عيناك وطني الجزء الثاني

ليلة الكشف والأسرار المدفونة

بقلم فاطمة النجار

كان الليل قد ألقى بظلاله الكثيفة على أرجاء المدينة، ولكن بالنسبة لعبد الرحمن، كانت هذه الظلال لا تعكس سوى غموضٍ متزايدٍ وتعقيداتٍ لم يكن يتوقعها. بعد لقائه بفواز، ونقاطه التي أثارها حول سارة، استقر في ذهنه قرارٌ حاسم. لم يعد بإمكانه الانتظار. كانت والدته قد حذرته، وفواز قد ألمح، والشعور بعدم الارتياح كان يزداد. كان عليه أن يواجه هذه الشبهات بنفسه.

عاد إلى شقته، ليس ليجد الراحة، بل ليغوص في بحرٍ من التساؤلات. أمسك بملفات مشروعه، وبدأ يتفحصها بتركيزٍ شديد. كان يعلم أن كل كلمة، كل رسمة، يمكن أن تكون مفتاحاً.

تذكر حديث والدته عن "شبحٍ من الماضي". هل كان ذلك الشبح يتعلق بفواز؟ أم بشيءٍ أقدم، وأكثر عمقاً؟

ثم، عاد بذهنه إلى زيارة سارة الأخيرة. كانت قد سألته عن تفاصيل دقيقة، عن مواصفاتٍ فنية، وعن الموردين المحتملين. بدا الأمر الآن وكأنه بحثٌ عن معلوماتٍ لغرضٍ ما.

"ماذا لو كانت هي...؟" همس لنفسه.

لم يكن يريد تصديق ذلك، فهي زوجة أخيه، وهي من كانت تظهر له الود والاهتمام. لكن، تلميحات فواز لم تكن مجرد صدفة.

فتح حاسوبه المحمول، وبدأ يبحث عن معلوماتٍ تتعلق بسارة. لم يكن لديه دليلٌ مباشر، لكنه كان يبحث عن أي شيءٍ قد يثير الشك.

كانت سارة تنحدر من عائلةٍ متوسطة الحال، وكانت قد تزوجت من أخيه، خالد، قبل عدة سنوات. كانت حياتهما تبدو مستقرةً، ولكن هل كانت هناك جوانبٌ خفية؟

بدأ يبحث في الأخبار القديمة، والمقالات، وعن أي معاملاتٍ مالية قد تكون لها علاقةٌ بها. كان الأمر أشبه بالبحث عن إبرةٍ في كومة قش.

بينما كان غارقاً في بحثه، وصلته رسالةٌ نصيةٌ على هاتفه. كان المرسل رقماً غير مسجل.

"لقد رأيت كل شيء. أنت في خطر. لا تثق بمن حولك."

تجمد عبد الرحمن. من هذا الشخص؟ وكيف عرف؟

شعر برعشةٍ تسري في جسده. لقد تأكد الآن أن هناك من يراقبه. ولكن، من هو؟ ولماذا يحاول مساعدته؟

رد على الرسالة: "من أنت؟ وماذا تعرف؟"

لم يأته ردٌ فوراً. استمر في البحث على حاسوبه، وقلبه يخفق.

بعد دقائق، وصلت رسالةٌ أخرى: "أنا شخصٌ يعرف الحقائق. الحقيقة التي يحاول البعض دفنها. سارة ليست كما تبدو. هي تعمل لصالح شخصٍ آخر. شخصٌ طموح، ولديه أهدافٌ خطيرة. لقد حاولت تشتيت انتباهك بورقة فواز، ولكن هدفها الأساسي هو مشروعك."

تسارعت أنفاس عبد الرحمن. إذا كان هذا الكلام صحيحاً، فالأمر أكبر مما كان يتصور.

"من هو هذا الشخص؟" سأل مرةً أخرى.

"سأخبرك بكل شيءٍ غداً. ولكن، عليك أن تكون حذراً. لا تمنحهم أي فرصة. أين أنت الآن؟"

"أنا في شقتي."

"ابقَ هناك. وسأرسل لك العنوان الذي يجب أن تأتي إليه. كن مستعداً. لا تتأخر."

أغلق عبد الرحمن هاتفه، وبدا عليه الذهول. لم يكن يتوقع كل هذا. يبدو أن والدته كانت على حق، وأن هناك "شبحاً" فعلاً.

نظر إلى ملفات مشروعه. هل كان كل هذا التعقيد سببه طموحٌ متهور؟ أم كان هناك شيءٌ أعمق؟

قام بإغلاق جميع الأضواء في الشقة، وبقي جالساً في الظلام. لم يكن خائفاً، بل كان يشعر بمسؤوليةٍ ثقيلة.

تذكر والدته، وأباه، وعائلته. كان عليه أن يحميهم.

ثم، وصلت رسالةٌ أخرى بعنوانٍ ورقم شقة. كان العنوان في منطقةٍ بعيدة، ولكنه ليس مجهولاً. كانت شقةٌ قديمة، كانت مملوكةً لأحد الأقارب البعيدين، ولم يعد أحدٌ يسكن فيها.

"لماذا هذا المكان؟" تساءل.

ولكن، لم يكن لديه خيارٌ آخر. كانت هذه هي الفرصة الوحيدة للحصول على إجابات.

ارتدى ملابس أكثر رسمية، وتأكد من أن مفاتيح سيارته وهاتفه في جيبه. قبل أن يغادر، نظر إلى صورة والدته. "سأكون قوياً يا أمي."

خرج من الشقة، وتوجه نحو سيارته. كان الشارع هادئاً، ولكن شعوره بالخطر كان يتزايد.

قاد سيارته نحو العنوان المحدد. كانت الطريق طويلة، وكل كيلومتر يقطعه كان يزيد من توتره.

