عيناك وطني الجزء الثاني

ظلال الماضي ورياح المستقبل

بقلم فاطمة النجار

كانت نسمات المساء تحمل معها همسات ماضٍ لم ينتهِ، وتلوح بتباشير مستقبلٍ يلوح في الأفق. جلس عبد الرحمن على شرفة داره المطلة على سكون المدينة النائم، يحتسي قهوته السوداء المرّة، وكأنها تعكس مرارة ما استقر في صدره. لم تكن ساعات النهار كافية لتشتيت الأفكار المتلاحقة التي تعصف بذهنه، ورغم سعادته بلقاء والدته بعد غياب، إلا أن حديثها الأخير ترك في نفسه قلقاً عميقاً.

"عبد الرحمن يا ولدي، قلب الأم لا يكذب. هناك شيءٌ ما يخالج روحي، وكأن شبحاً من الماضي بدأ يلوح بأطرافه. احذر، احذر من كل ما قد يهدد سعادتك الحالية. لا تمنح ثقتك بسهولة لأحد."

تذكر كلماتها بصوتها الحنون الممزوج بالرجاء. من تقصد؟ ومن ذاك الشبح الذي تحدثت عنه؟ كان يتمنى لو أنها ألقت ضوءاً أوضح، لكنها اكتفت بالدعاء له والتضرع بأن يحفظه الله. لم يكن عبد الرحمن غافلاً عن دسائس بعض النفوس، فقد خبر الحياة بما يكفي ليعرف أن لا شيء يأتي بلا ثمن، وأن السعادة الحقيقية غالباً ما تكون محور حسدٍ أو طمع.

قرب نهاية اللقاء، وبينما كانا يتجهان نحو الباب، ألقت والدته نظرة خاطفة على الحقيبة الجلدية التي حملها عبد الرحمن معه، والتي احتوت على بعض الملفات الهامة المتعلقة بمشروعه الجديد. توقفت للحظة، ثم قالت بتأتأة: "هذه... هل تحمل أوراقاً هامة؟"

أومأ عبد الرحمن: "نعم يا أمي، بعض الدراسات والتصاميم للمشروع الجديد. لماذا تسألين؟"

نظرت إليه بعينين تملؤهما قلقٌ دفين: "لا شيء يا بني، فقط... لا تتركها في متناول الأيدي. في زماننا هذا، لم تعد الأعين على حالها."

الآن، وقد خلت الدار من صخب الزوار، وبات الصمت سيد المكان، استوعب عبد الرحمن المعنى الخفي وراء كلماتها. كانت والدته، رغم حداثة عهدها بالعالم، تمتلك فراسةً تتجاوز حدود المنطق. هل كان هناك من يعرف بتفاصيل مشروعه؟ ومن ذاك الذي قد يجد في أوراقه ما يهدد مصالحه؟

كانت سارة، زوجة أخيه الأصغر، قد زارته في اليوم السابق، متظاهرةً بالاهتمام بمشروعه، وطرحت عليه بعض الأسئلة التي بدت بريئة في ظاهرها. سألت عن طبيعة المواد، وعن مدة التنفيذ، وعن الشركاء المحتملين. كان عبد الرحمن قد أجابها بكل رحابة صدر، فقد كان يعتبرها جزءاً من العائلة، ولم يخطر بباله قط أن تخفي وراء ابتسامتها ما يثير الشك. لكن، بعد كلام والدته، بدأت تلك الأسئلة تكتسب بعداً آخر.

تذكر كيف كانت سارة تراقب حقيبته الجلدية وهي بجانبه، وكيف أبدت اهتماماً زائداً بتفاصيل العقد الذي كان يحمله. هل كانت تلك مجرد فضول نسوي، أم كانت هناك نوايا أخرى؟

نهض عبد الرحمن من مكانه، وتوجه نحو غرفة المكتب. فتح الحقيبة الجلدية، وبدأ يقلب في الأوراق. كل شيء كان في مكانه. الدراسات الهندسية، جداول الكميات، خطط العمل. لكن شيئاً ما كان يشعر به، إحساسٌ غريبٌ بأن كل شيء على ما يرام، لكنه في الوقت ذاته ليس كذلك.

ثم، وقع بصره على ورقةٍ ما، كانت مختبئة بين أوراق التصميم. ورقةٌ لم يكن يتذكر وضعها هناك. كانت ورقةً قديمة، تحمل بصماتٍ قديمة. ورقةٌ كانت سبباً في عداوةٍ قديمة.

كانت رسماً تخطيطياً بسيطاً، لوحةً لمبنى قديم، يحمل اسم "دار العتيق". كان هذا المبنى هو ما يشكل جوهر النزاع الذي دار بينه وبين ابن عمه، فواز، قبل سنوات. كان فواز قد ادعى ملكيته له، مستنداً إلى وثائق تبدو مزورة، بينما كان عبد الرحمن يمتلك أدلة قاطعة على أن جده هو من بناه واشتراه. انتهى النزاع بتنازل فواز، لكنه لم ينسَ، ولم يغفر.

