حب في الظلام
أشباحُ الماضي تُطارِدُ الحاضر
بقلم فاطمة النجار
في عتمةِ غرفتِها، وتحتَ ضوءِ المصباحِ الخافتِ، فتحتْ ليلى كتابَ "جابرٍ" بحذرٍ شديدٍ. كانتْ الصفحاتُ الصفراءُ تتراقصُ أمامَ عينيها، وكلُّ كلمةٍ كانتْ تحملُ وزنًا منْ الماضي. بدأَتْ تقرأُ، وتجدُ في كلماتِ جدِّها صورًا لمْ تتخيَّلْ وجودَها. لمْ يكنْ جابرٌ مجردَ رجلٍ عاديٍّ، بلْ كانَ مفكّرًا، وشاعرًا، ورجلًا ذا رؤى عميقةٍ.
كانَ يكتبُ عنْ حبٍّ دفينٍ، عنْ لقاءاتٍ سريةٍ، عنْ شوقٍ لا ينتهي. كانتْ القصصُ تتدفّقُ منْ بينِ أناملِهِ، ترسمُ لوحاتٍ منْ المشاعرِ، لوحاتٍ مليئةٍ بالحياةِ والألمِ. ولكنّ ما لفتَ انتباهَ ليلى بشكلٍ خاصٍّ، هوَ تكرارُ ذكرِ اسمِ "نورٍ". مَنْ تكونُ "نورٌ"؟ هلْ كانتْ زوجةَ جدِّها؟ أمْ حبيبةً سريةً؟
"يا نورٌ، يا ملاكي الحارسَ، يا ضوءَ دربي في هذا الظلامِ الدامسِ. إنّ حبّي لكِ أعمقُ منْ بحارِ الدنيا، وأسمى منْ نجومِ السماءِ. ولكنّ الأقدارَ فرقَتْ بينَنا، ورمتْ بنا في متاهاتٍ منْ الشوقِ والألمِ."
كانتْ هذهِ الكلماتُ تترددُ في عقلِ ليلى، تثيرُ فيها تساؤلاتٍ لا تنتهي. إذا كانتْ "نورٌ" هيَ حبٌّ قديمٌ، فلماذا لمْ تذكرْها عائلتُها أبدًا؟ ولماذا شعرَتْ والدتُها بالحزنِ عندما سألتْ عنْ جابرٍ؟
في أحدِ الأيامِ، وبينما كانتْ ليلى تتصفّحُ أوراقَ الكتابِ، سقطتْ منها رسالةٌ قديمةٌ، مكتوبةٌ بخطٍّ أنثويٍّ جميلٍ. كانتْ الرسالةُ منْ "نورٍ" إلى "جابرٍ".
"يا حبيبي جابرٌ، لقدْ علمتُ أنّكِ ستغادرُ البلادَ قريبًا. قلبي يعتصرُ ألمًا، ولكنّي أعيشُ على أملِ لقائكَ مرةً أخرى. تذكّرْ دائمًا أنّ حبّي لكَ باقٍ، وأنّني سأنتظرُكَ ما حييتُ."
كانتْ الرسالةُ دليلًا قويًّا على وجودِ علاقةٍ عميقةٍ بينَ جابرٍ و"نورٍ". ولكنّ ليلى كانتْ تعرفُ أنّ جدَّها قدْ تزوجَ منْ جدتِها "أمينةَ"، وأنّ والدَها ولدَ منْ هذا الزواجِ. فما سرُّ هذهِ العلاقةِ؟
بدأتْ ليلى تشعرُ بأنّ هناكَ شيئًا مخفيًّا، سرًّا كبيرًا لمْ يُكشفْ بعد. بدأتْ تشكُّ في قصّةِ عائلتِها، وفي كلِّ ما كانتْ تعتقدُ أنّهُ حقيقةٌ.
في أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ تتفحصُ صورةَ جدِّها "جابرٍ" في العلبةِ الخشبيةِ، لاحظتْ شيئًا غريبًا. كانتْ عينا جدِّها في الصورةِ، تحدّقانِ في نقطةٍ معينةٍ، كما لو كانَ ينظرُ إلى شخصٍ يقفُ أمامَهُ.
