عيناك وطني الجزء الثاني
أصداء الأمس
بقلم فاطمة النجار
كان الهواء في قاعة الشيخ "إبراهيم" مفعماً برائحة البخور العطر، ممزوجةً بعبق العود الفاخر. لم تكن هذه القاعة مجرد مكانٍ للضيافة، بل كانت رمزاً للكرم والسخاء، ومركزاً للحكمة والتفاوض في القبيلة. كان الشيخ إبراهيم، والد أحمد، رجلاً ذا هيبةٍ فريدة، عيناه تحملان عمق التجارب، ووجهه يحكي قصص رحلاتٍ طويلةٍ عبر الصحراء.
جلس الشيخ إبراهيم على وسادته الوثيرة، يستقبل وجهاء القبيلة الذين حضروا خصيصاً لتهنئته بعودته. لقد مرت سنواتٌ طويلةٌ على غيابه، سنواتٌ مليئةٌ بالتحديات والأرباح، لكنها لم تمحُ من ذاكرته حنينه إلى أرضه وعائلته. بجانبه، جلس ابنه أحمد، يشعّ وجهه بفرحةٍ مكتومة، يتأمل والده بعينين لا تخفيان إعجابه واحترامه.
"حمداً لله على سلامتك يا عمي"، قال أحد كبار السن، وهو يقبّل يد الشيخ إبراهيم. "لقد طال غيابك، وظننا أنك لن تعود." ابتسم الشيخ إبراهيم، وقال بصوته الرخيم: "الحمد لله الذي أعادني سالماً غانماً. لقد كانت رحلةً طويلة، لكنني لم أنسَ أرضي أبداً." "وهل وجدت ما كنت تبحث عنه؟" سألت أخرى. "رزقتُ من الله ما فيه الكفاية، والحمد لله. لكني أردت العودة إلى حضن عائلتي، وإلى تراب وطني." ارتسمت على وجه أحمد ابتسامةٌ عريضة. كانت تلك الكلمات بمثابة البلسم لروحه.
بعد انتهاء مراسم الترحيب، توجه أحمد نحو والده، وانحنى ليقبّل رأسه. "لقد اشتقتُ لك كثيراً يا أبي." ربّت الشيخ إبراهيم على كتف ابنه بحنان. "وأنا اشتقتُ لك يا بني. لقد كبرتَ وأصبحتَ رجلاً. أرى فيكِ صورةَ أبي وأمي." "بفضل الله ثم بفضل توجيهاتكم." "توجيهاتي؟ لقد كنتَ أنتَ خير معينٍ لنفسك. لقد عرفتُ أنك ستكون سنداً لأمك، وأنك ستدير أمورنا بكل حكمةٍ وكفاءة." لم يستطع أحمد أن يخفي إحساسه بالفخر. لقد كان ذلك الاعتراف بمثابة تتويجٍ لجهوده.
بعد أن هدأت قاعة الشيخ، قرر أحمد أن يتوجه إلى منزل ليلى. أراد أن يخبرها بأخبار عودة والده، وأن يشاركها فرحته. لم يستطع أن يخفي شعوره بالامتنان تجاه ليلى، فهي كانت دائماً مصدر دعمه وتشجيعه.
وصل أحمد إلى منزل ليلى، ووجدها جالسةً في حديقة المنزل، ترسم على لوحةٍ قماشيةٍ كبيرة. كانت الشمس قد بدأت ترتفع، تلقي بضوئها الذهبي على كل شيء. "ليلى!" نادى أحمد بصوتٍ حيوي. رفعت ليلى رأسها، وابتسمت. "أهلاً بك يا أحمد. لقد كنتُ أنتظرك." "لقد عدت!" قال أحمد، وعيناه تلمعان. "رأيتُ الوالد. لقد كان لقاءً مؤثراً. رأيتُ دموع الفرح في عينيه، ودموع الشوق في عين أمي. لقد كان يوماً لا يُنسى." "الحمد لله. أنا سعيدٌ جداً لأجلكم." "ولأجلكم أيضاً. أنتَ تستحق كل خير يا أحمد. لقد تحملتَ الكثير." "كل ذلك يهون أمام سعادة العائلة."
جلسا يتحدثان، وأحمد يحكي لليلى تفاصيل رحلته، عن الأماكن التي زارها، وعن الأشخاص الذين قابلهم. أما ليلى، فكانت تستمع باهتمامٍ بالغ، وتشعر ببعضٍ من الغبطة وهي ترى سعادة أحمد.
