حب في الظلام
لقاءٌ في سوقِ الأمسياتِ
بقلم فاطمة النجار
بعدَ أيامٍ قليلةٍ، قررتْ ليلى أنْ تزورَ سوقَ المدينةِ. لمْ يكنْ السوقُ مجردَ مكانٍ لشراءِ الحاجياتِ، بلْ كانَ مركزًا للحياةِ الاجتماعيةِ، حيثُ تلتقي الوجوهُ، وتتبادلُ الأحاديثُ، وتُروى الأخبارُ. كانتْ هذهِ فرصتَها للانفتاحِ على العالمِ خارجَ حدودِ قريتِها الصغيرةِ، ولربما، للعثورِ على دليلٍ آخرَ يقودُها إلى أسرارِ ماضيها.
ارتدتْ ليلى أجملَ ما لديها منْ ثيابٍ، حجابٌ أبيضُ ناصعٌ يزينُ وجهَها، وعباءةٌ زرقاءُ داكنةٌ تزيدُها هيبةً. حملتْ معها حقيبةً قماشيةً صغيرةً، تحتوي على بعضِ النقودِ، ورسالةٍ منْ والدتِها لبعضِ الأقاربِ في المدينةِ.
عندما وصلتْ إلى السوقِ، استقبلها صخبُ الحياةِ. أصواتُ الباعةِ المتجولينَ، رائحةُ البهاراتِ العطريةِ، ألوانُ الأقمشةِ الزاهيةِ، كلها اجتمعتْ لتخلقَ جوًّا نابضًا بالحياةِ. كانتْ العيونُ تتجهُ إليها، بعضُها بفضولٍ، وبعضُها بإعجابٍ. كانتْ ليلى تتمتعُ بجمالٍ هادئٍ، يجمعُ بينَ البراءةِ والرقةِ.
تجولتْ ليلى بينَ الأكشاكِ، تتأملُ المعروضاتِ. رأتْ أواني فخاريةً مزخرفةً، وملابسَ مطرزةً بعنايةٍ، وعطورًا شرقيةً تفوحُ شذاها. تذكرتْ جدَّها "جابرًا"، ومدى شغفِهِ بالأشياءِ الجميلةِ.
فجأةً، توقفتْ أمامَ كشكٍ صغيرٍ يعرضُ كتبًا قديمةً. كانتْ الكتبُ متكدسةً، بعضُها مهترئٌ، وبعضُها يبدو سالمًا. كانَ صاحبُ الكشكِ رجلًا كبيرَ السنِّ، ذو لحيةٍ بيضاءَ وعينينِ ذكيتينِ.
"هلْ تبحثينَ عنْ كتابٍ معينٍ يا ابنتي؟" سألَ الرجلُ بصوتٍ خفيضٍ.
"لستُ متأكدةً، ولكنّي أحبُّ القراءةَ، وأحبُّ الكتبَ القديمةَ." أجابتْ ليلى.
"الكتبُ القديمةُ تحملُ أرواحَ أصحابِها، وحكمةَ الأزمانِ." قالَ الرجلُ، ثمّ مدَّ يدَهُ نحو رفٍّ عالٍ. "هلْ رأيتِ هذهِ؟"
مدَّ الرجلُ كتابًا كبيرَ الحجمِ، غلافُهُ منْ الجلدِ الداكنِ، وبدتْ عليهِ علاماتُ الزمنِ. عندما أخذتْ ليلى الكتابَ، شعرتْ وكأنَّ شيئًا ما قدْ اشتعلَ بداخلِها. كانَ النقشُ على الغلافِ مألوفًا، وكانَ أسلوبُ الخطِّ في الكلماتِ الأولى التي قرأتها، يشبهُ إلى حدٍّ كبيرٍ خطَّ الرسائلِ التي وجدتها في العلبةِ الخشبيةِ.
"هذا الكتابُ... لمنْ كانَ؟" سألتْ ليلى بصوتٍ مرتجفٍ.
