الفصل 2 / 25

حب في الظلام

أصداءُ الماضي في حاضرٍ مُتعثّر

بقلم فاطمة النجار

في صباحِ اليومِ التالي، ومعَ خيوطِ الشمسِ الأولى التي تنسجُ نورَها الذهبيَّ على قممِ الجبالِ البعيدةِ، استيقظتْ ليلى على صوتِ والدتِها، أمِينةَ، وهيَ تناديها بحنانٍ: "ليلى! يا ابنتي، استيقظي. الشمسُ قدْ أشرقتْ، والغنمُ ينتظرُ المرعى."

نهضتْ ليلى منْ فراشِها، وشعرتْ بثقلِ ليلةِ الأمسِ لا يزالُ يرافقُها. لمْ تستطعْ أنْ تنسى وجهَ الرجلِ الغامضِ، أوْ كلماتِهِ التي تركتْ في روحِها أثرًا غريبًا. ذهبتْ إلى حيثُ تغتسلُ، ونظرتْ إلى انعكاسِ وجهِها في حوضِ الماءِ. عيناها كانتا تحملانِ شيئًا منْ القلقِ، وروحُها تشعرُ بالاضطرابِ.

تسللتْ إلى غرفتِها بسرعةٍ، وأمسكتْ بالعلبةِ الخشبيةِ. فتحتها، وتفحّصتْ محتوياتِها مرةً أخرى، وكأنّها تبحثُ عنْ دليلٍ جديدٍ، عنْ بصيصِ نورٍ يضيءُ لها الطريقَ. الرسائلُ الصفراءُ، والصورةُ الباهتةُ، والرقعةُ القماشيةُ. كلُّ شيءٍ كانَ على حالِهِ، لكنّها شعرتْ بأنّ هذهِ الأشياءَ لمْ تعدْ مجردَ آثارٍ لماضٍ غامضٍ، بلْ أصبحتْ جزءًا منْ حاضرِها، ومفتاحًا لمستقبلٍ مجهولٍ.

ارتدتْ ليلى ثيابَها البسيطةَ، ثمّ خرجتْ لتشاركِ عائلتَها فطورَ الصباحِ. كانَ بيتُهمْ بسيطًا، لكنّهُ يعجُّ بالحياةِ والدفءِ. رائحةُ الخبزِ الطازجِ المختلطةُ برائحةِ القهوةِ العربيةِ الأصيلةِ تملأُ المكانَ. والدُها، الشيخُ سالمٌ، كانَ يجلسُ على سجادةٍ أمامَ الموقدِ، يرتشفُ قهوتَهُ بهدوءٍ، وعيناهُ تحملانِ حكمةَ السنينِ. والدتُها، أمينةُ، كانتْ تتحركُ بينَهمْ بخفةٍ، توزعُ الطعامَ والابتساماتِ.

"صباحُ الخيرِ يا ابنتي." قالَ الشيخُ سالمٌ، وهوَ ينظرُ إليها. "تبدو عيناكِ تحملانِ قصصًا لمْ تُروَ بعد."

ابتسمتْ ليلى ابتسامةً خفيفةً. "صباحُ النورِ يا أبي. فقطْ، ليلةٌ طويلةٌ."

"الصحراءُ لها سحرٌ خاصٌّ في الليلِ، أليسَ كذلك؟" سألتْ أمينةُ، وهيَ تضعُ أمامَها طبقًا منْ التمرِ.

"نعم، ولها أيضًا أسرارٌ." أجابتْ ليلى، وشعرتْ بأنّها تقتربُ منْ الحقيقةِ.

بعدَ الفطورِ، خرجتْ ليلى معَ والدتِها لرعي الغنمِ. كانتْ الأغنامُ البيضاءُ تتناثرُ كقطعِ القطنِ على سفوحِ التلالِ الخضراءِ، تحتَ سماءٍ صافيةٍ زرقاءَ. كانتْ هذهِ هيَ الحياةُ التي تعرفُها ليلى، حياةُ البساطةِ والهدوءِ، المليئةُ بالجمالِ الطبيعيِّ.

لكنَّ قلبَ ليلى لمْ يكنْ هادئًا. كانتْ تفكّرُ في الرجلِ الغامضِ. هلْ كانَ يعرفُ شيئًا عنْ "جابرٍ"؟ هلْ كانَ مرتبطًا بماضي عائلتِها؟ سؤالٌ واحدٌ يولدُ ألفَ سؤالٍ.

"ماذا بكِ يا ابنتي؟ تبدينَ شاردةَ الذهنِ." سألتْ أمينةُ، وهيَ ترى ليلى تحدّقُ في الأفقِ.

