عيناك وطني الجزء الثاني
نبض القلوب في سوق المدينة
بقلم فاطمة النجار
تسللت أمينة إلى سوق المدينة القديم، مختبئة خلف حجاب خفيف، وقلبها يدق بعنف متناغم مع ضجيج الباعة وصخب المشترين. لم يكن مجرد سوق، بل كان لوحة حية من الحياة العربية الأصيلة، حيث تتعالى أصوات الباعة وهم يعرضون بضاعتهم من أقمشة فاخرة، وتوابل زكية، وحلي فضية تتلألأ تحت أشعة الشمس. كانت الألوان تتراقص في كل زاوية، ورائحة القهوة العربية تفوح ممزوجة بعبق الياسمين.
كانت قد اتفقت مع سالم على اللقاء في هذا المكان، حيث يسهل عليهما التحدث بحرية دون أن يثير لقاؤهما أي شكوك أو استفسارات. أرادت أمينة أن تتحدث إليه بقلب مفتوح، وأن تشاركه مخاوف والدها، وأن تفهم منه عمق المشكلة، وكيف يرى هو الحل.
رأته واقفاً بالقرب من إحدى بسطات التمور الفاخرة، يتحدث مع البائع بابتسامة هادئة. كان طويل القامة، ببشرة سمراء نحتتها الشمس، وعينين تعكسان دفئاً ورصانة. حين رآها، ابتسم ابتسامة أضاءت وجهه، وبدا وكأن كل ضجيج السوق قد خفت حولهما.
"أمينة،" قال بصوت خفيض، وهو يقترب منها. "لقد تأخرتِ قليلاً. ظننت أنكِ لم تأتي."
"عذراً، سالم،" قالت أمينة، وشعرت بتوتر خفيف يختلجها. "كنت أتحدث مع والدي. لديه بعض الشواغل."
"هل هي عني؟" سأل سالم، وقد بدت على وجهه علامات اهتمام عميقة.
"نعم،" أجابت أمينة بصراحة. "لقد تحدثنا عن قضية آل الغانم، وعن النزاع القديم. أبي قلق، وهو يرى أن الأمور قد تكون أعقد مما تبدو."
أمسك سالم بيدها برفق، ودعاها للسير معه بين أزقة السوق المزدحمة. "أنا أتفهم قلق والدك، يا أمينة. فهو رجل حكيم، ويرى الأمور بمنظور الأبوة. ولكنني أعدك، أنني سأكون صريحاً معك. لقد بذلت جهداً كبيراً لإنهاء هذا الخلاف. والدي، رحمة الله عليه، تركني وديعة لدى عائلته، وهم يرون أنني الوريث الوحيد لقضيتهم. آل الغانم، يا أمينة، هم عائلة تتغذى على المشاكل. لقد استغلوا هذا النزاع لسنوات، وأنا لا أريد أن أكون جزءاً من هذه الحلقة المفرغة."
كانت كلماته تحمل صدقاً قوياً، وعزيمة لا تلين. شعرت أمينة ببعض الراحة، لأنها رأت في عينيه رغبة حقيقية في السلام، لا في الانتقام.
"وماذا فعلت تحديداً؟" سألت، وهي تشعر بأنها تغوص في تفاصيل لم تكن تعلم بوجودها.
"لقد حاولت التواصل مع كبير عائلة الغانم، الشيخ يعقوب. أرسلت إليه رسائل، طلبت فيها مقابلة. ولكنهم يرفضون. إنهم يرون في طلب الصلح ضعفاً، ويريدون إظهار قوتهم. ولكنني علمت، من خلال بعض معارفي، أن لديهم بعض السجلات القديمة التي تثبت حقهم في هذه الأرض. وللأسف، فإن هذه السجلات قد تكون مختلقة أو محرفة."
"وهل هذه هي المشكلة الوحيدة؟" سألت أمينة، وهي تذكر ما قاله والدها عن النفوذ والمصالح.
"ليس تماماً،" قال سالم، وقد بدا عليه بعض الحزن. "لقد حاولت أيضاً أن أفهم لماذا استمر هذا العداء طويلاً. اكتشفت أن هناك سبباً أعمق، يتعلق بخيانة قديمة بين جدودنا. التفاصيل معقدة، ولكنها تتعلق بشيء من النفوذ والمال. إن عائلة الغانم، يرون في استمرار النزاع وسيلة لابتزازنا، وللحفاظ على سمعة ما، ربما."
