعمق من ذلك؟

"ولكن لماذا لم تخبرني بهذا من قبل يا أبي؟" سألت وهي تحاول تمالك صوتها. "كنت أخشى عليكِ يا ليلى. أخشى أن تؤثر عليكِ هذه المعلومات، أن تسبب لكِ ألماً. ظننت أن نسيان الماضي أفضل. ولكن يبدو أن الماضي له طرقٌ خاصةٌ ليجد طريقه إلينا." نظرت ليلى إلى الظرف، ثم إلى والدها. كان هناك في عينيه مزيجٌ من الأسى والرغبة في الحقيقة. "أتسمحين لي أن أرى ما في الرسالة؟" سأل والدها بتردد. أومأت برأسها. فتحت ليلى الظرف بحذر، وأخرجت منه ورقةً صفراء، مكسوةً بحبرٍ باهت. كانت كلمات والدتها، بخطّها الذي تعرفه جيداً، تتدفق أمام عينيها.

"إلى مالك، يا من كنتَ وستظلّ جزءاً من روحي... لا أعرف كيف ستصلك كلماتي هذه، ولا أدرك إن كنتَ على قيد الحياة أم لا. ولكن إن وصلتك، فاعلم أنني لم أنسَ قطّ حبنا، ولم أتخلّ عن أحلامنا بسهولة. لقد كانت الظروف أقوى منا، ولكن قلبي لم ينسَ قطّ. لقد تزوجتُ، وأنجبتُ ابنةً رائعة، ولكن لم يغب اسمك عن بالي يوماً. إن كنتَ قد تركتَ ورائكَ ولداً، فأرجو أن تعتني به، وأن تسلمه هذه الكلمات، ليعرف أن والدته لم تكن قطّ بخيلةً في الحب، وأنها كانت تحمل بين أضلعها قصةً لم تكتمل. لا تسامحني على رحيلي، ولكن تذكرني بحب. 'نورا'."

انتهت ليلى من القراءة، وانسكبت الدموع على خديها. لم تكن تدري هل تبكي على حب والدتها المفقود، أم على الحب الذي بدأ يتشكل بينها وبين مالك، حبٌ قد يكون له جذورٌ في ماضٍ لم تكن تعلم به. "هذا يعني..." بدأت تتحدث، ولكن الكلمات تعثرت في حلقها. "هذا يعني يا ابنتي، أن كل شيءٍ يمكن أن يكون له معنى. وأن هذا القدر الذي جمعكِ بمالك، قد يكون جزءاً من قصةٍ قديمة، قصةٌ تحتاج إلى لمسةٍ من النهاية." قال والدها، وقد ارتسمت على وجهه نظرةٌ من الأمل الحذر.

نهضت ليلى من مكانها، وبيدها الرسالة. نظرت إلى النافذة، حيث بدأت نجوم السماء تتلألأ، كأنها تشهد على هذه اللحظة الفارقة. "يجب أن أرى مالك." قالت بحزمٍ جديد، وكأنها وجدت هدفاً لها في بحرٍ من الشكوك. "ولكن كيف؟" سأل والدها. "سأخبره. سأخبره بكل شيء. أعتقد أنه من حقه أن يعرف. وأننا، نحن الاثنان، نحتاج إلى معرفة الحقيقة." خرجت ليلى من الغرفة، تركت والدها يفكر في عواقب هذه الاكتشافات. كانت رحلتها مع مالك قد بدأت كقصة حبٍ بريئة، ولكنها الآن، في هذه اللحظة، تحولت إلى صراعٍ مع التاريخ، وصراعٍ مع مصيرٍ يبدو أنه يكتب نفسه بنفسه. كانت تشعر بأنها على وشك الدخول إلى منطقةٍ غير مأهولة، منطقةٍ لا تعرف ما تخبئه. ولكنها لم تعد تستطيع التراجع. كانت الحقيقة، بكل ما فيها من ألمٍ وجمال، هي الطريق الوحيد أمامها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%