تنهد عبد الرحمن بعمق. هل يعود الماضي ليلاحقه؟ هل كان فواز سبباً في قلق والدته؟ لا، يبدو الأمر أعمق من ذلك. هذه الورقة، كيف وصلت إلى حقيبته؟

فجأة، لمعت في ذهنه صورةٌ واضحة. صورةٌ لسارة وهي تجلس بالقرب منه، وبيدها كوبٌ من الشاي، وهي تطلب منه أن يريها بعض التصاميم الجديدة. هل تكون قد فعلت شيئاً حينها؟ هل تكون قد استغلت انشغاله، أو لحظة غفلة، لتضع هذه الورقة؟ ولماذا؟

ما هي المصلحة التي قد تجنيها سارة من إشعال نار العداوة القديمة بينه وبين فواز؟ هل كانت هناك صفقةٌ سرية بينهما؟

لم يكن عبد الرحمن من النوع الذي يستسلم للشكوك دون دليل، ولكنه كان يعلم أن للدهاء أشكالاً كثيرة، وأن الخيانة قد تأتي من أقرب الناس.

قام عبد الرحمن بإغلاق الحقيبة الجلدية بإحكام، وأمسك بها بيده. نظر إلى الخارج، إلى سماء الليل التي ازدانت بالنجوم. شعر بأن رياحاً قوية قد بدأت تهب، وأن عليه أن يستعد لمواجهة ما تخبئه له هذه الرياح.

نهض واستدار، وتوجه نحو باب غرفة المكتب. كانت خطوته الآن أكثر ثباتاً، ونظرته أكثر تصميماً. لم يعد الأمر مجرد مشروع عمل، بل أصبح معركةً لحماية ما بناه، وللحفاظ على سلام عائلته.

نظر إلى صورة والدته المعلقة على الحائط، ابتسم لها ابتسامةً خفيفة. "لا تقلقي يا أمي، سأكون حذراً."

ذهب إلى خزانة ملابسه، وفتحها. لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يكن يريد القتال، ولكنه أراد أن يكون مستعداً. اختار سترةً قوية، ووضع مفاتيح سيارته في جيبه.

كانت وجهته واضحة. لم يكن يرغب في مواجهة فواز مباشرةً، بل كان يريد أن يكشف الخيوط الخفية التي تربطه بسارة، ويكشف الغموض الذي أحاط بوصول تلك الورقة إلى حقيبته.

كانت ساعته تشير إلى منتصف الليل. المدينة هادئة، لكن في داخل عبد الرحمن، كانت العاصفة قد بدأت. كل كلمة قالتها والدته، كل حركة قامت بها سارة، كل ورقة في تلك الحقيبة، أصبحت الآن جزءاً من لغزٍ معقد.

خرج عبد الرحمن من منزله، بخطواتٍ ثابتة، وقلبٍ يعتصر قلقاً، ولكن بعزمٍ لا يلين. كان يعلم أن الطريق أمامه لن يكون سهلاً، وأن الظلال التي بدأت تتكشف قد تكون أشد قتامةً مما يتخيل. كان عليه أن يصل إلى الحقيقة، قبل أن تبتلعه الظلمات.

فتح باب السيارة، وجلس خلف المقود. أدار المحرك، ومرت الأنوار في الشارع على وجهه، وكأنها تلخص الصراع الدائر بداخله. لم يكن يملك كل الإجابات، ولكنه كان يملك الرغبة في العثور عليها.

الوجهة؟ دار فواز. ليس لمواجهة، بل للاستفسار، وللكشف عن خفايا قديمة. كان يعتقد أن فواز، رغم خصومته، قد يملك مفتاحاً لبعض الألغاز.

أخرج هاتفه، ونظر إلى صورته مع سارة، صورةٌ قديمةٌ كانا فيها مبتسمين، يبدو عليها الود. ابتسامةٌ خادعة، أم حقيقةٌ مطمورة؟

في تلك اللحظة، شعر بعبء المسؤولية يزداد على كتفيه. لم يعد الأمر يتعلق به وحده، بل يتعلق بسمعة عائلته، وبمستقبل مشروعه، وبسلامه الداخلي.

كانت حقيبته الجلدية بجانبه، تحمل أسراراً جديدة، وألغازاً قديمة. كانت نسمات الليل تحمل همساتٍ لم تكن هادئة، بل كانت تنذر بعاصفةٍ قادمة.

وصل إلى نهاية الطريق، حيث تقبع دار فواز. أطفأ المحرك، وأخذ نفساً عميقاً. نظر إلى المبنى، ثم إلى السماء. هل كان هذا هو الوقت المناسب؟ هل كان مصيره أن يواجه الظلال القديمة؟

كانت الشرفة المطلة على الشارع فارغة. الأضواء داخل المنزل خافتة. هل كان فواز موجوداً؟

فتح باب السيارة، ونزل. كانت رائحة الياسمين التي تفوح من حديقة فواز، تحمل معها ذكرى طفولةٍ بريئة، زمنٌ لم تعرف فيه القلوب الخداع، ولم تكن فيه الأيادي تحمل السهام.

لكنه الآن، كان عليه أن يتجاوز تلك الذكريات، وأن يواجه الواقع المرير.

اقترب من البوابة، ومد يده ليرفع الجرس. ترددت يده للحظة، ثم ضغط عليها.

انطلق صوت الجرس، مزعزعاً سكون الليل. شعر بأن قلبه يدق بسرعة. ماذا سيجد خلف هذا الباب؟ هل سيواجه العدو القديم، أم سينكشف أمامه وجهٌ جديدٌ للخيانة؟

لم يكن يعرف. ولكن، كان يعلم شيئاً واحداً: أن نقطة اللاعودة قد تم اجتيازها. وأن ما بدأ الآن، لن ينتهي إلا بكشف كل الحقائق، مهما كانت مؤلمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%