حب أبدي الجزء الثالث

سرٌّ عتيقٌ يزهر بين أوراق الماضي

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات المساء تحمل معها عبير الياسمين المتسلل من حدائق بيت آل الأندلس، يمتزج بآهاتٍ خافتةٍ تخترق صمت الليل. جلست سارة على حافة نافذة غرفتها، وعيناها زائغتان تحدقان في صفحة السماء المرصعة بالنجوم، كل نجمةٍ منها تبدو وكأنها تحمل وزرًا من أسرارٍ دفينة. قلبها كان يضطرب كطائرٍ جريحٍ يحاول الفرار من قفصٍ ضاق به. لم يكن الصمت الذي أحاط بها سوى صدىً للصخب الذي يدور في دواخلها، صخبٌ تغذيه كلماتٌ قيلت، ونظراتٌ التُقطت، وحقائقٌ بدأت تتكشف كوشوشاتٍ ماكرةٍ من غياهب الماضي.

منذ اللقاء المفاجئ مع جدة والدها، السيدة فاطمة، في ذلك الصباح الباكر، لم يهدأ لها بال. كانت الكلمات التي نطقت بها السيدة فاطمة، وهي تلهث بصعوبةٍ متكئةً على عكازها العتيق، كالصواعق تهدم جدران اليقين التي بنتها حول حياتها. "الوصية... يا بنيتي... الوصية فيها كل شيء... عن جدك، وعن تلك الفتاة... لا تدعي الأمر يضيع هكذا..." كانت هذه الكلمات كافيةً لتشعل فتيل الشكوك في قلب سارة، وتجعلها تتقصى ما تخبئه تلك الوصية المنسية.

كانت السيدة فاطمة، بذاكرتها المتصدعة كبريقٍ باهتٍ للأمس، قد أشارت إلى صندوقٍ خشبيٍ قديمٍ مخبأٍ في قبو البيت، صندوقٌ لم تره سارة من قبل، ولم يخبرها به أحدٌ عن وجوده. شعورٌ غريبٌ بالفضول الممزوج بالرهبة تسلل إلى روحها. ما الذي قد يحتويه صندوقٌ كهذا؟ ولماذا كل هذا الإصرار من الجدة على أهمية الوصية؟

بعد أن استأذنت أمها، هند، التي كانت لا تزال تشعر ببعض القلق على صحة والدتها، نزلت سارة إلى القبو. المكان كان يكتنفه الغبار والرطوبة، ورائحة الخشب القديم تملأ الأجواء. مصباحٌ يدويٌ صغيرٌ أضاء لها الدروب المتعرجة بين الأثاث المهمل والأشياء المكدسة. دلتها السيدة فاطمة، عبر إشاراتٍ متقطعةٍ وغير واضحة، إلى زاويةٍ مظلمةٍ خلف رفوفٍ قديمةٍ مليئةٍ بالكتب المترهلة.

وبعد جهدٍ جهيد، مدّت يدها لتجد شيئًا صلبًا. لم يكن مجرد صندوقٍ عادي، بل كان تابوتًا صغيرًا، مزخرفًا بنقوشٍ عربيةٍ قديمةٍ لا تفهم معناها، لكنها تشعر ببرودةٍ تنتقل من سطحه إلى أطراف أصابعها. كانت المفتاح صدئًا، وبصعوبةٍ بالغةٍ استطاعت أن تديره. ارتفع صوتٌ خافتٌ للمفصلات كأنها تئن تحت وطأة الزمن.

انفتح الصندوق ببطء، وكشف عن محتواه. لم تكن مجرد أوراقٍ عادية. كانت هناك رسائلٌ صفراءٌ من الزمن، ألبوماتٌ قديمةٌ مزينةٌ بصورٍ بالأبيض والأسود، وقطعة قماشٍ مطرزةٍ بعناية. وبين كل هذه الأشياء، لمعت قطعةٌ معدنيةٌ صغيرةٌ، بدت كقلادةٍ، مزينةٍ بحجرٍ أزرقٍ غامقٍ.

لكن الأهم، كان هناك ملفٌ سميكٌ، مغلفٌ بقطعة قماشٍ حريريةٍ باهتة. هذه هي الوصية. أمسكتها سارة بيدين مرتعشتين، وبدأت تقرأ. لم تكن الوصية مجرد توزيعٍ للممتلكات، بل كانت قصةً كاملةً، قصة حبٍ قديمٍ، وحياةٍ أخرى لم تعلم بوجودها.

