الفصل 5 / 25

حب في الظلام

شظايا الماضي الأليم

بقلم فاطمة النجار

تسللت خيوط الفجر الأولى عبر نوافذ غرفة نور، تحمل معها برودة صقيع الشتاء ووشوشات الريح الحزينة. كانت عيناها مفتوحتين، تحدقان في سقف غرفتها المعتم، لكن بصيرتها كانت تتجول في أروقة ذاكرتها، تسترجع فصولاً مؤلمة من حياتها، كشريط سينمائي يعرض أمامها بلا إرادة. كان اسم "فهد" يتردد في أعماقها، كصدى أغنية قديمة، لا زالت تعزف لحن الشجن.

لم يكن فهد مجرد حبيب سابق، بل كان زوبعة عصفت بحياتها، تركت خلفها أثراً عميقاً من الألم والخيبات. كانت لا تزال تتذكر تلك الليالي الطويلة، مليئة بالأحلام الوردية، ثم تحول كل شيء إلى رماد. كانت تعتقد أنها تجاوزت تلك المرحلة، وأن بذور الحب التي زرعها في قلبها قد ماتت، لكن ظهورها المفاجئ في حياتها مجدداً، كشبح من الماضي، هزّ أركان حياتها الهادئة، وزرع بذور الشك والقلق في مستقبلها.

كانت تضع يدها على صدرها، تشعر بنبضات قلبها المتسارعة. هل كانت هذه مجرد ردة فعل طبيعية للقاء شخص غادر المدينة فجأة دون تبرير؟ أم كانت هناك مشاعر دفينة، لم تستطع التخلص منها تماماً؟ كانت ترتعد، ليس من البرد، بل من الخوف. الخوف من أن تنجرف مرة أخرى في دوامة الماضي، وأن تخسر كل شيء بنته بصبر وعناء.

نظرت إلى هاتفها الموضوع على الطاولة بجانب السرير. كان يحمل رسالة منه، لم ترد عليها بعد. "نور، أرجوكِ، احتاج أن أتحدث معكِ. الأمر مهم جداً." كانت كلماته تحمل إلحاحاً لا يمكن تجاهله، لكنها كانت تشعر بأن الاستجابة لندائه ستكون بمثابة فتح أبواب قديمة، كان من الأفضل أن تبقى مغلقة.

تذكرت كيف كانت متعلقة به، كيف كانت تمنحه كل شيء، دون تفكير. كانت ترى فيه العالم كله، وكانت حياتها تدور حوله. ثم جاء الرحيل، المفاجئ، القاسي، تاركاً إياها محطمة، تبحث عن بقايا كرامتها الضائعة. قضت شهوراً في محاولة لإعادة بناء نفسها، لجمع شتات روحها الممزقة. كونت صداقات جديدة، وكرست وقتها لدراستها، وحاولت أن تنسى.

كانت تدرك أن استمرارها في التفكير بهذه الطريقة ليس صحياً. كان عليها أن تركز على حاضرها، وعلى مستقبلها الذي تصنعه بعناية. لقد وعدت نفسها بأن تكون قوية، وأن لا تسمح لأي شيء أو أي شخص أن يهز ثقتها بنفسها. لكن فهد كان يمثل نقطة ضعفها، كان المفتاح الذي يفتح صندوق ذكرياتها المؤلمة.

في تلك اللحظة، سمعت طرقاً خفيفاً على باب غرفتها. "نور؟ هل أنتِ مستيقظة؟" كان صوت والدتها الحنون. نهضت مسرعة، رتبت شعرها، وحاولت أن ترسم ابتسامة على وجهها. "نعم يا أمي، أدخلي." دخلت والدتها، تحمل صينية إفطار شهية. "صباح الخير يا حبيبتي. رأيتكِ مستيقظة مبكراً. هل أنتِ بخير؟" ابتسمت نور ابتسامة زائفة. "صباح النور يا أمي. بخير، مجرد تفكير." جلست والدتها بجانبها، وضعت يدها على جبينها. "لا تبدين حارة. لكن وجهكِ شاحب قليلاً. هل قلقتِ بشأن شيء؟" تنهدت نور. كان والدتها دائماً ترى ما وراء الأقنعة. "لا شيء مهم يا أمي. ربما مجرد بعض ضغوط الدراسة." "الدراسة مهمة، لكن صحتكِ أهم يا ابنتي. لا تحملي الهموم وحدكِ. نحن هنا لأجلكِ." شعرت نور بفيض من الحب يغمرها. كانت والدتها صخرتها، وملاذها الآمن. "أعرف يا أمي. شكراً لكِ."

