حب أبدي الجزء الثالث
ظلال الماضي تخيم على الحاضر
بقلم مريم الحسن
تغلغل القلق في أروقة قصر عائلة الزايدي، ذلك القصر الشامخ الذي شهد على أفراحٍ وأحزان، وعلى بناء علاقاتٍ قويةٍ وصادقة. كانت سارة تجلس مع عمر في مكتبه الواسع، تتبادل معه النظرات المليئة بالهم، وقد امتدت إليها يدُ الشكوكِ والرهبة. الرسالة التي وصلت إلى عمر كانت بمثابة شرارةٍ أشعلت نيران القلق في قلبيهما، وأكدت أن المواجهة مع السيد فاروق لن تكون سهلة.
"لا أفهم يا عمر، ما الذي يمكن أن يملكه هذا الرجل ويجعله يهددنا بهذا الشكل؟" تساءلت سارة بصوتٍ خافت، وهي تعبث بأصابعها بتوتر. "عمي قال إنها تتعلق بأوراقٍ قديمة، وإرثٍ ما. هل يمكن أن يكون لها علاقةٌ بتلك السنوات التي سبقت زواج والدي؟"
نظر عمر إليها بجدية، ثم تحدث بصوتٍ هادئٍ ولكنه حازم. "هذا ما سنكتشفه. علينا أن نكون مستعدين لكل الاحتمالات. أولاً، يجب أن نحيط عمكِ السيد أحمد علماً بهذه الرسالة، فهو الأقدر على تقييم الوضع. وثانياً، يجب أن نبدأ ببحثٍ دقيقٍ في كل ما يتعلق بوالدكِ ووالدتكِ، وكل ما يتعلق بعائلتنا وعائلتكم. ربما تكون هناك خيوطٌ غائبةٌ نحاول العثور عليها."
اتصل عمر بعمه السيد أحمد، وشرح له الأمر. كان رد فعله هادئاً ولكنه مفعمٌ بالحذر. "أخشى أن توقعاتي كانت في محلها. هذا الرجل، فاروق، كان دائماً يسعى للانتقام. عندما سمعتُ عن نشاطاته الأخيرة، ظننتُ أن الأمر سينتهي بتهديداتٍ بسيطة، لكن يبدو أنه يمتلك أوراقاً قوية. سأحاول أن أستقصي عن طبيعة هذه الأوراق، ومن أين حصل عليها. لا تقلقا، سأكون معكم في كل خطوة."
في غضون ذلك، كان السيد فاروق، الرجل الذي ألقى بظلاله القاتمة على حياة سارة وعمر، يستقر في فندقٍ فخمٍ في المدينة، يشعر بنشوة الانتصار وهو يراقب صورتهما في شاشة هاتفه. كان وجهه يحمل تجاعيد عميقة، وعيناه تلمعان ببريقٍ غريبٍ يعكس خليطاً من الطموح والكراهية. كان يرتدي بدلةً أنيقة، ولكنه كان يخفي خلف مظهره الراقي قلباً أسود امتلأ بالمرارة.
"لقد حان وقت الحساب يا آل الزايدي. لن أغفر لكم ما فعلتموه بي في الماضي. هذه المرة، لن تفلتوا بفعلتكم." تمتم فاروق لنفسه، وهو يتذكر أيام شبابه، وحبه الأول الذي فقده بسبب والد سارة. كانت تلك الأيام مليئةً بالأحلام، قبل أن تتحطم على صخرة الواقع القاسي.
اتصل فاروق برقمٍ سري. "هل تم الأمر؟ هل أرسلتَ الرسالة؟" جاء صوتٌ خشنٌ من الطرف الآخر. "نعم يا سيدي، كل شيءٍ حسب الخطة. لن يعرفوا من أين أتت الضربة." "ممتاز. استمر في مراقبتهم. أريد أن أعرف كل صغيرةٍ وكبيرة. سأخبرك بالخطوة التالية قريباً."
كانت تلك المحادثة مجرد بدايةٍ لسلسلةٍ من الأحداث التي بدأت تتكشف. بدأت سارة تشعر بتغييراتٍ طفيفةٍ في محيطها. موظفون جددٌ ظهروا فجأةً في قصر جدها، يتصرفون بفضولٍ زائدٍ وغير مبرر. بعض المكالمات الهاتفية التي كانت ترد كانت مشوشة، أو تنتهي فجأةً عند محاولة سارة الرد. شعرت بأنها تحت المراقبة، وأن عيوناً خفيةً تترصدها.
قررت سارة أن تتحدث مع السيد محمود، كبير الخدم في قصر جدها، وهو رجلٌ أمينٌ ومخلصٌ قضى سنواتٍ طويلةً في خدمة العائلة. "عم محمود، هل لاحظت أي شيءٍ غريبٍ في الآونة الأخيرة؟ أشعر ببعض الريبة."