"منْ كانَ جابرٌ ينظرُ إليهِ في هذهِ الصورةِ؟" تساءلتْ ليلى بصوتٍ عالٍ.
فجأةً، سمعتْ صوتَ طرقٍ على البابِ. نظرتْ فرأتْ والدتَها، أمينةَ.
"ما بكِ يا ابنتي؟ تبدينَ شاردةً." قالتْ أمينةُ، وهيَ ترى ليلى تتأملُ الصورةَ.
"أمي، هلْ كانَ جدي، جابرٌ، يحبُّ امرأةً أخرى غيرَ جدتي؟" سألتْ ليلى مباشرةً.
توقفتْ أمينةُ للحظةٍ، وكأنّها تفكّرُ في الإجابةِ. ثمّ قالتْ بحذرٍ: "كانَ جابرٌ يحبُّ جدتَكِ كثيرًا. ولكّن... في زمنٍ مضى، قبلَ أنْ يلتقيَ بجدتِكِ، كانَ هناكَ فتاةٌ أحبّها. اسمها 'نورٌ'."
"نورٌ؟" تردّدتْ ليلى اسمَ الفتاةِ التي قرأتْ عنْها في كتابِ جابرٍ. "وماذا حدثَ لهما؟"
"لقدْ أحبّها جابرٌ حبًّا شديدًا. ولكنّ عائلتَها لمْ توافقْ على زواجِهِما. ظنّوا أنّهُ ليسَ مناسبًا لها. فاضطرّ جابرٌ أنْ يسافرَ بعيدًا. وعندما عادَ، كانتْ 'نورٌ' قدْ تزوجتْ منْ رجلٍ آخرَ." قالتْ أمينةُ، وبدتْ عيناها تلمعانِ بالحزنِ.
"ولكنّي وجدتُ رسائلَ منها إليهِ، ورسائلَ منهُ إليها. وكأنّ حبّهُما لمْ ينتهِ." قالتْ ليلى، وأرتْ والدتَها الرسائلَ.
نظرتْ أمينةُ إلى الرسائلِ، ثمّ تنهدتْ. "ربما... ربما كانَ هناكَ شيءٌ لمْ يخبرنا بهِ أحدٌ. لمْ يكنْ الحديثُ عنْ 'نورٍ' أمرًا سهلاً في عائلتِنا. لقدْ كانَ جرحًا عميقًا في قلبِ جابرٍ."
"ولماذا لمْ تخبرني أنتِ عنْها؟" سألتْ ليلى.
"لأنّي كنتُ أظنُّ أنّهُ منْ الأفضلِ أنْ يظلَّ الماضي ماضيًا. أردتُ لكِ أنْ تعيشي حياةً هادئةً، خاليةً منْ الهمومِ." قالتْ أمينةُ، ولكنّها لمْ تستطعْ إخفاءَ شعورِها بالذنبِ.
بدأتْ ليلى تشعرُ بأنّها تقفُ على حافةِ الهاويةِ. كلُّ ما كانتْ تعتقدُ أنّهُ صحيحٌ، بدأَ يتلاشى. لمْ تكنْ تعرفُ ما هوَ الصوابُ، وما هوَ الخطأُ.
في تلكَ الليلةِ، لمْ تستطعْ ليلى النومَ. كانتْ عقلُها يدورُ في دوامةٍ منْ الأفكارِ. شعرتْ بأنّها وحيدةٌ في مواجهةِ هذا السرِّ الكبيرِ.
"هلْ أنا الوحيدةُ التي تحملُ هذا السرَّ؟" تساءلتْ في نفسِها.
فجأةً، تذكرتْ الرجلَ المقنّعَ الذي رأتهُ في السوقِ. هلْ كانَ يعرفُ شيئًا عنْ "نورٍ"؟ هلْ كانَ يراقبُها؟
شعرتْ بأنّها محاطةٌ بالغموضِ. وأنّ هذا الحبَّ القديمَ، حبَّ جابرٍ و"نورٍ"، قدْ بدأَ يؤثرُ على حياتِها، وأنّ أشباحَ الماضي بدأتْ تُطارِدُ حاضرَها.