عيناك وطني الجزء الثاني

ظلال العشق المهجور

بقلم فاطمة النجار

كانت الأيام تتوالى على "نور" كأشعة شمس باهتة تخترق ستارًا كثيفًا من الحزن. لم تعد زخات المطر التي كانت تغسل شوارع المدينة القديمة تطرب أذنيها، بل أصبحت تذكرها بدموع لم تجف بعد. في ذاكرتها، كان "أحمد" كالشمس الساطعة التي اختفت خلف غيوم كثيفة، تاركةً وراءها بردًا قارسًا. لم يمر أسبوع على رحيله إلى بعثته العلمية في الخارج، ولكن غيابه نحت في روحها فراغًا لا يسد. كلما مرّ طيفه في مخيلتها، تذكرت عهوده، كلماته الرقيقة، ابتسامته التي كانت تضيء عالمها. كانت تشعر بأنها مقيدة، أجنحتها محطمة، فلا تستطيع أن تطير نحو مستقبل كانت ترسمه معه بكل تفاصيله.

في أحد الأيام، وبينما كانت تتصفح مكتبة والدها العتيقة، وقعت عيناها على كتاب قديم مغلف بالجلد البني. حمل الكتاب عنوانًا لم تعتد رؤيته: "في محراب النفس: استكشاف الذات وقهر الأهواء". فتحته بشيء من الفضول، فوجدت صفحاته مليئة بخط يد جدها الراحل، بخط أنيق يحكي قصة تأملات عميقة. كانت هناك فقرات تتحدث عن الابتلاءات، عن كيف يمكن للشدائد أن تكون رحمة مستترة، وعن قوة الإيمان في تجاوز الصعاب. قرأت عن أنواع الإدمان، ليس فقط ما هو مادي، بل ما يتعلق بالتعلق المفرط، بالأشياء، بالأشخاص، بالأفكار، وكيف يمكن أن يطمس البصيرة ويفتك بالروح.

شعرت "نور" وكأن جدها يتحدث إليها مباشرة. لقد تعلقت بـ"أحمد" تعلقًا شديدًا، جعل من غيابه بمثابة نهاية العالم. لم يكن الحب ذنبًا، بل كان أسلوب تعلقها به هو الإشكالية. كانت تدرك أنها أهملت نفسها، وأهملت علاقتها بربها، وأهملت واجباتها تجاه عائلتها، كل ذلك في سبيل ترقب عودة حبيبها. في أحد مقاطع الكتاب، قرأت: "إن التعلق بالبشر هو ضرب من الوثنية الخفية، إذ نضعهم في مكان لا ينبغي إلا للخالق. فإذا وهنوا، أو غابوا، تبدلت حياتنا إلى جحيم مستعر."

انتابتها موجة من الخجل. هل كانت تعبد "أحمد"؟ هل كان حبها له مجرد مظهر لضعف روحي؟ لم تستطع أن تنكر ذلك تمامًا. كانت ترى في كلماتها، في تفكيرها، في أحلامها، صورة "أحمد" تسيطر على كل شيء. حتى صلاتها، كانت غالبًا ما تبدأ بالدعاء له، وتنهيها بالتمني بلقائه.

في تلك الليلة، وبعد صلاة العشاء، وقفت أمام المرآة. لم تعد ترى تلك الفتاة المتألقة التي عرفتها. رأت عينين زائغتين، وجهًا شاحبًا، وأثر حزن عميق. همست لنفسها: "يا نور، أين ذهب نورك؟" قررت أن هذه الحالة ليست مجرد شوق، بل هي إدمان على حضور غائب. إدمان على فكرة "أحمد" وليس على "أحمد" الحقيقي بكل جوانبه.

بدأت "نور" بإجراء تغييرات صغيرة لكنها جوهرية. قررت تخصيص وقت معين في اليوم لقراءة القرآن وتدبر معانيه، دون أن تتسلل إليه أفكار "أحمد". بدأت تعود لممارسة هواياتها القديمة التي كانت تهملها: الرسم، والعزف على العود. في البداية، كان الأمر صعبًا، كانت الأفكار تتسرب كاللصوص، ولكنها كانت تعود بحزم إلى ما خصصته لنفسها.

تحدثت مع والدتها "فاطمة" بصدق عن مشاعرها. لم تفصح عن كل شيء، ولكنها عبرت عن شعورها بالفراغ والقلق. استمعت "فاطمة" بحنان، وقالت: "يا ابنتي، الحب قصة جميلة، ولكن يجب أن يكون له أسس متينة. تذكري أن زواجك من "أحمد" قادم، وهذا وقت لتثبيت أركان قلبك، لا لتهديمها بالقلق."

عندما كانت "نور" تتحدث مع "فاطمة"، دخلت شقيقتها الصغرى "ليلى" الغرفة وهي تبكي. كانت "ليلى" قد فقدت لعبتها المفضلة، دميتها "فرح". كانت "نور" قد أهملتها مؤخرًا، وانشغلت بنفسها. انحنت "نور" واحتضنت "ليلى"، وبدأت تبحث معها عن الدمية. لم تجدها، لكنها أمضت وقتًا طويلاً في تهدئة أختها، واللعب معها. شعرت "نور" ببعض الدفء، وشيء من النقصان في عالمها الذي كان يتركز فقط على "أحمد".

في صباح اليوم التالي، تلقت "نور" رسالة من "أحمد". كان نصها: "حبيبتي نور، افتقدك بشدة. الأيام هنا طويلة، والليل لا ينام دون رؤية عينيك. أرجو أن تكوني بخير. متى سنلتقي؟" قرأت الرسالة، وشعرت بوخزة ألم ممزوجة ببعض الرضا. حاولت ألا تستسلم للشوق الجامح الذي كان يعتريها. كتبت ردًا مختصرًا: "حبيبي أحمد، أنا بخير والحمد لله. وفقك الله في دراستك. كلنا في انتظارك." ثم وضعت الهاتف جانبًا، وعادت إلى كتابها.

كانت "نور" تدرك أن هذه المعركة ضد إدمانها على "أحمد" لن تكون سهلة. كانت خطواتها الأولى مباركة، ولكن الطريق ما زال طويلاً. كانت تخشى أن تتسلل إليها لحظات الضعف، وأن تعود لتستنزف نفسها في التفكير والانتظار. كانت ترى في جدها قدوة، وفي كتاباته خارطة طريق. كانت تخشى أن تنكسر، أن تفقد بوصلتها، وأن يتبخر حلمها بزواج مبارك بسبب تعلق مفرط.

في المساء، وبينما كانت "نور" تتأمل السماء من نافذتها، تذكرت مقولة أخرى لجدها: "إن الحب الحقيقي لا يقتلك بغياب المحبوب، بل يزهر فيه، كالنبتة التي تسقيها الذكرى الطيبة." هل كان حبها مجرد ذكرى طيبة؟ أم كان تعلقًا مرضيًا؟ سؤال ظل يتردد في ذهنها، يدفعها للبحث عن إجابة شافية، تريح قلبها وتؤمن مستقبلها. كان عليها أن تتغلب على ظلال العشق المهجور، وأن تبني علاقتها بـ"أحمد" على أسس أكثر صلابة، أساسها الإيمان، الاحترام المتبادل، والصبر الجميل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%