الفصل 19 / 25

حب في الظلام

لقاء الأقدار المتشابكة

بقلم فاطمة النجار

تسللت خيوط الفجر الأولى، فاتحةً باباً جديداً ليومٍ كان يحمل في طياته ثقلاً عظيماً. في منزل والد ليلى، كان الصمت لا يزال سيد الموقف، صمتٌ يخفي ورائه عاصفةً من المشاعر والأفكار. حملت ليلى رسالة والدتها، كأنها تحمل بين يديها كنزاً ثميناً، أو لعلها تحمل قنبلةً موقوتة. النوم لم يزرها طوال الليل، فقد شغلتها الصور والكلمات، ودارت في عقلها أسئلةٌ لا حصر لها.

تذكرت تلك اللحظة الأولى التي رأت فيها مالك. كان الأمر أشبه بومضةٍ سحرية، جاذبيةٌ لم تستطع فهم مصدرها. والآن، بعد اكتشافها لقصة والدتها، شعرت بأن هناك خيطاً شفافاً يربط بين الماضي والحاضر، بين حبٍ قديمٍ وحبٍ وليد.

بعد تناول إفطارٍ خفيف، وأعينها لا تفارق هاتفها، قررت ليلى أن تتصل بمالك. كان الأمر يتطلب شجاعةً كبيرة، فلم تكن متأكدةً من ردة فعله، أو من كيفية شرح هذا الوضع المعقد له. وضعت الرقم، وبدأت بالاتصال، وقلبها يدق بعنفٍ كطبول الحرب.

"ألو؟" جاء صوت مالك، كان صوته يبدو متعباً، ولكنه لا يزال يحمل تلك النبرة الهادئة التي طالما أحبتها. "مالك... أنا ليلى." قالت بصوتٍ مرتعش قليلاً. "ليلى! صباح الخير. هل كل شيءٍ على ما يرام؟" سأل بلهجةٍ فيها شيءٌ من القلق. "صباح النور. الأمر... ليس بسيطاً تماماً. أودّ أن أراكِ اليوم، إذا كان لديكِ وقت." تردد مالك للحظة، ثم قال: "بالتأكيد. أين ومتى؟" "دعنا نلتقي في المقهى الذي اعتدنا الذهاب إليه، بعد صلاة الظهر. هل يناسبك؟" "مناسب. سأكون هناك."

انتهى الاتصال، تاركاً ليلى تشعر بمزيجٍ من الارتياح والقلق. كان لقاؤهما القادم سيحمل في طياته أكثر بكثيرٍ مما حملته لقاءاتهما السابقة.

عندما حان الوقت، توجهت ليلى إلى المقهى، وقلبها مثقلٌ بالهم. كانت ترى مالك يجلس في انتظارها، وجهه الهادئ بدا متأثراً بالضوء الخافت. عندما رآها تقترب، ابتسم ابتسامةً دافئة، ولكنها شعرت بأن عينيه تحملان سؤالاً.

جلست أمامه، وبدأت بالحديث. لم تكن تعرف من أين تبدأ. "مالك، هناك أمرٌ يتعلق بوالدتي، وبوالدك." قالت وهي تضع رسالة والدتها على الطاولة بينهما. ارتسمت علامة استغرابٍ على وجه مالك. "ما الأمر؟" "والدتي، قبل زواجها من والدي، كانت مرتبطةً بشخصٍ آخر. شخصٌ كانت تحبه جداً." بدأ مالك بالاستماع بانتباه، ونظرته ثابتةً على وجه ليلى. "هذا الشخص كان اسمه 'مالك'." قالت ليلى، وهي ترى الدهشة تتزايد في عينيه. "ماذا؟" سأل مالك، وكأن الكلمات لم تستطع المرور بسهولة. "نعم، كان اسمه مالك. وللأسف، لم تتمكن هي ووالدك من إكمال قصة حبهما بسبب ظروفٍ عائلية. وبعد سنواتٍ طويلة، علمت والدتي بأن لديك ولداً اسمه 'مالك'." "هل تقصدين...؟" بدأ مالك يسأل، ولكن ليلى أسرعت بالإجابة. "نعم. أنت. أنت هو مالك الذي أحبته والدتي. هذه رسالةٌ تركتها لي، موجهةٌ إليك." أخذ مالك الرسالة، وبدأ يقرأها. كانت ملامحه تتغير ببطء، من الدهشة إلى التأثر. عندما انتهى، رفع عينيه إلى ليلى، وكانتا مليئتين بمشاعرٍ مختلطة.

"لم أكن أعلم أبداً بهذا. والدي لم يذكر لي شيئاً عن قصة حبٍ سابقة بهذا الشكل. كان دائماً يبدو كشخصٍ لا يحمل ذكرياتٍ عميقة." قال مالك بصوتٍ خافت. "والدتي أيضاً لم تفصح عن هذا إلا في الأيام الأخيرة من حياتها. كانت تحمل هذا السرّ معها." قالت ليلى، وبدأت تشعر بأنها تتنفس الصعداء قليلاً، لم تعد وحدها تحمل هذا الحمل.

