عيناك وطني الجزء الثاني
الرسالة الخفية وهمس الماضي
بقلم فاطمة النجار
عادت أمينة إلى منزلها، وقلبها يعتصر ألماً وحيرة. لم يكن لقاؤها بسالم مطمئناً تماماً، بل زاد من تعقيد الصورة التي كانت ترسمها في ذهنها. اكتشفت أن النزاع بين عائلتيها وعائلة الغانم ليس مجرد خلاف بسيط، بل هو حرب باردة تحمل في طياتها أسراراً وخيانات قديمة. كانت كلماته عن "الخيانة القديمة" و"ابتزاز" و"مصالح" تلقي بظلال داكنة على مستقبلها.
وفي تلك الليلة، وبينما كانت تستعد للنوم، وقع بصرها على صندوق خشبي قديم، كان محفوظاً في زاوية خزانتها. كان هذا الصندوق يعود لوالدتها، رحمة الله عليها. لم تكن قد فتحته منذ سنوات، فقد كانت رؤيته تجلب لها ذكريات مؤلمة. ولكن، في تلك اللحظة، شعرت بنداء غريب، كأن روح والدتها تدعوها لاستكشاف أسراره.
فتحته ببطء، فوجدت فيه رسائل قديمة، وصوراً بالأسود والأبيض، وبعض المقتنيات التي كانت تحتفظ بها والدتها. بدأت بتقليبها، وشعرت بدموع تتجمع في عينيها. ثم، وبين أوراق قديمة، وجدت ظرفاً عتيقاً، مغلقاً بخاتم شمعي غريب. لم يكن اسم المرسل واضحاً، ولكنه كان موقّعاً بختم يبدو مألوفاً، كأنها رأته من قبل.
فتحت الظرف بحذر، وجدت بداخله ورقة صفراء، كتبت عليها بخط أنيق، ولكنه مهتز، كلمات قليلة. قرأتها بصوت خافت: "إلى من تنتمي إليه هذه الروح، أيتها الفراشة الطيبة. إن الطريق الذي تسلكينه مليء بالأشواك، ولكن نور الحق سينير لكِ الدرب. لا تثقي بمن يرتدون ثياب السلام وهم يحملون سيوف الغدر. ابحثي عن الحقيقة في الأماكن المنسية، وعن الإجابات في أصداء الأيام الخوالي. إن ما تبحثين عنه قد يكون مخبأً في قلب من كان لكِ سنداً، ولكن قد خذلكِ في نهاية المطاف."
شعرت أمينة بأن قلبها يكاد يتوقف. كانت هذه الرسالة غامضة، ومليئة بالتحذيرات. "مخفية في قلب من كان لكِ سنداً، ولكن قد خذلكِ في نهاية المطاف." من يكون هذا السند؟ ومن يكون الخاذل؟ هل تقصد والدها؟ أم شخص آخر؟
ثم، لفت انتباهها شيء آخر في الصندوق. كان هناك مفتاح صغير، بحجم الإصبع، بدا قديماً ولكنه مصقول. أين يكون هذا المفتاح؟ وعلى ماذا يفتح؟
في صباح اليوم التالي، قررت أمينة أن تحدث والدها مرة أخرى، ولكن هذه المرة، بطريقة مختلفة. لم ترغب في إثارة قلقه، بل في محاولة فهم ما تعنيه الرسالة. في مكتبه، وبينما كان يشرح لها تفاصيل معينة حول إحدى القضايا الدينية، بادرت بسؤاله: "أبي، هل تتذكر علاقة والدتك بعائلة الغانم؟ هل كانت هناك أي خلافات أو مشاكل في الماضي؟"
ارتسمت على وجه الشيخ خالد علامات مفاجأة، ثم حزن عميق. "عائلة الغانم؟ نعم، يا أمينة. كانت علاقة معقدة. والدتي، رحمة الله عليها، كانت تعرف سيدة منهم، وكانت تربطهما صداقة قديمة. ولكن، في مرحلة ما، حدث شيء ما. لم أفهم تفاصيله تماماً، ولكنني علمت أن هذه الصداقة انتهت بشكل سيء."