بينما كانت تتناول الإفطار، لم تستطع أن تتجاهل رنين هاتفها. نظرت إليه، ثم إلى والدتها، ثم قررت. "يا أمي، سأخرج قليلاً بعد الإفطار، سأذهب إلى الحديقة القريبة." "وحدكِ؟" سألت والدتها بقلق. "لا تقلقي، سأكون بخير. أحتاج لبعض الهواء النقي." "حسناً، لكن لا تتأخري، والجو بارد."

بعد أن خرجت نور، وقفت أمام الباب، وحسمت أمرها. كان عليها أن تواجه هذا الأمر، وأن تضع حداً له. فتحت الهاتف، وبدأت تكتب رداً على رسالة فهد: "فهد، لا أعتقد أن هذا هو الوقت المناسب. أنا مشغولة جداً." لكنها توقفت. هل كانت هذه هي الإجابة التي تريدها حقاً؟ أم كانت تهرب من مواجهة حقيقة مشاعرها؟ أغلقت الهاتف، ورمته على الأريكة.

كانت ترى الآن بوضوح، أن ظهور فهد لم يكن صدفة. لقد كان لديه سبب، وربما كان هذا السبب يتعلق بها، يتعلق بماضيهما المشترك. لكن هل كانت مستعدة للمواجهة؟ هل كانت تمتلك القوة الكافية لحماية قلبها من شروره؟ كانت تشعر بأنها عالقة في شبكة معقدة، وأن كل خطوة تخطوها قد تقودها إلى مصير مجهول.

جلست نور على حافة السرير، وأغمضت عينيها. كانت تفكر في خالد. كان مختلفاً تماماً عن فهد. كان هادئاً، محترماً، مخلصاً. كانت تراه كفرصة جديدة، كبناء متين يمكن أن تبني عليه حياتها. لكن ظل فهد كان يلقي بظلاله القاتمة على هذه الفرصة.

كانت تشعر بتمزق داخلي. جزء منها يريد أن ينسى الماضي، وينظر إلى المستقبل. وجزء آخر، لا يزال عالقاً في دوامة الشك والخوف، يخشى أن يكون الماضي أقوى من المستقبل. كانت هذه المعركة الداخلية تستهلك طاقتها، وتجعلها تشعر بالضعف.

لكنها أصرت. "لا"، قالت لنفسها بصوت خافت، "لن أسمح له بأن يدمرني مرة أخرى." كانت تشعر ببعض القوة تتجدد في داخلها. كانت تعرف أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنها كانت مستعدة للمضي قدماً، مهما كان الثمن. كانت تدرك أن عليها أن تكون صادقة مع نفسها، وأن تواجه مشاعرها الحقيقية، وأن تتخذ القرارات التي تخدم سعادتها ومستقبلها.

نظرت إلى هاتفه مرة أخرى. كانت الرسالة لا تزال هناك، تنتظر رداً. هذه المرة، لم تتردد. فتحت الهاتف، وبدأت تكتب، لكن هذه المرة، كانت الكلمات نابعة من أعماق قلبها، صادقة، حاسمة. "فهد، لقد تغيرنا. حياتنا تغيرت. ليس هناك مجال لفتح ماضي أغلقناه. أرجو أن تفهم." أرسلت الرسالة، ثم أغلقت الهاتف. شعرت بنوع من الراحة، مع قليل من الألم. لقد اتخذت قرارها. الآن، كان عليها أن تعيش مع عواقبه، وأن تستمر في طريقها، نحو مستقبل مشرق، بعيداً عن ظلال الماضي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%