عيناك وطني الجزء الثاني

مفاوضات الظل وحقائق الماضي

بقلم فاطمة النجار

وقف عبد الرحمن أمام بوابة منزل فواز، وقلبه يخفق بشدة، ليس خوفاً، بل ترقباً وشعوراً بما لا يحمد عقباه. لم يكن يتوقع أن يعود إلى هذا المكان بهذه الظروف، بعد سنواتٍ من الهدوء الظاهري الذي لفّ العلاقة بينهما. كانت رائحة الياسمين تفوح في الهواء، لكنها لم تكن كافية لتبديد ثقل اللحظة.

بعد لحظات، انفتح الباب ببطء، وظهر فواز. كان يقف في الظلام، لم يرتدِ ثياباً رسمية، بل ما يشبه ثياب المنزل. نظراته كانت حذرة، تحمل مزيجاً من المفاجأة والاستغراب.

"عبد الرحمن؟ ما الذي أتى بك إلى هنا في هذا الوقت المتأخر؟" سأل فواز، وصوته يحمل نبرةً لا تخلو من الدهشة.

أجاب عبد الرحمن بصوتٍ هادئ، ولكنه يحمل عزماً لا لبس فيه: "أهلاً بك يا ابن عمي. أرجو أن تعذرني على هذا الاقتحام المفاجئ. كان لدي أمرٌ هامٌ أردت مناقشته معك."

نظر فواز إليه بترقب، ثم قال: "تفضل بالدخول."

دخل عبد الرحمن إلى الصالون، الذي كان لا يزال يحمل بصمة ذوق فواز. الأثاث الفخم، واللوحات الكلاسيكية. لكن كل هذا لم يثر اهتمام عبد الرحمن. كان جلّ تفكيره منصباً على الهدف الذي جاء من أجله.

جلس فواز على أريكة، وأشار لعبد الرحمن بالجلوس أمامه. "ما هو الأمر الهام الذي لم يحتمل الانتظار حتى الصباح؟"

أخذ عبد الرحمن نفساً عميقاً، ثم قال: "أعلم أن علاقتنا لم تكن على ما يرام في الماضي، ولكنني جئت اليوم ليس لتجديد الخلاف، بل لطلب توضيحٍ هام."

ثم استخرج من جيب سترته الورقة التي وجدها في حقيبته. وضعها على الطاولة بينهما. "هل تعرف هذه الورقة؟"

نظر فواز إلى الورقة، ثم إلى عبد الرحمن. بدا عليه الارتباك. "هذه... هذه رسمة لدار العتيق. من أين لك بها؟"

قال عبد الرحمن بجدية: "هذه الورقة وُجدت بالصدفة في حقيبتي، وأنا على يقينٍ بأنني لم أضعها هناك. وهذا يقودني إلى سؤال: هل لديك علاقةٌ بوصولها إلى هناك؟"

تغيرت ملامح فواز. بدت عليه علامات الغضب والتحدي. "ماذا تقصد؟ هل تتهميني؟"

"لا أتهم أحداً يا فواز، ولكنني أبحث عن الحقيقة. هذه الورقة كانت سبباً في نزاعٍ كبير بيننا. وأن تكون هنا، بشكلٍ غامض، يثير تساؤلاتٍ كثيرة."

"أنا لم أضع أي ورقة في حقيبتك يا عبد الرحمن. هذه الورقة هي دليلٌ على ملكيتي لدار العتيق، وقد تكون قد سقطت منك أو وضعتها بنفسك دون أن تدري." قال فواز، وصوته يرتفع تدريجياً.

"هذا غير صحيح. أنا أحتفظ بكل أوراقي بعناية فائقة، ولا يمكن أن تكون هذه الورقة قد سقطت مني. لا بد وأن هناك يداً خفيةً قد وضعتها هناك."

توقف فواز قليلاً، ثم قال بنبرةٍ أكثر هدوءاً، ولكن لا تخلو من الشك: "وما الذي يجعلك تعتقد أن لي علاقةٌ بهذا الأمر؟"

"والدتي. لقد زارتني اليوم، وأبدت قلقاً شديداً بشأن مستقبلي، وحذرتني من شخوصٍ قد تلوح من الماضي. وكلماتها لم تأتِ من فراغ. ثم، وجدت هذه الورقة. ولاحظت أيضاً اهتمام زوجتك، سارة، بمشروعي الجديد، وطرحها لبعض الأسئلة التي بدت لي الآن مشبوهة."

نظر فواز إلى عبد الرحمن بتمعن. بدا وكأنه يفكر في شيءٍ ما. "سارة؟ وما شأن سارة بهذا الأمر؟"

"لا أدري بالضبط، ولكن يبدو أن هناك خيوطاً غير مرئية تربط بين الماضي والحاضر. ووالدتي لديها بصيرةٌ نافذة، ولا تخطئ في تحذيراتها."

الصمت يخيم على المكان. فواز ينظر إلى الورقة، ثم إلى عبد الرحمن. كان هناك شيءٌ في عينيه يوحي بأنه قد يكون على وشك قول الحقيقة، أو على الأقل جزءٍ منها.

"يا عبد الرحمن،" قال فواز أخيراً، "أنا لا أنكر أني لم أنسَ ما حدث بيننا بسبب دار العتيق. ولكنني أيضاً تعلمت من أخطائي. أنا لست بالرجل الذي يستسهل دسائس الأمس. أما عن الورقة، فلا أعرف كيف وصلت إلى حقيبتك. ولكن، دعني أقول لك شيئاً. هناك أشخاصٌ آخرون قد يكونون مهتمين بمشروعك، وبما لديك من أوراق."

