حب أبدي الجزء الثالث

نسيم الفجر وصخب الروح

بقلم مريم الحسن

كانت اليد ترتجف قليلاً، لا ضعفاً، بل إثارةً تحمل معها عبء مسؤوليةٍ أثقل من وزن الذهب. أمل، في ريعان شبابها، وقفت أمام المرآة، تعيد النظر في خصلةٍ من شعرها الأسود الفاحم تنسدل بخفةٍ على جبينها. كانت السماء قد بدأت بالخضاب بلونٍ ورديٍ باهت، تبشر بقدوم يومٍ جديد، لكن صخب روحها كان أعلى من هدير الفجر. اليوم هو اليوم. اليوم الذي ستقف فيه أمام أقرب الناس إليها، أمام شيوخ العائلة، لتعلن قراراً قد يغير مجرى حياتها.

ارتدت عباءتها السوداء الفضفاضة، ولفّت حجابها بعنايةٍ فائقة، مقتديةً بجدتها التي كانت دائماً مرجعها في كل شأن. نظرت إلى يديها، تشعران بدفءٍ خفيفٍ من قلقٍ جميل. لم يكن الأمر سهلاً. لم يكن أبداً سهلاً أن تختار طريقاً يختلف عن المسارات المرسومة مسبقاً. منذ صغرها، كانت تتلقى دروساً في فنون التطريز، في إدارة المنزل، في إرضاء الزوج. كل شيء كان مرتباً، كل خطوة محسوبة. لكن أمل لم تكن مجرد فتاةٍ ترتدي الحرير وتتحدث بالكلمات الرقيقة. كانت روحاً تعشق القراءة، تعشق البحث، تعشق فهم أسباب الأشياء. كانت لديها أحلامٌ أكبر من حدود المنزل، أحلامٌ تتجاوز أسوار الحديقة الواسعة التي احتضنتها منذ نعومة أظفارها.

في الخارج، كان صياح الديك يعلن بداية اليوم. استمعت أمل إلى أصوات الخدم في الفناء، ورائحة الخبز الطازج تفوح من المطبخ. كانت تفاصيل الحياة اليومية في بيت آل السعيد، بيت الجد الأكبر، تملأ المكان دفئاً وأماناً. لكن دفئاً آخر كان يسري في عروقها، دفءٌ يختلف، دفءٌ نابعٌ من قرارٍ وليد.

مرّت في غرفتها، تلمس الكتب التي ترصّف جدرانها. كل كتابٍ كان صديقاً، كل صفحةٍ كانت نافذةً على عالم. كانت تقضي ساعاتٍ طويلةً تتنقل بين صفحات التاريخ، والفلسفة، والأدب. لطالما تساءلت عن الغاية، عن معنى الحياة، عن دور المرأة في مجتمعٍ يؤمن بالتقاليد والأصالة. لم تكن تقابل هذه التساؤلات بالتشكيك، بل بالبحث والتفكر.

"أمل! يا ابنتي!" صوت أمها، هدى، اخترق سكون الغرفة. "هل استيقظتِ؟ العائلة كلها مجتمعةٌ في الديوان."

ابتسمت أمل. "قادمةٌ يا أمي."

توجّهت نحو الباب، وقلبها يخفق بإيقاعٍ أسرع. نزلت الدرج بخطواتٍ ثابتة، استقبلتها رائحة البخور الفاخر. في الديوان، كان عمها، خالد، رجلٌ له هيبةٌ وسلطة، يجلس على الأريكة المخملية، تتناثر حوله الصحف والدفاتر. بجانبه، كان والدها، أحمد، رجلٌ طيب القلب، يبدو عليه القلق. أما جدها، الحاج إبراهيم، فكان يجلس في صدر المجلس، وجهه الطيب يحمل آثار الزمن، وعيناه تلمعان بذكاءٍ وحكمة.

"صباح الخير يا جدّي، صباح الخير يا عمي، صباح الخير يا أمي." ألقت التحية بصوتٍ واضحٍ ومتزن.

"صباح النور يا ابنتي." أجاب الجد بصوته الهادئ. "تفضلي بالجلوس."