"ولكن... ماذا يعني كل هذا؟" سأل مالك، ونظرته بدأت تتغير. "لا أعرف تماماً. ولكن يبدو أن القدر قد لعب دوراً كبيراً في جمعنا. ربما كان هناك شيءٌ كان يجب أن يتم." "وهل تعتقدين أن والدتك كانت تعلم أنكِ ستلتقين بي؟" سأل مالك، ونبرته فيها شيءٌ من الشك. "لا أستطيع الجزم. ربما كانت تتمنى ذلك، ربما كانت تأمل أن تجدني شخصاً يهتم بك، أو بالعكس." "ولكنها لم تخبرني بأي شيءٍ حينها." قال مالك، وشعرت ليلى ببعض الحزن.

"ربما لم تكن تعرف أنني سأقابلكِ بهذه الطريقة. والدتي لم تكن تتوقع أن يكون حبها القديم هو والدك. ولكنني أشعر بأن هناك خيطاً يربطنا." نظر مالك إلى الرسالة، ثم إلى ليلى. كان هناك شيءٌ في نظرتها، شيءٌ من الصدق والشغف، جعل قلبه يميل إلى تصديقها. "إذا كان هذا صحيحاً، فهذا يعني أن علاقتنا... لها جذورٌ قديمة. جذورٌ لم نكن نعلم بها." قال مالك، وصوته يرتفع قليلاً. "هذا هو ما أفكر فيه. هل يجب أن ننظر إلى هذا كعائق، أم كشيءٍ يمكن أن يقوينا؟" "عائق؟" كرر مالك، وكأن الكلمة لم تناسبه. "بل هو شيءٌ يفسر الكثير. يفسر انجذابي إليكِ من أول لحظة، ويشرح لماذا أشعر بأن روحي تعرف روحك."

"ولكن ما الذي سيقوله الناس؟" تساءلت ليلى. "إذا علموا بهذه القصة، قد يرونها كنوعٍ من الانتقام، أو كإعادةٍ لقصةٍ قديمة." "دعهم يقولون ما يقولون." قال مالك بحزم. "أنا أعرف ما أشعر به. وأعلم أنني لم ألتقِ بكِ صدفة. والدتكِ أحبت والدي، ووالدي ربما كان يحمل مشاعر ما تجاهها. والآن، نحن هنا، نحب بعضنا البعض." "ولكن، هل هذا حبٌ حلال؟" سألت ليلى، وكان السؤال يحمل في طياته كل مخاوفها. "حبنا هو حبٌ مبنيٌ على احترام، وعلى رغبةٍ في بناء مستقبلٍ شرعي. هذه القصة القديمة هي جزءٌ من ماضينا، وليست حاضراً أو مستقبلاً." قال مالك، وأمسك بيدها.

شعرت ليلى بدفءٍ يسري في جسدها. لم يعد القلق هو المسيطر، بل بدأ الأمل يتسلل إلى قلبها. "ولكن، ما هو موقف والدي؟ هل يعرف بهذا؟" سأل مالك. "نعم. لقد أخبرته كل شيء. وكان متفهمًا، ولكن في نفس الوقت، بدا متأثراً." "لقد تحدثت مع والدي أيضاً. سأسأله عن والدته، وعن علاقته بوالدتك. يجب أن نعرف القصة من جانبه."

"ربما عندما نعرف القصة الكاملة، سنفهم أكثر. ولكن الأهم الآن هو ما نشعر به نحن." قالت ليلى. "وأنا أشعر بأنني أحبكِ أكثر الآن. هذه القصة، مهما كانت، لا تغير شيئاً من مشاعري تجاهكِ. بل ربما تجعلني أرغب في بناء مستقبلٍ معنا، مستقبلٍ يمحو أي حزنٍ قديم، ويجلب لنا السعادة." توردت وجنتا ليلى. كانت كلمات مالك تبعث الطمأنينة في قلبها. "ولكن، ماذا عن العائلة؟ ماذا سيقولون؟" "سنواجههم سوياً. أنا مستعدٌ للحديث مع والدي، ومع عائلتي. وأنتِ، مع والدك. إذا كان هناك أمرٌ يستحق الخوف، فهو عدم الشفافية. ونحن الآن، كلانا، نريد الشفافية." شعر مالك بمسؤوليةٍ جديدة. لم تعد المسألة تتعلق بحبه فقط، بل بتصحيح مسارٍ قديم، وتجنب تكرار أخطاء الماضي. "علينا أن نفعل شيئاً. ربما زواجٌ سريع، لتأكيد حبنا، وإظهار للعالم بأننا نسير في طريقٍ صحيح. ماذا تقولين؟" سأل مالك، وهو ينظر في عيني ليلى بجدية. فاجأتها كلماته، ولكنها شعرت بأنها الحل. "زواجٌ سريع؟" كررت، والابتسامة ترتسم على وجهها. "نعم. زواجٌ يعلن حبنا، ويعطينا القوة لمواجهة أي شيء. لا أريد أن نترك مجالاً للشائعات أو الشكوك." "أعتقد... أنني موافقة." قالت ليلى، وهي تشعر بأن قدراً عظيماً قد حدث، وأنها ومالك على وشك خوض رحلةٍ جديدة، رحلةٌ ستحمل في طياتها عبق الماضي، ولكنها ستزهر في مستقبلٍ مشرق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%