"لا شيءَ يا أمي. فقطْ، أشعرُ بأنّ هناكَ شيئًا كبيرًا في انتظاري." قالتْ ليلى، وهيَ تراقبُ غيمةً بيضاءَ تتشكلُ في السماءِ.

"كلُّ إنسانٍ لهُ قدرٌ ينتظرُهُ، يا ليلى. المهمُّ كيفَ نواجهُهُ." ردّتْ أمينةُ بحكمةٍ. "والدكِ دائمًا ما يقولُ، إنّ الحياةَ كالشجرةِ، الجذورُ هيَ الماضي، والأغصانُ هيَ الحاضرُ والمستقبلُ. إذا كانتْ الجذورُ قويةً، فلنْ يخشى الغصنُ الرياحَ."

كلماتُ والدتِها جعلتْ ليلى تفكّرُ بعمقٍ. كانتْ تشعرُ بأنّ جذورَها ليستْ مكتملةَ. هناكَ جزءٌ مفقودٌ، قطعةٌ منْ لغزٍ كبيرٍ.

"يا أمي، هلْ لي أنْ أسألكِ عنْ جدي، جابرٍ؟" سألتْ ليلى، وشعرتْ بأنّ قلبَها يدقُّ بشدةٍ.

تجمدتْ أمينةُ للحظةٍ. توقفتْ عنْ رعي الغنمِ، والتفتتْ إلى ابنتِها بعينينِ تحملانِ مزيجًا منْ الحزنِ والحذرِ. "لماذا تسألينَ عنْ جابرٍ الآنَ يا ابنتي؟"

"فقطْ، أريدُ أنْ أعرفَ المزيدَ عنْ عائلتِنا، عنْ ماضينا." قالتْ ليلى، تحاولُ أنْ تكونَ صادقةً.

تنهدتْ أمينةُ تنهيدةً طويلةً، وكأنّها تحملُ همومَ الدنيا. "جابرٌ كانَ رجلًا طيبًا، شجاعًا، كريمًا. لكنّ الأقدارَ شاءتْ أنْ تكونَ نهايتُهُ غامضةً."

"غامضةً؟ كيفَ ذلكَ؟" سألتْ ليلى بلهفةٍ.

"لا أدري التفاصيلَ الدقيقةَ. كانَ والدكِ صغيرًا حينها. لكنّي أعلمُ أنّهُ اختفى فجأةً، دونَ أثرٍ. لقدْ تركتْ وفاتُهُ حزنًا عميقًا في قلوبِ الجميعِ." قالتْ أمينةُ، وبدتْ عيناها تلمعانِ بدموعٍ مكتومةٍ.

"وهلْ تركَ لنا شيئًا؟" سألتْ ليلى، تشيرُ إلى العلبةِ الخشبيةِ التي كانتْ تحملُها.

نظرتْ أمينةُ إلى العلبةِ، وبدا عليها شيءٌ منْ المفاجأةِ. "هذهِ... هذهِ هيَ علبةُ جابرٍ. لقدْ ظننتُ أنّها ضاعتْ."

"لمْ تضعْ يا أمي. وجدتها في مخزنِ الأغراضِ القديمةِ." قالتْ ليلى.

"كانَ جابرٌ يحبُّ القراءةَ، وكانَ لديهِ شغفٌ بالقصصِ والأشعارِ. ربما تجدينَ في تلكَ الرسائلِ ما تبحثينَ عنه." قالتْ أمينةُ، وهيَ تمسحُ دمعةً تسللتْ منْ عينِها. "لكنّي لا أفهمُ، كيفَ بدأتِ تهتمينَ بهذهِ الأشياءِ الآنَ؟"

"ربما، يا أمي، لأنّ الماضي يملكُ قوةً خارقةً، قوةً تسحبُنا إليهِ، وتجعلُنا نبحثُ عنْ جذورِنا." قالتْ ليلى، وشعرتْ بأنّها على وشكِ اكتشافِ سرٍّ عظيمٍ.

لمْ تعطِ أمينةُ إجابةً، لكنّها احتضنتْ ابنتَها بحنانٍ. "أتمنى لكِ أنْ تجدي ما تبحثينَ عنه، يا ابنتي. ولكنْ احذري، فبعضُ الأسرارِ قدْ تكونُ أجملَ عندما تبقى دفينةً."

كلماتُ والدتِها لمْ تخففْ منْ فضولِ ليلى، بلْ زادتهُ اشتعالًا. شعرتْ بأنّها تقفُ على أعتابِ بوابةٍ، بوابةٌ تؤدي إلى عالمٍ جديدٍ، عالمٍ مليءٍ بالغموضِ والحبِّ، عالمٍ ينتظرُها لتكتشفَهُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%