عيناك وطني الجزء الثاني

خطوط متوازية ومسارات متقاطعة

بقلم فاطمة النجار

تسللت خيوط القلق إلى حياة "نور" كالأفاعي الصامتة، تلفّ أعشاش الأمان الذي بدأت تبنيه. لم يكن خبر تورط "أحمد" في مخالفات أكاديمية مجرد صدمة، بل كان بمثابة زلزال يهدد أساس العلاقة التي كانت تتصورها نقية ومستقيمة. عادت إلى منزلها في ذلك اليوم، محمّلة بعبء الخبر وبثقل القرار الذي اتخذته. كان قرارها بأن تمنح "أحمد" فرصة أخرى، قرارًا نابعًا من قلبها الذي ما زال يحمل بقايا حب، ومن عقلها الذي يدرك أن الانهيار الكامل ليس هو الحل.

في الأيام التالية، بدأت "نور" تشعر بأنها تعيش حياة مزدوجة. في الظاهر، كانت الفتاة الهادئة، المنظمة، التي تحاول استعادة توازنها. ولكن في الباطن، كانت تعيش حالة من الترقب والقلق الدائم. كانت تراقب هاتفها باستمرار، وتتلقى رسائل "أحمد" التي أصبحت أكثر ترددًا، وأكثر تطلبًا للمساعدة، ولكنها كانت تحمل أيضًا نبرة اعتراف بالذنب واضحة.

"نور، هل تحدثتِ مع والدك؟" سأل "أحمد" في إحدى رسائله. "أنا متأكد أنه سي تفهمني." كانت "نور" تعرف أن والدها، السيد "بدر"، رجل صارم في مبادئه. ورغم حبه لابنته، إلا أنه لا يتساهل في قضايا الشرف والنزاهة. لقد قررت أن تخبر والديها، ولكن ليس الآن. لم تكن تريد أن تزيد من تعقيدات الأمر قبل أن يتضح مسار "أحمد" بشكل أكبر.

في هذه الأثناء، بدأت "ليلى"، أخت "نور" الصغرى، تلاحظ تغيرًا في سلوك أختها. كانت "نور" أصبحت أكثر انعزالاً، وأكثر هدوءًا. سألتها ذات يوم: "نور، لماذا أنتِ حزينة دائمًا مؤخرًا؟ هل أحمد لا يزال بعيدًا؟" ابتسمت "نور" ابتسامة باهتة، وقالت: "نعم يا حبيبتي، هو بعيد، ولكن كل شيء سيكون بخير." "ولكنكِ تبكين أحيانًا عندما تظنين أن أحدًا لا يراك." قالت "ليلى" ببراءة، مما زاد من شعور "نور" بالذنب.

لم تكن "نور" الوحيدة التي تواجه تحديات. في منزل "أحمد"، كانت والدته، السيدة "فاطمة"، تشعر بضيق شديد. لقد علمت ببعض المشاكل التي يمر بها ابنها، ولكنها كانت تجهل التفاصيل الدقيقة. كانت تتواصل مع "نور" باستمرار، وتسألها عن حاله، وعن أخبار دراسته. كان رد "نور" دائمًا ما يكون لطيفًا وحذرًا، تحاول فيه عدم إثقال كاهل السيدة "فاطمة"، وفي نفس الوقت، عدم كشف كل الحقائق.

في أحد الأيام، تلقت "نور" اتصالًا هاتفيًا من السيدة "فاطمة". كان صوتها يحمل مزيجًا من القلق والحزن. "نور يا ابنتي، هل أنتِ متأكدة أن أحمد بخير؟ لم يعد يتحدث معي كثيرًا، وأخشى أن يكون قد تعرض لضغوط شديدة. أنتِ الوحيدة التي تثقين به. أخبريني بصراحة، هل هناك ما يقلقني؟"

شعرت "نور" بأنها تقف أمام امتحان صعب. الكذب لم يكن خيارًا، ولكن الصدق الكامل كان قد يؤدي إلى انهيار. فكرت بسرعة، واستحضرت قوتها. "يا خالتي فاطمة، أحمد يمر ببعض التحديات الأكاديمية، وهذا طبيعي في أي دراسة في الخارج. ولكنه قوي، ويعمل بجد. وأنا متأكدة أنه سيتجاوز كل شيء. هو يحبك كثيرًا، ويشتاق إليكِ."

كانت هذه الكلمات جسرًا هشًا، ولكنها نجحت في تهدئة السيدة "فاطمة" مؤقتًا. ولكن "نور" علمت أن الحقيقة ستظهر عاجلاً أم آجلاً.

في الوقت نفسه، كان هناك شخص آخر يراقب تطورات العلاقة بين "نور" و"أحمد" من بعيد. كان "طارق"، زميل "أحمد" في العمل، والذي كان دائمًا ما يبدو متواضعًا وساكنًا. كان "طارق" يحمل مشاعر معقدة تجاه "نور" منذ فترة. لقد كان معجبًا بها، ولكن بصمت، مدركًا تمامًا لوضعها وارتباطها بـ"أحمد".

