حب أبدي الجزء الثالث

خيوطٌ متشابكةٌ تكشف عن وجوهٍ مغيبة

بقلم مريم الحسن

عادت سارة إلى غرفتها، تحمل معها صندوق الذكريات القديم، ووزن الأسرار التي أصبحت تلقي بظلالها على واقعها. لم تكن مجرد أوراقٍ، بل كانت شاهدةً على حياةٍ مضت، على حبٍ كُتم، وعلى قرارٍ فرضته الظروف أقسى من أي عقاب. تذكرت نظرة جدتها فاطمة، تلك النظرة التي تحمل في طياتها مزيجًا من الحزن والرجاء، نظرةٌ دفعتها إلى خوض هذه الرحلة الاستكشافية في متاهات الماضي.

جلست على كرسيها الوثير، والصندوق الخشبي أمامها كمنصةٍ لسرد قصةٍ لم تُروَ. بدأت تصفح الرسائل مرةً أخرى، تستعيد كلمات ليلى، شغفها، أحلامها، وآلامها. كانت الرسائل مكتوبةً بخطٍ أنيق، لكن الحبر بدأ يخفت، كما تخفت الذكريات مع مرور الزمن. لفتت انتباهها رسالةٌ لم تكن موجهةً إلى يوسف، بل كانت موجهةً إلى شخصٍ لم تذكره الوصية صراحةً، شخصٌ يُدعى "الأخ الكبير".

"أخي العزيز، أحمد،" بدأت الرسالة، "لم يعد بإمكاني الصمود أكثر. الحمل يزداد، والخوف ينهش روحي. أتمنى لو أنك هنا لتساندني، لتجد لي مخرجًا. والدي مصرٌ على زواجي من السيد عبد الرحمن، وأبي يوسف، إن كان على علمٍ، فلن يقبل بهذا. يوسف، حبيبي، يظن أنني أحبه، لكنه لا يعلم بحجم المحنة التي أنا فيها. لو علم، لحملني في عينيه، ولحماني من كل شر."

من هو أحمد؟ ومن هو الأب الذي تصر على زواجه من عبد الرحمن؟ ومن هو والد يوسف؟ الأسئلة تتوالى، كأنها موجاتٌ تتكسر على شواطئ عقلها المنهك. شعرت بأنها تغوص أعمق في بحرٍ من الأسرار، وأن كل معلومةٍ جديدةٍ تفتح لها أبوابًا أخرى، لا تعلم ما يكمن خلفها.

ثم وجدت رسالةً أخرى، هذه المرة كانت تحمل تاريخًا بعد زواج ليلى من جدها. كانت بخطٍ مختلف، خطٍ أكثر خشونةً، لكنه يحمل نفس الشغف. "حبيبتي ليلى،" بدأت، "لا تتخلي عن وعدنا. أرجوك، اسمح لي باللقاء بك. جنوني بك يزداد كل يوم. الحمل، نعم، علمته.علمت بكل شيء. والدي، وللأسف، يخشى الفضيحة. لكنني سأتحمل المسؤولية. أخبريني متى وأين. يجب أن ننقذ طفلتنا."

هذه الرسالة كانت من يوسف. كان يوسف يعلم بالحمل، وكان مستعدًا لتحمل المسؤولية. لكن لماذا لم يحدث ذلك؟ لماذا اضطرت ليلى إلى التخلي عن طفلتها؟

بدأت سارة في ربط الأحداث. إذا كانت ليلى قد حملت من يوسف قبل زواجها من جد سارة، وبعد زواجها منه، حملت مرة أخرى من جد سارة. هذا يعني أن طفلة ليلى الأولى، ابنة يوسف، ولدت قبل أن تولد والدة سارة.

نظرت إلى صورة جدتها ليلى عندما كانت شابة. كان هناك شيءٌ في عينيها، شيءٌ من الشجن العميق، من الألم المكتوم. ثم نظرت إلى صورة والدتها، هند. كانت تشبه جدتها في كثيرٍ من الملامح، لكن الألم كان أقل وضوحًا في عيني والدتها.

وبين الأوراق، وجدت وثيقةً رسميةً، تبدو كعقدٍ، تحمل اسم "مركز رعاية الأطفال المجهولين". تحتها، كان هناك توقيعٌ، وتاريخٌ. كان التاريخ يسبق تاريخ ميلاد والدة سارة ببضعة أشهر. وشعرت بأن قلبيها قد توقف عن النبض.

"تم التنازل عن الطفلة..." قرأت بصوتٍ مرتجف. "اسم الأم: ليلى. اسم الأب: مجهول. اسم الطفلة: آمال."