جلست أمل على مقعدٍ مخصصٍ لها، تشعر بنظرات الجميع تتجه إليها. عرفت أن اللحظة قد حانت. تنفست بعمق، واستجمعت شجاعتها.

"يا جدّي، يا عمي، يا أمي،" بدأت، صوتها يرتفع قليلاً ليغطي أي ارتباكٍ قد يعتريها. "كما تعلمون، فقد وصلني خطابٌ من جامعة الأزهر العريقة، يقدم لي دعوةً لدراسة الشريعة الإسلامية بعد إتمامي لحفظ القرآن الكريم."

ساد صمتٌ مفاجئ. كانت الكلمات تبدو وكأنها صاعقةٌ في سكون الديوان. والدها اتسعت عيناه، ويده تحركت نحو صدره. عمها خالد عبس قليلاً، وحاجباه التقيا. أما جدها، فظل هادئاً، يراقبها بعينين تفحصان.

"هذا أمرٌ عظيمٌ يا ابنتي،" قال الجد أخيراً، صوته يحمل نبرةَ إعجابٍ مختلطةٍ بالدهشة. "لم نسمع بهذا من قبل. دراسة الشريعة؟ في الأزهر؟"

"نعم يا جدّي،" أجابت أمل، تشعر ببعض الثبات يعود إليها. "لقد أردتُ دائماً فهم عميقٍ لديننا، لفهم النصوص، لأصول الفقه. وأعتقد أن الأزهر هو المكان الأمثل لذلك."

"لكن يا أمل،" بدأ عمها خالد، صوته يحمل حدةً ملحوظة، "ماذا عن زواجك؟ لقد تحدثنا مع أسرة المهندس ياسين، ووالده يرغب في تحديد موعدٍ للخطبة قريباً. وهو شابٌ طيبٌ، ومن عائلةٍ مرموقة. هذا هو طريق الفتيات في مثل عمرك، أليس كذلك؟"

نظرت أمل إلى والدها، الذي بدت علامات الحزن تعلو وجهه. كانت تعلم أن والدها يحبها، لكنه كان دائماً يميل إلى اتباع الأعراف.

"يا عمي،" قالت أمل بحزمٍ أكبر، "أنا لا أرفض الزواج، ولكنني لا أريد أن أكون مجرد زوجةٍ تتبع. أريد أن أكون امرأةً لها كيانها، لها علمها، لها دورها. المهندس ياسين رجلٌ طيبٌ، ولكن هل هو مستعدٌ لامرأةٍ تسعى للعلم؟ هل هو مستعدٌ لامرأةٍ ترى أن الحياة لا تنتهي عند جدران المنزل؟"

"أمل!" صاح والدها، مفاجئاً إياها. "ماذا تقولين؟ المهندس ياسين خيرٌ لكِ من ألف شابٍ آخر. وماذا يعني هذا الكلام؟ هل تعتقدين أننا لم نؤمن لكِ مستقبلاً؟"

"لا يا أبي، ليس هذا ما قصدته." حاولت تهدئة الوضع. "أنا أقدر اهتمامكم، ولكنني أقدر أحلامي أكثر. لقد منحني الله عقلاً وقدرةً على التفكير، فلماذا لا أستخدمهما؟"

"العلم الشرعي لا يكون في الجامعات، يا أمل،" قال عمها خالد بلهجةٍ قاطعة. "يكون في المساجد، في المجالس، وفي صحبة العلماء. هذه الجامعات أصبحت مليئةً بالأفكار التي لا تناسب بناتنا."

"وهل ترى أن الأزهر، قبلة العلم في العالم الإسلامي، مكانٌ للأفكار السيئة؟" ردت أمل، تشعر بالغضب يتصاعد بداخلها. "أجدادنا كانوا يأتون من أقاصي الأرض ليتعلموا في أروقته."

"هذا زمانٌ آخر، يا ابنتي،" قال الجد بصوتٍ عميق. "أخوك الكبير، علي، ذهب إلى هناك، ورأينا ما حدث. عاد بأفكارٍ غريبة، وابتعد عن دينه. لا نريد أن يحدث ذلك لكِ."