"وماذا عن والدتي؟" سألت أمينة، وقلبها يخفق. "هل كانت والدتي تعرف سيدة معينة من عائلة الغانم؟"
"نعم،" قال الشيخ خالد، وقد بدا عليه الانزعاج. "كانت والدتك، رحمها الله، على صلة وثيقة بالسيدة زينب الغانم. لقد كانتا صديقتين حميمتين. ولكن، ثم وقع بينهما خلاف كبير. والدي، رحمه الله، كان يشعر بالأسف الشديد لذلك. ولكن، لم يشرح لي أحد ما حدث بالضبط. كل ما أعرفه هو أن عائلة الغانم، منذ ذلك الوقت، أصبحت تحمل ضغينة علينا."
"ضغينة؟" سألت أمينة، وتشعر بأن خيوط القصة تتجمع. "هل تتذكر اسم السيدة زينب الغانم؟"
"نعم،" قال الشيخ خالد. "ولكن، يا أمينة، لماذا هذه الأسئلة؟ هل هناك شيء يشغل بالك؟"
لم تجرؤ أمينة على إخباره عن الرسالة. شعرت بأنها ليست مستعدة لمواجهة الحقيقة كاملة. "لا شيء يا أبي، مجرد فضول. أردت أن أفهم تاريخ العائلتين بشكل أفضل."
بعد ذلك، بدأت أمينة تبحث عن أدلة. تذكرت أن والدتها كانت تحتفظ ببعض الأشياء في علبة مجوهرات قديمة، كانت مخبأة في خزانة غرفة نومها. ذهبت إلى الغرفة، وفتحت العلبة. وجدت فيها بعض الأساور القديمة، وقلادة، ثم، تحت كل ذلك، وجدت دفتر ملاحظات صغير، بغلاف جلدي عتيق.
بدأت تقلب صفحات الدفتر، فوجدت فيه كتابات والدتها بخط يدها. كانت غالباً ما تسجل فيها أفكارها ومشاعرها. في أحد الأقسام، وجدت سطوراً تتعلق بعلاقتها بالسيدة زينب الغانم. كانت تعبر فيها عن حبها وصداقتها، ثم، تدريجياً، بدأت الكتابات تتغير. ظهرت فيها علامات خيبة أمل، ثم غضب، ثم ألم عميق.
"زينب، يا زينب،" كتبت والدتها في أحد المقاطع. "لقد خانتيني. لقد سرقت مني شيئاً ثميناً، شيئاً كان يخص أسرتي. لقد كذبت عليّ، وتلاعبت بمشاعري. لم أكن أتوقع منكِ هذا أبداً. كنت أراكِ كأخت. ولكنكِ أثبتِ لي أن الثقة قد تكون أعمى الأعين."
"شيئاً ثميناً؟" تساءلت أمينة في نفسها. "ماذا سرقت زينب الغانم من والدتها؟"
ثم، في آخر صفحة في الدفتر، وجدت رسماً صغيراً، كان عبارة عن شكل مفتاح، مطابق تماماً للمفتاح الذي وجدته في صندوق والدتها. وإلى جانب الرسم، كتبت والدتها: "المفتاح في المكان الذي لا يراه أحد، ولكنه يحمل كل شيء. في قلب الذكريات، في صندوق الأمانات."
"صندوق الأمانات؟" فكرت أمينة. كان والدها قد ذكر أن والدتها كانت تحتفظ ببعض الأمانات في بنك، في صندوق خاص. ولكن هل هذا هو المكان المقصود؟ أم أن "صندوق الأمانات" هو شيء آخر؟
شعرت أمينة بأنها على وشك اكتشاف سر كبير، سر قد يلقي بضوء جديد على كل ما يحدث. الرسالة الغامضة، وصداقة والدتها مع زينب الغانم، والاختلاف الكبير، والمفتاح، كل ذلك كان يمثل ألغازاً تتشابك.
في تلك الليلة، لم تستطع أمينة النوم. بقيت متيقظة، تقلب الرسالة، والكلمات التي كتبتها والدتها. شعرت بأن الماضي لا يزال حياً، وأنه يحمل في طياته مفاتيح لحل مشكلات الحاضر. هل كان سالم على دراية بكل هذا؟ هل كان يعلم أن هذه الخلافات القديمة تحمل في طياتها مثل هذه الأسرار؟
كانت تشعر بأنها تسير على حافة الهاوية، وأن عليها أن تكون حذرة جداً. لم تعد تثق في ما تراه فقط، بل أصبحت تبحث عن ما هو أعمق، عن ما هو مخفي. كان وعدها لسالم أن تكون بجانبه، ولكنها الآن تدرك أن مهمتها قد تكون أكبر من مجرد دعم عاطفي. ربما كان عليها أن تساعده في كشف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.