في أحد الأيام، وبينما كانت "نور" في مكتبة الجامعة تبحث عن كتاب، قابلت "طارق". "مساء الخير يا أستاذة نور." قال "طارق" بابتسامة خجولة. "مساء النور يا أستاذ طارق." ردت "نور" بابتسامة مهذبة. "هل تبحثين عن شيء معين؟" سأل. "نعم، كتاب حول علم النفس الاجتماعي." "أعرف كتابًا جيدًا في هذا المجال. ربما يمكنني مساعدتكِ."

بدأت "نور" و"طارق" يتحدثان. وجدته "نور" شخصًا مثقفًا، هادئًا، ويجيد الاستماع. تحدثا عن بعض الأمور المتعلقة بالدراسة، وعن التحديات التي تواجه الطلاب. لم تكن "نور" تعلم أن "طارق" كان يراقب "أحمد" عن كثب. كان "طارق" يعرف الكثير عن مشكلة "أحمد"، وكان يشعر بنوع من الشفقة تجاهه، ولكن في نفس الوقت، كان يشعر ببعض الأمل تجاه "نور".

"أعلم أن "أحمد" يمر بوقت عصيب." قال "طارق" فجأة، مما فاجأ "نور". "أتمنى أن يتمكن من تجاوز هذه المحنة." نظرت "نور" إلى "طارق" بدهشة. "كيف عرفت؟" "أنا... أنا أراقب الأمور عن كثب." قال "طارق" بتردد، ولم يوضح أكثر.

لم تعرف "نور" كيف تفسر كلام "طارق". هل كان يتجسس على "أحمد"؟ أم أنه كان مهتمًا بأخبار الجامعة بشكل عام؟ بدأت تشعر بأن هناك أشخاصًا في حياة "أحمد" لديهم نوايا غامضة.

في الأسبوع التالي، تلقت "نور" رسالة من "طارق" تطلب منها لقائه لمناقشة بعض الأمور المتعلقة بمشروع بحثي. ذهبت "نور" للقائه، وهي تحمل شيئًا من الحذر. "نور،" قال "طارق" عندما التقيا، "أردت أن أتحدث معكِ بجدية. أعلم أن "أحمد" ليس هو الشخص الذي قد تتمنين. لقد اكتشفت أن لديه مشاكل أكبر من مجرد الصعوبات الأكاديمية. لقد تورط في أمور خطيرة، ومن المحتمل أن تكون نهايته سيئة إذا لم يساعده أحد. وأنا... أنا لا أريد أن أرى مستقبل فتاة رائعة مثلكِ يتدمر بسبب رجل قد لا يكون جديرًا بكِ."

نظرت "نور" إلى "طارق"، وشعرت بأن الأرض تدور بها مرة أخرى. كان "طارق" يعلم كل شيء. هل كان يحاول مساعدتها؟ أم كان يحاول إبعاد "أحمد" عنها؟ "ماذا تقصد؟" سألت "نور" بصوت بالكاد مسموع. "أعني أنني أراكِ، وأرى قدراتكِ، وأرى أنكِ تستحقين شخصًا أفضل. وأنا... أنا على استعداد لتقديم كل الدعم الذي تحتاجينه، لمساعدتكِ على تجاوز هذه المرحلة الصعبة. ربما... ربما إذا أصبحتِ حرة، يمكن أن نفكر في المستقبل."

كانت كلمات "طارق" صادمة. لم تتوقع أبدًا أن يتقدم لها بهذا الشكل، خاصة في ظل ظروف "أحمد". شعرت "نور" بأنها في مفترق طرق. من جهة، "أحمد" الذي يحتاج إلى دعمها، ولكن وجوده أصبح محفوفًا بالمخاطر. ومن جهة أخرى، "طارق" الذي يقدم لها الأمان والفرصة لبناء مستقبل مشرق، ولكن بقلب لم يشفِ بعد من حب "أحمد".

"أشكرك يا أستاذ طارق على اهتمامك." قالت "نور" بهدوء، محاولة كتمان مشاعر الارتباك. "ولكن علاقتي بـ"أحمد" لها أبعادها الخاصة. أنا سأحاول مساعدته، وسأواجه كل ما سيحدث. بالنسبة للمستقبل، فالله وحده يعلم ما فيه."

خرجت "نور" من لقاء "طارق" وهي تشعر بأن عالمها قد تضاعف تعقيدًا. لقد فتحت بابًا للمساعدة، ولكنها وجدت نفسها في مواجهة مع ماضٍ مظلم، ومع حاضر مضطرب، ومع مستقبل غامض، يتنازع عليه رجلان. هل كان قدرها أن تعيش في دوامة من المشاكل؟ أم أن قوتها وصبرها سيقودانها إلى بر الأمان؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%