ارتعش قلب أمل. لقد سمعت عن تجربة أخيها، لكنها لم تتحدث عنها قط. كان علي، الأخ الأكبر لأمل، قد سافر إلى القاهرة للدراسة قبل سنوات، وعاد متغيرًا، ناقماً، لا يكاد يصلي. لقد شكل ذلك صدمةً للعائلة، وكان سبباً رئيسياً في تشديد الرقابة على أمل.

"يا جدّي،" قالت أمل، وصوتها يخفت قليلاً، "أخي لم يكن يملك القوة الروحية الكافية ليصمد أمام تياراتٍ غريبة. وأنا، بحمد الله، أملك إيماناً قوياً، وقدرةً على التمييز. لا يمكن أن نحرم الجميع من نور العلم بسبب تجربة فرد."

نظرت إلى عيني جدها. كانتا تلمعان ببعض الحيرة، وبعض الحزن. كانت تعرف أن جدها رجلٌ عادل، وأن قلبه الكبير يمكن أن يحتضن أحلامها، ولكن الخوف من فقدانها، كما فقدت ابنها، كان يخيم على تفكيره.

"ماذا عن هذا المهندس ياسين؟" سأل الجد، محاولاً تغيير مسار الحديث. "هل لكِ به شيءٌ في قلبك؟"

تنهدت أمل. "المهندس ياسين رجلٌ لا بأس به، يا جدّي. ولكن قلبي لم يخفقه له. أريد أن يكون شريكي في الحياة، من أشاركه همومي وأحلامي، وليس مجرد رجلٍ اخترته العائلة."

"ألا تعلمين أن الحب يأتي بعد الزواج، يا ابنتي؟" قال عمها خالد بتهكم.

"بل يأتي قبل الزواج، يا عمي،" ردت أمل بهدوء، "ولكنه حبٌ عفيفٌ، طاهرٌ، ينمو تحت رعاية الله، وليس مجرد نزوةٍ زائلة."

نهض الجد ببطء، مشيراً إلى نهاية الحديث. "سنفكر في الأمر. يجب أن نفكر ملياً. هذه أمورٌ ليست بالهينة."

خرجت أمل من الديوان، تشعر بأنها قد خاضت معركةً كبيرة، وانتصرت فيها، ولكنها خسرت الكثير. شعرت بالعزلة، وبالثقل. هل كانت على حق؟ هل كانت تخاطر بكل شيءٍ من أجل وهم؟

نظرت إلى السماء، التي أصبحت زرقاء صافية. بدأت الشمس ترسل أشعتها الذهبية. تذكرت حديث جدتها ذات مرة: "يا أمل، قلوبنا مثل الحدائق. إذا زرعت فيها وروداً، أزهرت. وإذا تركتها مهملة، نمت فيها الأعشاب الضارة. اختاري ما تزرعين."

لقد اختارت أمل أن تزرع العلم، أن تزرع الإيمان، أن تزرع كيانها. وبينما كانت تسير في الفناء، سمعت صوتاً قادماً من بعيد، صوتٌ لحنٌ شجيٌ يغني. كان صوت شقيقها الأصغر، عمر، الذي كان يعزف على العود في الغرفة المجاورة. عمر، الذي كان الوحيد في العائلة الذي يفهم شغفها بالعلم.

تسللت إلى الغرفة، ووجدته جالساً، يغلق عينيه، والعزف يتدفق منه. توقف عندما رآها.

"أمل! ما الذي تفعلينه هنا؟" سأل بابتسامة.

"جئت لأستمع إلى موسيقى روحك، يا عمر." قالت، وجلست بجانبه. "هل فهمت عائلتنا قرار أختك؟"

ابتسم عمر بمرارة. "لا يزالون يرون العالم من خلال نظارة الماضي، يا أمل. لكنني أؤمن بكِ. أؤمن بأنكِ ستقدرين على إيجاد طريقك."

تنهدت أمل، ووضعت رأسها على كتف عمر. "أتمنى ذلك يا أخي. أتمنى ذلك."

كانت الرحلة قد بدأت، رحلةٌ شاقة، محفوفةٌ بالمخاطر، ولكنها رحلةٌ اختارتها أمل بنفسها. وكانت تعلم أن نهاية الفصل الأول لم تكن إلا بداية لمغامرةٍ قد تكون أطول وأكثر تعقيداً مما تتصور.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%