عيناك وطني الجزء الثاني

وهم الأمان وشبح الماضي

بقلم فاطمة النجار

بعد مكالمتها مع "أحمد"، شعرت "نور" براحة نسبية، ولكنها لم تكن راحة مطلقة. كانت تعرف أن المشاكل لم تختفِ، وأن الطريق أمام "أحمد" لا يزال مليئًا بالتحديات. لقد فتحت له بابًا للتواصل، وأظهرت له دعمها، ولكنها كانت تعلم أن العبء الأساسي لا يزال على عاتقه.

في تلك الفترة، أصبحت "نور" أكثر حرصًا على ممارسة حياتها اليومية بانتظام. كانت تذهب إلى عملها، وتلتقي بصديقاتها، وتساعد والدتها في شؤون المنزل. كل ذلك كان محاولة منها لبناء "مناعة" ضد أي انهيار عاطفي قد تتعرض له. كانت تقرأ في كتاب جدها عن "بناء صرح النفس". تقول إحدى فقراته: "إن الروح المرتكزة على الإيمان، والمتوازنة بالعقل، والقوية بالعلم، لا تهتز أمام عواصف الدنيا، بل تواجهها بثبات، مستعينة بقوة الخالق، وعون المخلوق."

بدأت "نور" في تنظيم وقتها بشكل أدق. خصصت وقتًا للدراسة، ووقتًا للقراءة، ووقتًا للعبادة، ووقتًا للعائلة، ووقتًا لنفسها. في البداية، كان الأمر يبدو عبئًا، ولكن شيئًا فشيئًا، بدأت تشعر بالتوازن. كانت ترى أن هذا التنظيم ليس مجرد هروب من التفكير في "أحمد"، بل هو بناء لشخصيتها، استعدادًا للمستقبل، مستقبل قد يتطلب منها قوة وصبرًا أكبر.

في أحد الأيام، وبينما كانت "نور" في سوق المدينة القديمة لشراء بعض الحاجيات، لمحت في زحام الناس وجهًا مألوفًا، لكنه كان مختلفًا. وجه شاحب، يحمل آثار قلق عميق. كان "خالد"، زميل "أحمد" في الجامعة، والذي كان دائمًا ما يبدو مرحًا ومتفائلًا.

اقتربت منه "نور" بحذر: "خالد؟ هل أنت هنا؟" التفت "خالد" إليها، وبدت على وجهه علامات المفاجأة، ثم تلتها خيبة أمل. "نور! لم أركِ منذ فترة." "نعم، كنت مشغولة قليلاً. كيف حالك؟" "أنا... أنا لست على ما يرام." قال "خالد" بصوت خافت، وهو يتجنب النظر في عينيها.

شعرت "نور" بقلق. "ماذا بك يا خالد؟ هل حدث شيء؟" تردد "خالد" قليلاً، ثم قال: "أحمد... أحمد في مشكلة كبيرة. مشكلة أكبر مما نتصور. لقد اكتشفنا أنه قد... قد تورط في بعض الأمور التي تتعلق بالدراسة، وليس فقط تأخير. لقد كان يستخدم طرقًا غير مشروعة للحصول على بعض المواد، ويحتمل أن يكون قد حصل على مساعدة من شخص ما."

كانت كلمات "خالد" كالصواعق التي تضرب قلب "نور". تورط؟ طرق غير مشروعة؟ احتمل؟ لم تستطع استيعاب ما تسمعه. "ماذا تقول يا خالد؟ أحمد؟ هذا مستحيل!" "أتمنى لو كان مستحيلاً يا نور. لقد رأيت بعض الرسائل. إنه في وضع حرج جدًا. وإذا تم اكتشاف الأمر، قد تصل العقوبات إلى فصله من الجامعة، وربما أكثر. وأنا... أنا خائف أن أتورط معه، أو أن أكون شاهدًا صامتًا."

لم تستطع "نور" أن تجيب. وقفت هناك، تشعر بأن ساقيها لم تعدا تحملانها. لماذا لم يقل "أحمد" شيئًا؟ لماذا يخفي عنها هذا الأمر؟ هل كان تعلقهما بهذا الشكل هو ما جعله يلجأ لهذه الأفعال؟ هل كان خوفه من خذلانها، أو خذلان نفسه، هو السبب؟

"شكرًا لك يا خالد على إخباري." قالت "نور" بصوت بالكاد مسموع. "سأتحدث مع "أحمد"." "أتمنى أن تتمكني من فعل شيء يا نور. هو صديقي، ولكنني لا أستطيع تحمل عواقب أفعاله." قال "خالد"، ثم اعتذر وانصرف بسرعة.