ذكرت الوصية اسم "ليلى". لم تكن ليلى، جدة سارة، كما تعرفها. الوصية تحدثت عن ليلى كشابةٍ مفعمةٍ بالحياة، عاشقةٍ للشعر والأدب، تمنت أن تسافر بعيدًا لتتعلم وتستكشف العالم. لكنها، بسبب ظروفٍ عائليةٍ قاهرة، اضطرت إلى التخلي عن أحلامها والزواج من رجلٍ لم تحب.

ثم جاء ذكر اسمٍ غريبٍ: "يوسف". يوسف، الشاب الجامعي الذي التقت به ليلى سرًا، حبٌ طاهرٌ وعميقٌ، حبٌ وُلد في ظل الخوف والترقب. كانت الرسائل المعروضة في الصندوق تحكي قصة هذا الحب، رسائلٌ مليئةٌ بالشوق، بالآهات، بالأحلام المشتركة. كانت ليلى تكتب ليوسف عن رغبتها في الهروب، عن وعدٍ تبادله، عن حياةٍ يرسمانها معًا بعيدًا عن قيود المجتمع.

لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا، كانت في الفقرات الأخيرة من الوصية. تفيد الوصية بأن ليلى، قبل زواجها من جد سارة، كانت حاملًا من يوسف. لقد اضطرت، تحت ضغطٍ شديد، إلى إخفاء حملها، ثم إلى التنازل عن طفلتها، ابنة يوسف. أشار والد سارة، جد سارة، في الوصية، إلى أنه كان يعلم بهذا السر، وأنه قد اتخذ ترتيباتٍ لضمان مستقبل الطفلة، لكنه لم يكشف عن التفاصيل.

صُدمت سارة. هل يعني هذا أن هناك ابنةً لجدها، لم تعرف بوجودها؟ ابنةٌ تحمل دم عائلتها؟ وأن جدتها ليلى، المرأة الهادئة والمنطوية التي لطالما عرفتها، قد عاشت قصة حبٍ جارفةً، وقصة تخلٍ مؤلمٍ؟

وبين الرسائل، وجدت سارة صورةً تجمع ليلى ويوسف، شابٌ وسيمٌ بابتسامةٍ دافئة، وعيناه تعكسان شغفًا لا ينطفئ. وبجانب الصورة، كانت القلادة الزرقاء التي وجدتها في الصندوق.

تسللت إلى عقل سارة فكرةٌ مرعبة: هل يمكن أن تكون هذه الطفلة التي تخلت عنها ليلى هي والدة شخصٍ تعرفه؟ شخصٌ قريبٌ منها؟

فتحت ألبوم الصور القديمة. كانت هناك صورٌ لجدتها ليلى وهي شابة، تبدو فيها ملامح مشتركةٌ مع جدتها للأب، السيدة عائشة. ثم نظرت إلى صورٍ لعائلة والدها. كان هناك صورةٌ لوالدة والدها، السيدة خديجة، وهي شابة. بدأت تتقاطع الصور، الملامح، والزمن.

صوتٌ خفيٌ من الماضي بدأ يهمس في أذنها، همسٌ يحمل معه احتمالًا صادمًا. نظرت سارة إلى وجه والدتها، هند، ثم إلى صورة جدتها ليلى. ثم نظرت إلى أوراق الوصية، ويدها ترتجف. هل كانت والدتها، هند، هي الابنة المفقودة؟ لكن هند لم تكن ابنة لجدها. كانت هند ابنة لـ...

توقف عقلها عن العمل. لم تستطع استيعاب الكم الهائل من المعلومات المتدفقة. شعورٌ بالدوار اجتاحها. هذه ليست مجرد قصة قديمة، هذه حقيقةٌ قد تغير كل شيء. نظرت إلى القلادة الزرقاء، وفكرت في الجملة الأخيرة في الوصية: "الحقيقة ستظهر لمن يملك مفتاحها."

في هذه اللحظة، شعرت بأنها على وشك اكتشاف سرٍ عظيم، سرٍ قادرٍ على قلب عالمها رأسًا على عقب. كانت على أعتاب مرحلةٍ جديدة، مرحلةٍ تتطلب منها الشجاعة لمواجهة حقائق قديمة، ومواجهة أشخاصٍ لم تكن تعرف أنهم جزءٌ من هذا اللغز المعقد. الخيوط تتشابك، والماضي يفرض حضوره بقوة، وتتزايد القناعة بأن رحلتها في كشف أسرار عائلتها قد بدأت للتو، وأن ما اكتشفته ليس سوى القمة الجليدية لجبلٍ من الأسرار.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%