توقفت أمينة للحظة، وهي تتأمل كلماته. كان الأمر معقداً جداً، يتجاوز بكثير ما تخيلت. لم يكن مجرد نزاع على أرض، بل كان تاريخاً من الأحقاد، يتوارثه الأبناء عن الآباء.
"وماذا عن عائلتي؟" سألت، وهي تشعر بشيء من الخوف. "هل يعتقد آل الغانم أن عائلتي متورطة في هذا؟"
"لا أعتقد ذلك،" قال سالم سريعاً. "ولكنهم، بلا شك، يدركون أنني أصبحت قريباً من عائلتك، ومنكِ. هم يخشون أن يعود الوفاق بين العائلتين، وأن يفقدوا بذلك نفوذهم. ربما يحاولون استخدام هذا النزاع لإبعادك عني، أو للضغط عليّ. إنهم لا يريدون أن يروا عائلتي تعود إلى سابق عهدها."
شعرت أمينة بقشعريرة تسري في جسدها. هل كانت مجرد بيدق في لعبة أكبر؟ هل حبها لسالم قد يكون وسيلة للضغط عليه، أو لزعزعة استقرار عائلتها؟
"أبي قال إن لديكم علاقات قديمة مع آل الغانم،" قالت بتردد، تتذكر حديث والدها. "علاقات قد تكون معقدة."
"نعم،" قال سالم، وقد بدا عليه شيء من الأسف. "عائلتاكم وعائلتنا كانت تربطهما صداقة قديمة، وعلاقات نسب. وهذا ما يجعل الأمر أكثر تعقيداً. آل الغانم، يرون في عائلتك قوة، ويريدون إما أن تكون في صفهم، أو أن تكونوا طرفاً محايداً. هم لا يريدون أن يروا تعاضداً بين عائلتينا."
"إذن،" قالت أمينة، وهي تشعر بأن الأفكار تتسارع في رأسها، "هناك احتمال أن يحاولوا إيذائنا؟ أو إيذائك بطرق أخرى؟"
"كل شيء ممكن، يا أمينة،" قال سالم، وقد أمسك بيدها بقوة أكبر. "ولكنني أعدك، أنني سأحميكِ. لن أسمح لأي شيء أن يمسك بسوء. سأجد حلاً لهذه المشكلة. ربما أحتاج إلى بعض الوقت، وربما أحتاج إلى بعض المساعدة. ولكنني لن أستسلم."
نظرت أمينة في عينيه، ورأت فيهما صدقاً لا يضاهى. شعرت بأنها تدفعه إلى موقف صعب، ولكنها في الوقت نفسه، كانت تشعر بأن حبها له هو أقوى من أي خوف.
"إذا كنت تحتاج إلى مساعدة،" قالت بصوت ثابت، "فأنا مستعدة. ربما يمكننا التحدث إلى بعض الأشخاص الذين تثقون بهم. ربما يمكننا البحث في السجلات القديمة بأنفسنا. لا يمكننا أن ندع هذا النزاع يدمرنا."
ابتسم سالم ابتسامة مليئة بالامتنان. "شكراً لكِ، يا أمينة. وجودك بجانبي هو أكبر دعم لي. سنكون أقوى معاً. سأبحث في الأمر، وسأخبرك بما أجده. ولكن، يجب أن نكون حذرين. وأن نعمل بهدوء. لا يمكننا أن نسمح لعائلة الغانم بأن تشعر بأننا نتحرك ضدهم."
استمروا في السير، وكأن السوق بأكمله قد أصبح ملكاً لهما. كانت أمينة تشعر بأنها أصبحت جزءاً من عالم سالم، وأن مصيرهما أصبح متشابكاً بشكل لا يمكن فكه. كانت تحمل في قلبها حب سالم، وفي عقلها مخاوف والدها، وفي روحها عزيمة جديدة لتجاوز العقبات. كان لقاؤهما في السوق، ليس مجرد لقاء، بل كان بداية معركة، معركة من أجل الحب، ومن أجل السلام، ومن أجل مستقبل لا تشوبه ظلال الماضي.