عادت "نور" إلى منزلها وهي تشعر بثقل لا يطاق. لم يكن الأمر مجرد صعوبات أكاديمية أو مالية، بل كان هناك شيء من الخداع. لم تشعر بالغضب بالدرجة الأولى، بل شعرت بالأسف العميق على "أحمد"، وعلى علاقتهما التي بدأت تتصدع.

في تلك الليلة، حاولت "نور" الاتصال بـ"أحمد" عدة مرات، ولكن هاتفه كان مغلقًا. شعرت ببرد يقشعر في جسدها. بدأت تتخيل أسوأ السيناريوهات. لو تم اكتشاف الأمر، ما الذي سيحدث لعلاقتها به؟ هل سيقبل أهلها زواج رجل قد يواجه مثل هذه الاتهامات؟

مرت الأيام ثقيلة، وكان "أحمد" لا يزال صامتًا. أصبحت "نور" تعيش في حالة ترقب دائم، وفي قلق لا ينتهي. كانت تمارس تمارينها اليومية، وتقرأ، وتعمل، ولكن قلبها كان مثقلًا بالهم.

في أحد الأيام، تلقت "نور" رسالة من "أحمد". كانت قصيرة جدًا: "نور، أحتاج إلى التحدث معك. الأمر عاجل. قابِليني في المقهى القديم غدًا عند الظهيرة."

شعرت "نور" بتخوف شديد، ولكنها كانت تعلم أنها يجب أن تواجهه. في اليوم التالي، توجهت إلى المقهى القديم، وهي تحمل ثقل العالم على كتفيها. وجدت "أحمد" جالسًا على طاولة بعيدة، يبدو منهكًا، ولكن عيناه تحملان خليطًا من الحزن والعزم.

جلست أمامه. كان الصمت يخيم بينهما لبرهة. "ما الأمر يا أحمد؟" سألت "نور" بصوت هادئ، تحاول فيه كتمان قلقها. تنفس "أحمد" بعمق، ثم قال: "نور، أنا... أنا ارتكبت خطأ فادحًا. خطأ كاد أن يدمرني ويدمر علاقتنا." بدأت "نور" تشعر بالدموع تتجمع في عينيها. "ما هو يا أحمد؟" "لقد... لقد تورطت في بعض الأمور التي تتعلق بالدراسة. كنت تحت ضغط كبير، وخوف من الفشل، وخوف من أن أخذلكِ. طلبت المساعدة من شخص ما، ولم أدرك أن هذه المساعدة كانت ستضعني في هذا الموقف." "ولكنك لم تخبرني!" قالت "نور"، وقد انكسر صوتها. "كنت خائفًا. خائفًا جدًا. لم أرد أن أخذلكِ، أو أن أرى خيبة الأمل في عينيكِ."

"خيبة الأمل؟" تكررت "نور" بمرارة. "هل ظننت أن الصمت والخداع أفضل من الصدق؟ أحمد، علاقتنا مبنية على الثقة. ما فعلته... ما فعلته يهز هذه الثقة." "أعلم. وأنا نادم. نادم بشدة." قال "أحمد"، وبدأت الدموع تتساقط من عينيه. "لقد خسرت كل شيء تقريبًا. تواجهني الآن عقوبات شديدة. وربما... ربما لن أكون مناسبًا لكِ."

كانت هذه آخر كلمة أضعف ما تبقى من قوتها. "ماذا تقصد؟" "أخشى أن يرفض أهلكِ زواجي. أخشى أن أفقدكِ." شعرت "نور" بأنها تقف على حافة الهاوية. لقد كان إدمانها على صورة "أحمد" المثالية، وإهمالها لبناء نفسها، بمثابة ثغرة سمحت لهذه المشاكل بالظهور. والآن، كان عليها أن تقرر. هل ستتخلى عن "أحمد" بسبب خطئه؟ أم ستقف بجانبه، محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة صعوبات أكبر؟

"أحمد،" قالت "نور" بهدوء، تتذكر كلمات جدها عن الرحمة والتجاوز، "الخطأ ليس نهاية الطريق. ولكن الكذب والخداع هما البداية للنهاية. ما فعلته خطأ، نعم. ولكنني سأعطيك فرصة لتصحيحه. ولكن، يجب أن تكون شفافًا تمامًا معي، وأن تواجه عواقب أفعالك بشجاعة. وأن تتوب بصدق."

نظرت "نور" إلى "أحمد" بعينين دامعتين، لكنهما تحملان بصيص أمل. كانت تعرف أن هذه ليست سوى بداية معركة أخرى، معركة لاستعادة الثقة، ولإصلاح ما كاد أن ينكسر. لم تكن تعرف ما إذا كانت ستنتصر، ولكنها كانت تعلم أنها لن تستسلم بسهولة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%