"من تقصد؟" سأل عبد الرحمن بسرعة.

"لا يمكنني أن أؤكد شيئاً. ولكن، لست وحدك من يملك طموحات. هناك من يراقب، ومن ينتظر الفرصة."

"هل تقصد أن هناك من يحاول إشعال نار الخلاف بيننا مجدداً؟"

"ربما. أو ربما هناك من يسعى لاستغلال ضعفك، أو حصوله على معلوماتٍ تتعلق بمشروعك."

"وهل لديك أي دليلٍ على ذلك؟"

"لا دليل قاطع. مجرد ملاحظات. ولكن، زوجتك... سارة، هل تعتقد أنها بريئة تماماً؟"

تجمّدت الدماء في عروق عبد الرحمن. "ماذا تقصد؟"

"سارة، رغم أنها جزءٌ من عائلتي، إلا أنها... طموحةٌ جداً. وقد تكون لها طموحاتٌ خاصة بها، تتجاوز ما تتخيله. لا أريد أن أتحدث عن زوجتي بسوء، ولكنني أقول لك ما أعرفه."

"ولكن، كيف يمكن أن تكون لسارة علاقةٌ بهذا الأمر؟"

"قد تكون هناك مصالح مشتركة. قد تكون هناك صفقاتٌ تتم في الظلام. لا أعلم، ولكنني أحذرك، يا عبد الرحمن. لا تثق بكل الوجوه الباسمة."

شعر عبد الرحمن بأن رأسه يدور. كل ما كان يعتقده بدأ يتغير. سارة؟ زوجة أخيه؟ هل يمكن أن تكون هي وراء كل هذا؟

"أنا أحذرك، يا عبد الرحمن. لا تدع الخلاف القديم يجعلك غافلاً عن الخطر الجديد. هناك من يعمل في الخفاء."

"ولماذا تذكر لي هذا الآن؟"

"لأنني، في النهاية، ما زلت أؤمن بروابط الدم. ولأنني لا أريد أن أرى عائلتنا ممزقةً بسبب دسائس الآخرين."

نظر عبد الرحمن إلى فواز. كان هناك شيءٌ في صدقه، في حذره، يوحي بأن ما يقوله له وزن.

"هل تعتقد أن سارة لها علاقةٌ بـ... ببعض الأشخاص الذين قد يضرون بمشروعي؟"

"لا أستطيع تأكيد ذلك. ولكن، أنصحك بمراقبتها. ومراقبة أي شخصٍ يبدي اهتماماً زائداً بما لديك."

نهض عبد الرحمن. "شكراً لك يا ابن عمي. لقد أثرت نقاطاً هامة، وبدأت أرى الصورة بشكلٍ أوضح."

"أتمنى أن تجد الحقيقة، يا عبد الرحمن. وأن تحمي ما لك."

خرج عبد الرحمن من منزل فواز، وشعورٌ ثقيلٌ يغطي قلبه. لقد كان يتوقع أن يواجه فواز، وأن يسترجع بعض الحقائق القديمة، ولكنه لم يكن يتوقع أن يواجه شبحاً جديداً، وجهاً جديداً للخيانة.

صورة سارة، بابتسامتها الهادئة، اختلطت الآن بصورة فواز، بعينيه الحذرتين. لم يعد الأمر مجرد مشروع، بل أصبح معركةً لكشف الألاعيب، وحماية الأهل.

أدار مفتاح السيارة، وعاد إلى داره. كانت الشوارع لا تزال هادئة، لكن في داخله، كان الصراع قد بلغ ذروته.

هل كانت سارة تتآمر عليه؟ ولماذا؟ وما هو الهدف؟ هل كان فواز يقول الحقيقة، أم كان يحاول التلاعب به؟

كل شيء كان غامضاً. ولكن، كانت لديه الآن بعض الخيوط. خيوطٌ رفيعة، لكنها قد تقوده إلى الحقيقة.

وصل إلى داره، ودخل بهدوء. توجه مباشرةً إلى غرفة المكتب، حيث كانت الحقيبة الجلدية. فتحها، وبدأ يقلب في الأوراق مرةً أخرى.

لاحظ شيئاً غريباً. إحدى أوراق التصميم، التي كانت مطمورةً في الأسفل، بدت وكأنها قد تم لمسها. لم يكن متأكداً، ولكن الإحساس كان قوياً.

كانت هناك رسوماتٌ تفصيلية لتجهيزاتٍ معينة. هل يمكن أن تكون سارة قد أخذت نسخةً منها؟ أو صورتها؟

شعر بغصةٍ في حلقه. فكرة الخيانة من أقرب الناس كانت مؤلمةً للغاية.

نظر إلى صورة والدته على الحائط. تذكر تحذيراتها. "احذر، احذر من كل ما قد يهدد سعادتك الحالية."

لم يكن الأمر يتعلق الآن بسعادته فقط، بل بسمعة عائلته، وبمستقبل مشروعه الذي تعب في بنائه.

تنهد بعمق. لم يعد لديه وقتٌ للشك. كان عليه أن يتحرك.

جمع بعض الأوراق الهامة، ووضعها في جيب سترته. أمسك بالحقيبة الجلدية.

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل. ولكن، لم يكن يشعر بالنعاس. كان يشعر بالطاقة، بالطموح، وبالرغبة في كشف كل شيء.

نظر إلى الخارج. النجوم كانت تلمع في السماء. هل كانت هذه النجوم شاهدةً على مؤامراتٍ جديدة، أم على بداية كشف حقائق قديمة؟

كان عليه أن يعرف. وأن يعرف الآن.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%