نظرَ الرجلُ إليها بفضولٍ. "كانَ لرجلٍ اسمهُ 'جابرٌ'. كانَ رجلًا غريبَ الأطوارِ، يحبُّ الوحدةَ، لكنّهُ كانَ يملكُ روحًا طيبةً. كانَ يأتيني بينَ الحينِ والآخرِ، يتبادلُ معي الكتبَ، ويتحدثُ عنْ الشعرِ والفلسفةِ. ولكنّهُ اختفى منذُ سنواتٍ، ولمْ أعدْ أسمعُ عنه شيئًا."
"جابرٌ..." تردّدتْ ليلى اسمَ جدِّها، وشعرتْ بأنّها على وشكِ اكتشافِ حقيقةٍ ما. "وهلْ كانَ يملكُ شيئًا آخرَ؟ ربما... رسائلُ؟"
ابتسمَ الرجلُ ابتسامةً حزينةً. "كانَ جابرٌ يكتبُ كثيرًا. كانَ لديهِ دفترُ مذكراتٍ، وربما بعضُ الرسائلِ. ولكنّي لمْ أحتفظْ بشيءٍ منهُ. عندما اختفى، ظننتُ أنّهُ سيعودُ. لمْ أتخيلْ أنّهُ لنْ يعودَ أبدًا."
تناولتْ ليلى الكتابَ، وهمستْ: "سأشتريهِ."
"هذا الكتابُ غالي الثمنِ، يا ابنتي. ليسَ ثمنُ الورقِ والحبرِ، بلْ ثمنُ الذكرياتِ التي يحملُها." قالَ الرجلُ.
"أنا مستعدةٌ لدفعِ أيِّ ثمنٍ." أجابتْ ليلى، وأخرجتْ النقودَ منْ حقيبتِها.
بينما كانتْ ليلى تدفعُ ثمنَ الكتابِ، لفتَ انتباهَها رجلٌ يقفُ على مقربةٍ منها، يستمعُ إلى حديثِها معَ بائعِ الكتبِ. كانَ الرجلُ طويلَ القامةِ، يرتدي زيًّا أسودَ، ويغطي وجهَهُ قناعٌ مخمليٌّ. لمْ تستطعْ رؤيةَ ملامحِهِ بوضوحٍ، لكنّها شعرتْ بنظراتِهِ تتجهُ نحوها.
تذكّرتْ الرجلَ الذي قابلتهُ في الصحراءِ. هلْ هوَ نفسُهُ؟ هلْ يتابعُها؟ خفقَ قلبُها بقوةٍ، وشعرتْ ببرودةٍ تسري في عروقِها.
"هلْ تعرفُ هذا الرجلَ؟" سألتْ ليلى بائعَ الكتبِ، مشيرةً برأسِها إلى الرجلِ المقنّعِ.
نظرَ الرجلُ الكبيرُ السنِّ، ثمّ هزَّ رأسَهُ. "لمْ أرهُ منْ قبلُ."
شعرتْ ليلى بأنّها مراقبةٌ، وأنّ هذا الرجلَ قدْ يكونُ على صلةٍ بأسرارِ عائلتِها. حاولتْ أنْ تبدوَ هادئةً، وأخذتْ الكتابَ، ثمّ ابتعدتْ بخطواتٍ سريعةٍ، وعيناها لا تزالانِ تتجهانِ نحو الرجلِ المقنّعِ.
عندما خرجتْ منْ السوقِ، شعرتْ بارتياحٍ نسبيٍّ. حملتْ الكتابَ بيدِها، وكأنّها تحملُ كنزًا ثمينًا. عرفتْ أنّ هذا الكتابَ قدْ يكشفُ لها الكثيرَ، وأنّ الطريقَ الذي تسلكُهُ ليسَ سهلًا، لكنّها كانتْ مستعدةً لمواجهةِ كلِّ شيءٍ.
نظرتْ إلى السماءِ، وابتسمتْ. "يا جابرٌ، ها أنا أصلُ إليكَ. أتمنى أنْ تكونَ فخورًا بي."