عيناك وطني الجزء الثاني
سرٌّ في رمال الصحراء
بقلم فاطمة النجار
اندفع أحمد إلى الخارج، تتبعه ليلى، وقلوبهما تخفق بشدة. كان الصوت الغريب يزداد وضوحاً، يشبه هدير محركٍ بعيد، ممزوجاً بصوت احتكاكٍ معدنيّ. كان يتجه نحوهم، أو على الأقل، كان قريباً من مسارهم.
"هل تعتقد أنه شخصٌ ما؟" سألت ليلى، وهي تجري بجانب أحمد. "لا أعرف. ولكن ما هو الشيء الذي يصدر هذا الصوت؟" أجاب أحمد، وهو يحاول أن يرى بشكلٍ أوضح. كانت الشمس في منتصف السماء، تلقي بأشعتها الحارقة. شعر كل منهما بحرارةٍ لاهبةٍ تلفحهما، لكن فضولهما كان أكبر من أن يتوقف.
وبينما هما يندفعان، رأوا شيئاً يلمع في الأفق. كان جسماً معدنياً ضخماً، يتكئ على عجلاتٍ غريبة، يتحرك ببطءٍ عبر الرمال. كان يبدو وكأنه سيارةٌ مدرعةٌ ضخمة، لكنها ليست كأي سيارةٍ رأوها من قبل. كانت ذات تصميمٍ هندسيٍّ فريد، وألوانٍ داكنةٍ تخفي تفاصيلها.
"ما هذا؟" سألت ليلى، متوقفةً عن الجري. "لا أعرف!" قال أحمد، وهو ينظر بتعجب. "هل هي مركبةٌ عسكرية؟" "لا أعتقد. لم أرَ شيئاً كهذا من قبل."
اقترب الجسم المعدنيّ ببطء، وبدأ يظهر المزيد من تفاصيله. كان يحتوي على نوافذٍ صغيرةٍ داكنة، ولا يمكن رؤية من بداخلها. بدا وكأنه صامتٌ في معظم وقته، باستثناء الصوت الذي يصدره.
"يجب أن نعود"، قالت ليلى، وشعرت ببعض الخوف. "انتظري"، قال أحمد، وعيناه مثبتتان على المركبة. "هذا أمرٌ غريب. ربما يحتاجون للمساعدة." "ولكن... من أين أتوا؟" "هذا ما أريد أن أعرفه."
وبينما هما يتجادلان، توقفت المركبة فجأة، على بعد بضعة أمتارٍ منهما. توقف الصوت الغريب، وحلّ صمتٌ مطبق، لم يقاطعه سوى حفيف الرياح. بدأت إحدى النوافذ الأمامية بالانفتاح ببطء، وكشفت عن وجهٍ غريب. كان رجلاً ذو شعرٍ أسود كثيف، وعينين لامعتين، وملامح حادة. كان يرتدي زياً عسكرياً أنيقاً، ويبدو عليه الحزم.
"من أنتم؟" سأل الرجل بصوتٍ قويّ، ولهجةٍ غريبة. "نحن أهل هذه المنطقة"، أجاب أحمد، محاولاً أن يبدو شجاعاً. "هل تحتاجون للمساعدة؟" تجاهل الرجل سؤال أحمد، ونظر إلى ليلى. "ومن هذه؟" "هذه ليلى، ابنة عمي"، قال أحمد، وبدأ يشعر بالانزعاج من نظرة الرجل. "إنها جميلة"، قال الرجل، وابتسم ابتسامةً لم تصل إلى عينيه. "هل أنتِ من هنا؟" "نعم"، أجابت ليلى بخجل، وعينيها لم تلتقِ بعيني الرجل. "ألم تروا ما أنا عليه؟" سأل الرجل، وهو يشير إلى مركبته. "لم نرَ شيئاً كهذا من قبل"، قال أحمد. "هل أنتَ قادمٌ من بعيد؟" "من بعيدٍ جداً"، أجاب الرجل، وعاد بصره إلى ليلى. "هل يمكن أن تدلّيني على أقرب قرية؟" "القرية ليست بعيدةً جداً"، قال أحمد. "يمكننا أن نأخذكم إليها." "سأكون ممتناً لذلك."
صعد الرجل إلى المركبة، وطلب من أحمد وليلى أن يجلسا في المقعد الخلفي. بدأت المركبة تتحرك ببطءٍ مرةً أخرى، لكن هذه المرة، كان أحمد وليلى يشعران بالتوتر. كان الرجل الجديد غريباً، وطريقة كلامه، وسيارته... كل شيءٍ كان غير مألوف.