آمال؟ هل كانت هذه هي اسم الطفلة؟ اسمٌ يحمل معنى الرجاء.

ولكن، من هو والد سارة؟ كيف يرتبط كل هذا بوالدها؟ الوصية ذكرت أن والد سارة كان يعلم بالسر.

ثم وجدت، مخبأةً بعنايةٍ فائقةٍ، رسالةً أخرى، هذه المرة كانت بخطٍ مختلفٍ تمامًا، خطٍ أنيقٍ ولكنه يحمل قوةً وصرامة. كانت موجهةً إلى ليلى، وكانت تحمل تاريخًا قريبًا من تاريخ زواج ليلى من جد سارة.

"ليلى،" بدأت الرسالة، "وصلني الخبر. أعلم أنكِ فعلتِ ما كان يجب فعله. كان هذا الخيار هو الوحيد المتاح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لا تلومي نفسك. لقد ضحيتِ كثيرًا. لكن اعلمي أنني لن أترك هذه الطفلة. سأكفلها، وسأضمن لها حياةً كريمة، حياةً لا تعرف معنى الحرمان الذي عرفته أنتِ. سأعتبرها ابنتي. وقد اتخذت الترتيبات اللازمة. لا تخافي، لن تضيع. أما عن علاقتنا، فهذه صفحةٌ طُويت. ولكن، لا يمكنني أن أنسى. وإذا حدث أي شيء، ستعرفين."

من هو كاتب هذه الرسالة؟ ومن هو "الأب" الذي يتحدث عنه؟ نظرت سارة إلى اسم جدها في الوصية. كان اسمه "عبد الرحمن". هل كان عبد الرحمن، جدها، هو من كتب هذه الرسالة؟ هل كان يعرف كل شيء؟ هل كان يعلم أن ليلى، زوجته، قد حملت من رجلٍ آخر؟

شعرت بأن عالمها كله ينهار. لم تعد تعرف من تثق به، ولم تعد تعرف أي جزءٍ من تاريخ عائلتها هو الحقيقة. كل شيء أصبح مشوهًا، وملتبسًا.

ثم، تذكرت والدتها هند. هند، التي لطالما شعرت أنها تحمل سرًا ما، سرًا لا تستطيع البوح به. هند، التي كانت تبدو أحيانًا غريبة الأطوار، كأنها تحمل عبءًا لا يطاق.

بحثت في ألبوم الصور مرة أخرى. وجدت صورةً قديمةً لهند، وهي طفلة. وبجانبها، صورةٌ لجدتها ليلى، وهي امرأةٌ في منتصف العمر. ثم نظرت إلى صورة والدها، جمال. جمال، ابن جدها عبد الرحمن.

إذا كانت الطفلة "آمال" قد تم التنازل عنها، فكيف جاءت والدة سارة؟ هل هناك طفلةٌ أخرى؟

بدأت سارة تشعر بأن هذه الأوراق ليست كافية، وأن هناك فجواتٍ كبيرةً في القصة. نظرت إلى القلادة الزرقاء مرة أخرى. "الحقيقة ستظهر لمن يملك مفتاحها." ما هو هذا المفتاح؟

لم تكن مجرد قصة حبٍ قديمة، بل كانت قصة تضحيات، وقراراتٍ مصيرية، وألغازٍ تتوالى. شعرت بأنها في منتصف معركةٍ شرسةٍ لكشف الحقيقة، معركةٌ ضد الزمن، وضد الأسرار التي تراكمت عبر الأجيال.

في تلك اللحظة، رن هاتفها. كان رقمًا غريبًا. ترددت سارة في الإجابة، لكن فضولها دفعها. "مرحبًا؟" قالت بصوتٍ متردد.

جاءها صوتٌ غريب، صوتٌ رجولي، هادئ، ولكنه يحمل نبرةً من الإلحاح. "هل أنتِ سارة؟"

"نعم، من معي؟"

"اسمي خالد. لدي ما قد يهمكِ جدًا بشأن عائلتكِ."

تجمدت سارة في مكانها. خالد؟ لم تسمع بهذا الاسم من قبل. هل هذا الشخص على علاقةٍ بما اكتشفته؟ هل هو جزءٌ من هذا اللغز؟

"ماذا تريد؟" سألت بحدة.

"أريد أن ألتقي بكِ. وأن أساعدكِ في فهم ما يحدث. ولكن، يجب أن يكون اللقاء سريًا."

شعرت سارة بأنها على وشك الغرق، وأن هذا الاتصال ما هو إلا خيطٌ آخر يتشابك مع خيوط اللغز. هل تثق بهذا الغريب؟ أم أنها على وشك الوقوع في فخٍ جديد؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%