وصل إلى المبنى القديم. كان مظلماً، ويبدو مهجوراً. لم يكن هناك أضواء، ولا أصوات.

توقف بسيارته أمامه، ونظر إليه. هل كان هذا المكان آمناً؟

دخل المبنى، وصعد الدرج بحذر. الدرج كان متهالكاً، ورائحة الغبار كانت تملأ المكان.

وصل إلى الطابق الثالث، وبدأ يبحث عن رقم الشقة. وجدها. كانت باباً خشبياً قديماً، مغلقاً.

تردد للحظة، ثم نقر على الباب.

بعد لحظات، سُمع صوتٌ خافتٌ من الداخل.

"من أنت؟"

"أنا عبد الرحمن."

"أدخل. الباب مفتوح."

فتح عبد الرحمن الباب ببطء. كانت الشقة مظلمةً تماماً. شعر بشيءٍ غريبٍ في الهواء.

دخل بحذر. أغلق الباب خلفه.

"مرحباً؟" نادى.

"هنا." جاء الصوت من زاويةٍ بعيدة.

تقدم عبد الرحمن نحو مصدر الصوت. كان هناك شخصٌ جالسٌ في الظلام، على كرسي. لم يستطع رؤية وجهه بوضوح.

"هل أنت الشخص الذي أرسل لي الرسائل؟"

"نعم."

"وماذا تريد؟"

"أريد أن أساعدك. وأن أكشف الحقيقة."

"ما هي الحقيقة؟"

"الحقيقة أن سارة... ليست مجرد زوجة أخيك. إنها جزءٌ من شبكةٍ أكبر. شبكةٍ تسعى للسيطرة على مواردنا، وعلى مستقبلنا. وهدفهم الأساسي هو مشروعك، لأنه يحمل مفتاحاً سرياً، مفتاحاً لا يعرفه إلا القليلون."

"مفتاح؟ أي مفتاح؟"

"مفتاحٌ للوصول إلى شيءٍ عظيم. شيءٌ قد يغير مسار الأمة. لا يمكنني أن أفصح عن تفاصيله الآن، ولكن سارة تعرف جزءاً منه، وتعمل جاهدةً للحصول عليه. و الشخص الذي تعمل لصالحه هو... عدوٌ قديمٌ لعائلتك، عدوٌ كان يحاول منذ زمنٍ طويل أن يجد طريقه للعودة."

شعر عبد الرحمن بالصدمة. "من هو هذا العدو؟"

"إنه... فواز."

تجمد عبد الرحمن. فواز؟ ابن عمه؟ هذا غير معقول. "فواز؟ ولكنه... لقد قلت إنه لم يعد بالرجل الذي كان عليه."

"لقد كان يلعب دوراً. كان يحاول أن يخدعك. الورقة التي وجدتها كانت مجرد تشتيت. فواز هو من خطط لكل شيء، وسارة هي أداته. هدفهم هو مشروعك، لأنه يمثل إرثاً عائلياً له أهميةٌ استراتيجية."

"ولماذا تخبرني أنت بهذا؟"

"لأنني... لأنني جزءٌ من هذه القصة أيضاً. ولأنني لا أستطيع تحمل رؤية ما سيحدث. لقد رأيت ما حدث لك، وما سيحدث لعائلتك. لا أستطيع أن أبقى صامتاً."

"من أنت؟" سأل عبد الرحمن مرةً أخرى، وعيناه تلمعان في الظلام.

"أنا... أنا شخصٌ يعرف الحقائق. شخصٌ له مصلحةٌ في كشف هذا الظلم."

"هل أنت...؟" بدأ عبد الرحمن يسأل، ولكن الصوت قاطعه.

"لا يمكنني الكشف عن هويتي الآن. ولكن، عليك أن تفعل شيئاً. فواز وسارة يقتربان من هدفهما. إذا نجحا، فسيكون الثمن باهظاً. سيتعين عليك إيجاد دليلٍ قاطعٍ على خيانة سارة، وعلى مؤامرة فواز. وأن تفعل ذلك قبل فوات الأوان."

"وكيف أفعل ذلك؟"

"في مشروعك، هناك... هناك شيءٌ مخفي. شيءٌ لم تنتبه له. يجب أن تبحث عنه. هو الدليل الذي تحتاجه. هو ما سيحميك، وما سيكشفهم."

"ما هو هذا الشيء؟"

"لا يمكنني أن أقول أكثر من ذلك. ولكن، ثق بحدسك. ثق بعائلتك. ولا تدع الخوف يسيطر عليك."

"وكيف سأتواصل معك؟"

"لا تتواصل معي. أنا سأتواصل معك. الآن، عليك أن تذهب. كن حذراً. إنهم قد يكونون يراقبونك."

نهض عبد الرحمن، وقلبه يخفق بشدة. لم يكن يفهم كل شيء، ولكنه كان يدرك خطورة الموقف.

"شكراً لك." قال.

"لا تشكرني. فقط... افعل ما هو صحيح."

غادر عبد الرحمن الشقة، وعاد إلى سيارته. كانت السماء قد بدأت تلملم نجومها، لكن الظلام في داخله كان أشد.

فواز؟ سارة؟ مؤامرة؟ إرث عائلي؟ مفتاح سري؟

كل هذه الكلمات كانت تدور في ذهنه. كانت الحقيقة تبدو أشد تعقيداً، وأكثر قتامةً مما كان يتخيل.

قاد سيارته عائداً إلى داره، وقلبه يعتصر، ولكن بعزمٍ لا يتزعزع. كان عليه أن يجد ذلك "الشيء" المخفي. كان عليه أن يكشف الخونة.

كان الليل لا يزال طويلاً، وكان عليه أن يستعد للمعركة القادمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%