عيناك وطني الجزء الثاني

رياح الشوق الأولى

بقلم فاطمة النجار

هبت ريحٌ عاصفةٌ تحمل معها غبار الصحراء، تلفح وجه "ليلى" وهي تقف على شرفة منزلها العريق المطل على وادي العقيق. لم تكن هذه الرياح مجرد نسماتٍ طبيعية، بل كانت تحمل في طياتها عبق الذكريات، وبصمات غيابٍ طال أمده. أمسكت بطرف حجابها الذي تلاعبت به الريح، وعيناها مثبتتان على الأفق البعيد، حيث تختفي الشمس وراء سلسلة جبالٍ شاهقة، تاركةً وراءها سماءً بلون الدم.

كانت "ليلى"، في ربيعها الخامس والعشرين، امرأةً لم يعرف قلبها سوى صفاء السماء ونقاء الماء، ورغم ما أحاط بها من قسوة الزمان وشحّ الأرض، بقيت روحها متقدةً كالنجم الساطع في سماءٍ قاتمة. كانت فنانةً موهوبة، تخطّ أناملها على قماش الحياة ألواناً من الأمل والفرح، ورغم أن الرسم لم يكن مهنةً معترفاً بها في مجتمعها، إلا أنها كانت تجد فيه ملاذاً لروحها العطشى. جدران غرفتها كانت تحكي قصصاً من إبداعها، لوحاتٌ تجسد حلمها بوطنٍ يسوده السلام والجمال، وطنٌ يعلو فيه صوت الحق على صوت الباطل.

جلست على مقعدٍ خشبيٍّ عتيق، استحضرت كوباً من الشاي الأخضر، تعمّدت أن تكون له رائحة النعناع المنعشة، لتوقظ حواسها التي غزاها تعب الانتظار. لم تنتظر أحداً بعينه، بل كانت تنتظر تغيراً، تغيراً في مسار حياتها، في رتابة أيامها التي تكررت كثيراً. والدها، الشيخ "سليمان"، رجلٌ ذو هيبةٍ واحترام، كان دائماً يشجعها على طلب العلم واكتشاف مواهبها، لكنه كان أيضاً حريصاً على تقاليد العائلة وقيمها الأصيلة. والدتها، السيدة "فاطمة"، كانت نعم الزوجة والأم، تجسيداً للصبر والحنان، لكنها كانت تخشى دائماً على ابنتها من أحلامها الكبيرة التي قد تصطدم بواقعٍ قاسٍ.

تذكرت ليلى حديثاً دار بينها وبين والدتها قبل أيام. "يا ابنتي"، قالت السيدة فاطمة وهي تداعب خصلةً من شعر ليلى، "الأحلام الجميلة غالباً ما تبدأ في قلوبٍ بسيطة. لا تجعلي أحلامكِ تتضخم حتى تصبح عبئاً عليكِ." ابتسمت ليلى ابتسامةً باهتة، وقالت: "يا أمي، الأحلام هي وقود الروح. كيف للروح أن تعيش بلا وقود؟"

انفصلت ليلى عن ذكرياتها بصوتٍ خافتٍ قادمٍ من أسفل الشرفة. كان صوت "أحمد"، ابن عمها، والذي كان بمثابة أخيها وصديقها المقرب. أحمد، الشاب المكافح، الذي ورث عن والده أرضاً واسعةً وقبل أن يتزوج، كان يشعر بمسؤوليةٍ كبيرة تجاه عائلته. كان يعمل بجدٍ في حقله، يسعى جاهداً ليكون سنداً لأبيه ولأمه.

"ليلى!" نادى أحمد بصوته الجهوري، "هل أنتِ هنا؟" نهضت ليلى، ومرّت أمام المرآة. رأت انعكاساً لفتاةٍ جميلة، عيناها واسعتان بلون العسل، وحاجباها مقوّسان كالقوس العربي، تتوسطهما جديلةٌ طويلةٌ من الشعر الأسود الداكن. ابتسمت ابتسامةً خفيفة، شعرت ببعضٍ من النشاط يعود إليها.

"قادمةٌ يا أحمد!" أجابت بصوتٍ رقيق، وارتدت حجابها بعناية. نزلت الدرج بهدوء، ووجدت أحمد يقف عند الباب، يحمل في يده سلّةً مليئةً بالرمان الأحمر المتوهج. كان وجهه يفوح بالطيبة والبساطة، وعيناه تلمعان ببريقٍ دافئ. "لقد قطفت هذه بنفسي من حقولنا"، قال أحمد، ويده تقدم السلة إليها. "أردت أن أشارككِ بعضاً من خير أرضنا." أخذت ليلى السلة، وشعرت بدفءٍ يسري في يديها. "شكراً لك يا أحمد. أنت دائماً ما تتذكرني." "وكيف أنساكِ؟" قال أحمد، وعيناه نظرت إليه بعمق. "أتذكرين عندما كنتِ طفلةً صغيرة، ترسمين على جدران المنزل بالألوان التي كنتِ تستخرجينها من الزهور؟" ضحكت ليلى، ضحكةً صافيةً كصوت الماء. "كانت أياماً جميلة." "بالتأكيد. ولكن الأيام القادمة أجمل إن شاء الله." صمت أحمد قليلاً، وبدا وكأنه يريد أن يقول شيئاً آخر، لكنه تردد. كانت هناك نظراتٌ خفيةٌ في عينيه، نظراتٌ تحمل معاني لم تفهمها ليلى تماماً.