"اسمي "ريان""، قال الرجل، بعد صمتٍ طويل. "وأنا هنا في مهمةٍ خاصة." "مهمةٌ خاصة؟" سألت ليلى، بصوتٍ خفيض. "نعم. وأنا أبحث عن شيءٍ معين." "وما هو هذا الشيء؟" سأل أحمد، وعيناه تشعان بالفضول. "شيءٌ ذو قيمةٍ عالية. شيءٌ لا يعرفه إلا القليلون." "هل يمكن أن تخبرنا المزيد؟" "ربما لاحقاً"، قال ريان، وابتسم. "أفضل أن أكون غامضاً بعض الشيء."
وصلوا إلى القرية، حيث استقبل أهل القرية ريان وركبته بصدمةٍ ودهشة. كان الشيخ إبراهيم في مقدمة المستقبلين. عندما رأى ريان، تغيرت ملامحه. "أهلاً بك يا ريان!" قال الشيخ إبراهيم، بلهجةٍ لم تخفِ دهشته. "لم أتوقع رؤيتك هنا." "وأنا لم أتوقع أن أجد هذا القدر من الترحيب يا شيخ إبراهيم." "لقد سمعتُ عن وصولك." "نعم، لقد علمتُ أنك عدتَ. أردتُ أن ألتقي بك."
اقترب ريان من ليلى، وقال بصوتٍ هامس: "لقد أعجبتني. إنها جميلةٌ حقاً." شعرت ليلى بالخجل، ونظرت إلى أحمد. كان أحمد يراقب ريان، وعيناه تلمعان بغضبٍ مكتوم. "هل أنتَ تعرف ليلى؟" سأل أحمد، وبدا صوته أكثر خشونة. "عرفتها للتو"، قال ريان، وابتسم. "لكنها تركت انطباعاً قوياً."
تحدث الشيخ إبراهيم مع ريان، ودار بينهما حديثٌ طويل. بدا أنهما يعرفان بعضهما البعض جيداً. أما ليلى، فكانت تشعر بالفضول والقلق. كان هذا الرجل الغامض، وسيارتُه الغريبة، وحديثُه عن "شيءٍ ذي قيمةٍ عالية"، كل ذلك بدا وكأنه بدايةٌ لشيءٍ جديدٍ وغير متوقع.
"هل كان رأيتَ شيئاً غريباً في الأفق عندما وصلت؟" سأل ريان أحمد. "مثل ماذا؟" "مثل... شيءٌ لامعٌ يتحرك بسرعة." "آه، هذا. رأيتُ شيئاً. لم أكن أعرف ما هو." "كانت طائرةً. طائرةٌ خاصة." "طائرة؟" "نعم. لقد كانت على وشك أن تهبط في مكانٍ قريبٍ من هنا." "هل أنت متأكد؟" "بنسبةٍ كبيرة. ولهذا السبب جئتُ مبكراً. أردتُ أن أرى ما هو الغرض من هبوطها."
شعر كل من أحمد وليلى بالصدمة. لقد كانا يظنان أن ما رأته ليلى كان مجرد وهم، وما سمع عنه أحمد كان مجرد شائعات. ولكن الآن، مع وجود ريان، بدأت الأمور تتضح، وبدأت الحقيقة تظهر.
"هل تعتقد أنها...؟" سأل أحمد. "لا أعرف بعد. ولكنني أشعر بأن هذا المكان يحمل سراً." "سراً؟" "نعم. سراً عظيم."
نظرت ليلى إلى الأفق، نحو الصحراء الشاسعة. بدا وكأن رمالها تخفي الكثير من الأسرار. وشعرت بأنها، وأحمد، وعائلتهما، قد أصبحوا جزءاً من هذه الأسرار.
"يجب أن أذهب الآن"، قال ريان، وهو يقوم من مكانه. "لديّ الكثير لأفعله." "إلى أين ستذهب؟" سأل أحمد. "لأبحث عن ذلك الشيء الذي تحدثتُ عنه." "هل يمكنني أن أساعدك؟" "لا. هذه مهمتي وحدي." "ولكن..." "لا تقلق يا أحمد. ربما نحتاج إلى مساعدتك لاحقاً."
غادر ريان، تاركاً وراءه الكثير من الأسئلة. نظرت ليلى إلى أحمد، ورأت في عينيه نفس الدهشة والقلق. "ماذا تعتقد يا أحمد؟" سألت ليلى. "لا أعرف يا ليلى. ولكنني أشعر بأن حياتنا قد تغيرت." "ولكن كيف؟" "لا أدري. ولكن شيئاً ما يحدث."