"ولكن هناك شيءٌ آخر أود أن أخبركِ به يا ليلى"، قال أحمد فجأة، وعيناه تنظران إليها بشيءٍ من التردد. "ما هو؟" "والدي... يبدو أنه جاء ومعه شخصٌ جديد." ارتعشت ليلى قليلاً. "شخصٌ جديد؟" "نعم. امرأةٌ... يبدو أنها زوجته." صدمت ليلى. لم تتوقع ذلك أبداً. لقد عرفت أن والد أحمد لم يكن متزوجاً قبل سفره. "زوجته؟" كررت ليلى، غير مصدقة. "هذا ما سمعت. يقولون إنها من بلدٍ بعيد." "ولكن... كيف؟" "لا أعرف التفاصيل. أبي لم يتحدث عن هذا الأمر كثيراً. لكن أمي تبدو متأثرةً قليلاً." شعرت ليلى بوخزةٍ في قلبها. كانت تعرف السيدة "زينب"، والدة أحمد، رجلاً كريمةً وطيبة، ودائماً ما كانت تخاف من أن يتزوج أبوها من امرأةٍ أخرى. "آمل أن تكون طيبة"، قالت ليلى بصوتٍ خافت. "آمل ذلك أيضاً. ولكنني قلقٌ قليلاً." "هذه الأمور قد تكون معقدةً أحياناً."
نظرت ليلى إلى لوحتها. كانت قد رسمت فيها طائراً جميلاً يحلق في سماءٍ زرقاء صافية. الآن، بدا وكأن هناك سحابةً غامضةً بدأت تتجمع في تلك السماء. "هل لي أن أرى ما ترسمينه؟" سأل أحمد. "بالتفضل." أتى أحمد ليقف بجانبها، ورأى اللوحة. "جميلةٌ جداً. تبدو وكأنها تعكس الأمل." "كنتُ أحاول ذلك"، قالت ليلى.
"ليلى"، قال أحمد، وتنهد. "أردتُ أن أخبركِ بشيءٍ آخر." "ما هو؟" "الشيء الذي رأيتهِ في السماء قبل أيام... الشيء اللامع." "نعم، ماذا عنه؟" "لقد كان طائرةً. لقد هبطت في مكانٍ قريبٍ من هنا. لم يرها أحدٌ غيري، أو هكذا أظن." اتسعت عينا ليلى. "طائرة؟ هل أنت متأكد؟" "شبه متأكد. كانت تتحرك بسرعةٍ كبيرة، ولم أستطع تمييز شكلها تماماً. لكنها بالتأكيد ليست شيئاً رأيته من قبل." "هذا غريبٌ جداً. طائرةٌ تهبط في الصحراء؟" "لهذا السبب أنا قلق. لم أرَ أحداً ينزل منها، ولا أحدٌ رأى مكان هبوطها. كأنها اختفت في الهواء."
شعر كل منهما بقشعريرةٍ تسري في جسده. كانت الأقدار بدأت تتشابك، بطرقٍ لم يتوقعاها. عودة الشيخ إبراهيم، وزوجته الجديدة، والشيء الغامض الذي رأته ليلى، ثم الطائرة التي تحدث عنها أحمد... كل ذلك بدا وكأنه إشارةٌ إلى تغييرٍ كبيرٍ قادم.
"لا تقلق يا أحمد"، قالت ليلى، محاولةً أن تبثّ الطمأنينة في صوتها. "ربما كان مجرد وهمٍ أو خدعةٍ بصرية." "أتمنى ذلك. ولكنني أشعر بأن هناك شيئاً يحدث." "نحن نعيش في زمنٍ متغير. كل شيءٍ ممكن." "ولكن هل كل ما هو ممكنٌ هو جيد؟"
نظرت ليلى إلى أحمد، ورأت في عينيه قلقاً حقيقياً. لقد كانت هي أيضاً تشعر بقلقٍ مماثل. كأن هناك قوةً خفيةً بدأت تحرك خيوط الأحداث، وتضعهم في مسارٍ جديد. "سنتجاوز أي شيءٍ سيحدث معاً يا أحمد"، قالت ليلى، وأمسكت بيده. ابتسم أحمد بامتنان، وشعر بقوةٍ تسري فيه. "معكِ، كل شيءٍ يبدو أسهل."
في تلك اللحظة، سمعا صوتاً قادماً من بعيد. صوتٌ أشبه بضجيجٍ غريب، لم يستطيعا تحديد مصدره. بدا وكأنه قادمٌ من اتجاه الصحراء. "ما هذا الصوت؟" سألت ليلى. "لا أعرف"، أجاب أحمد، وهو يقف وينظر نحو الأفق. "يبدو وكأنه... شيءٌ معدنيٌّ يتحرك." نظرت ليلى بنفس الاتجاه، وحاولت التركيز. في الأفق، حيث يلتقي لون السماء بلون الرمال، بدا وكأن هناك شيئاً يتحرك ببطءٍ شديد. كان بعيداً جداً، ولكنه كان بالتأكيد هناك.
"هل تعتقد أنه...؟" سألت ليلى، ولم تكمل. "ربما"، أجاب أحمد، ووجهه عاقدٌ. "يجب أن نرى."