"هل هناك أمرٌ آخر يا أحمد؟" سألت ليلى، وهي تضع السلة على طاولةٍ خشبيةٍ في ساحة المنزل. "في الواقع... نعم." تنهد أحمد، ثم قال بحذر: "لقد أتتني أخبارٌ عن والدي. يبدو أنه سيعود قريباً." ارتعشت ليلى قليلاً. والد أحمد، عمها، كان قد غادر قبل سنواتٍ طويلةٍ إلى بلادٍ بعيدة، بحثاً عن رزقٍ أوسع، ولم يعد له أي خبرٍ منذ ذلك الوقت. غيابه ترك فراغاً كبيراً في حياة العائلة، خاصةً في حياة أحمد الذي كان متعلقاً به بشدة.

"هل هذا صحيح؟" سألت ليلى، وعيناها اتسعتا من المفاجأة. "هذا ما سمعت. أرسل لي أحد الأصدقاء رسالةً يقول فيها إنه رأى رجلاً يشبهه في الميناء." "هذا خبرٌ عظيم! متى سيصل؟" "لا أعرف بالتحديد. لكنه قد يكون في الأيام القادمة." شعرت ليلى بسعادةٍ غامرة، لا لذاتها، بل لأحمد. كانت ترى في عيني والدها الشيخ سليمان الشوق لعودة أخيه، وكانت تعرف كم كان غيابه يؤثر على أحمد.

"إنها فرصةٌ سعيدةٌ لك يا أحمد. سيكون أبوك سعيداً جداً برؤيتك، وبكل ما حققته." نظر أحمد إلى ليلى، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خجولة. "أردت أن أخبركِ أولاً. أنتِ الوحيدة التي أفهمتني دائماً." "وأنت الوحيد الذي تفهمني يا أحمد. نحن عائلةٌ واحدة." "عائلةٌ واحدة... نعم." كرر أحمد الكلمة، وكأنها تحمل وزناً أكبر من معناها.

بدأت الشمس تغرب تماماً، وألقت ظلالها الطويلة على الوادي. تحركت الغيوم الداكنة في الأفق، تحمل معها وعداً بالمطر. شعرت ليلى بنسيمٍ باردٍ يلامس وجهها، نسيمٌ يحمل معه وعداً ببدايةٍ جديدة، وبأحداثٍ غير متوقعة.

"يجب أن أذهب الآن"، قال أحمد، وهو يتجه نحو البوابة. "أمي تنتظرني." "إلى اللقاء يا أحمد." "إلى اللقاء يا ليلى." وقفت ليلى في مكانها، تراقب أحمد وهو يبتعد. لم تنتبه لشيءٍ آخر سوى لمشهدٍ غريبٍ في الأفق. رأى شيئاً لامعاً، يتحرك بسرعةٍ نحو الوادي. لم تكن تعلم ما هو، لكنها شعرت بغريزةٍ خافتةٍ تنذرها بأن شيئاً هاماً على وشك الحدوث.

"ما هذا؟" تساءلت بصوتٍ خفيض، وعيناها مسمرتان على ذلك الشيء الغامض. اختفى ذلك اللمعان سريعاً خلف التلال. تنهدت ليلى، وشعرت بأن قلبها يدق بسرعةٍ أكبر. هل كان ذلك مجرد وهم؟ أم كان بدايةً لشيءٍ أكبر؟

عادت إلى غرفتها، حيث تنتظرها لوحاتها وألوانها. لكنها لم تستطع التركيز. أفكارها كانت تتسابق، وقلبها مليءٌ بالمشاعر المتضاربة. عودة عمها، والشيء الغريب الذي رأته... كل ذلك بدا وكأنه يدور حولها، كعاصفةٍ خفيةٍ بدأت تلوح في الأفق.

وقفت أمام نافذتها، ونسيم الليل يحمل معه رائحة الياسمين. نظرت إلى السماء المرصعة بالنجوم، وتساءلت: "يا رب، ما الذي ستخبئه الأيام القادمة؟" وبينما كانت تسأل، هبت ريحٌ خفيفةٌ عبر النافذة، وكأنها تجيبها بأن كل شيءٍ ممكن.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%