نظر إليها السيد محمود بعينين مليئتين بالقلق. "ابنتي سارة، لم أكن أود أن أقلقكِ، لكن نعم، لاحظتُ بعض الأمور. هناك أشخاصٌ جددٌ يترددون على القصر، ويتصرفون بغرابة. يسألون عن أشياءٍ لا تتعلق بعملهم، ويحاولون الاقتراب من الأوراق القديمة في المكتبة. لقد نبهتُ الحراس، ولكنهم يقولون إنهم يحملون تصاريح رسمية."
"تصاريح رسمية؟ من أين؟" سألت سارة بقلقٍ متزايد.
"هذا ما لم أتمكن من تحديده بالضبط. ولكنهم يتبعون تعليماتٍ واضحة، لا مجال لتحديها. إنهم يتصرفون كأنهم يبحثون عن شيءٍ معين."
كانت هذه المعلومات مقلقةً للغاية. شعرت سارة بأن الموقف يتفاقم، وأن السيد فاروق قد يكون قد زرع جواسيسه داخل محيطها.
في يومٍ من الأيام، وبينما كانت سارة تبحث في أوراق جدها القديمة، وقع نظرها على دفتر ملاحظاتٍ صغيرٍ، كان مخبأً بعنايةٍ في أحد الأدراج. كان الدفتر بخط يد جدها، ويحتوي على ذكرياتٍ لم تكن تعرفها. بدأت تقرأ، وشعرت بأن قلبه يصفعها.
كانت الملاحظات تتحدث عن صفقةٍ عقاريةٍ كبيرةٍ قام بها جدها في الماضي، صفقةٌ كانت محفوفةً بالمخاطر، ولكنه نجح فيها بذكاءٍ وحنكة. ولكن ما أثار فضول سارة هو إشارة جدها إلى وجود شريكٍ غامضٍ في تلك الصفقة، شريكٌ ساعده في تجاوز بعض العقبات، ولكنه كان يطالب بنصيبٍ أكبر مما تم الاتفاق عليه. ثم، بشكلٍ مفاجئ، أشار جدها إلى أن هذا الشريك اختفى فجأةً، ولم يعد له أثر، وأن جدها كان يشعر بالارتياح لرحيله، ولكنه كان يخشى أن يعود يوماً ما.
"هل يمكن أن يكون هذا الشريك هو نفسه فاروق؟" تساءلت سارة بصوتٍ خافت. "ولكن لماذا لم يذكر اسمه؟ ولماذا لم يتحدث أبي أو أمي عن هذا الأمر؟"
أدركت سارة أن الأمر أعقد مما ظنت. ربما لم تكن الضغينة مجرد ضغينةٍ شخصية، بل كانت تتعلق بمصالح ماديةٍ كبيرة. ربما أراد السيد فاروق شيئاً من تلك الصفقة القديمة، ووجد في رسائل الضغط وسيلةً لإجبارهما على دفع الثمن.
في هذه الأثناء، كان عمر يعمل على استقصاءٍ خاصٍ به. استعان ببعض أصدقائه الموثوقين من رجال القانون، وبدأ يبحث في السجلات القديمة والمصادر الموثوقة. علم أن السيد فاروق كان يمتلك سمعةً مشبوهةً في الماضي، وأنه كان متورطاً في بعض الأعمال غير المشروعة، ولكنه كان دائماً ما ينجح في الإفلات من العقاب.
"لا أفهم لماذا يعود الآن، وما الذي يريده تحديداً،" قال عمر لرجاله. "لابد أن هناك شيئاً أكبر من مجرد ضغينةٍ شخصية."
بدأت خيوط المؤامرة تتشابك، والحقائق تتكشف ببطء. كان السيد فاروق يلعب لعبةً خطيرة، وكان على سارة وعمر أن يكونا على قدرٍ من الحذر واليقظة.
في إحدى الليالي، وبعد أن وضع الجميع رؤوسهم على الوسائد، تلقت سارة اتصالاً من رقمٍ مجهول. ترددت كثيراً قبل أن تجيب. جاء صوتٌ رجوليٌ غريبٌ في الطرف الآخر. "إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة الكاملة، وبشكلٍ آمن، فاستمعي جيداً. غداً، في منتصف الليل، عند المبنى القديم المهجور على أطراف المدينة. تعالي وحدكِ. هذا هو المكان الوحيد الذي يمكنكِ فيه الحصول على ما تبحثين عنه."
شعرت سارة ببرودةٍ تسري في عروقها. هل كان هذا فخاً؟ أم فرصةً أخيرةً لمعرفة الحقيقة؟ التفتت إلى عمر النائم بجانبها، وشعرت بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تقع على عاتقها. كان عليها أن تتخذ قراراً، قرارٌ قد يغير مجرى حياتها وحياة عمر.