حب أبدي الجزء الثالث

ظلال الماضي ورؤى المستقبل

بقلم مريم الحسن

في ركنٍ بعيدٍ من هذا البيت العريق، حيث تتجمع فيه أركان الماضي العظيم، كانت تجلس "ريما"، شقيقة أمل الصغرى، في غرفتها الهادئة، محاطةً بأوراق الرسم والألوان. لم تكن ريما كأخواتها، لم تشغلها أبداً أمور الزواج ولا الحياة الاجتماعية الصاخبة. كانت تعيش في عالمٍ خاصٍ بها، عالمٍ نسجته خيوط الخيال، وملأته ألوان الطبيعة الساحرة.

في هذا اليوم، كان قلب ريما مثقلاً. لم يكن صخب الحوارات السياسية التي تدور في الديوان، ولا نقاشات الأهل حول مستقبل أمل، هو ما يزعجها. بل كان شعورٌ غريبٌ، مزيجٌ من الحنين والألم، يتسلل إلى روحها. منذ فترةٍ ليست بالقصيرة، كانت تتلقى رسائل غامضة، رسائل تحمل عبق الورود المجففة، وكلماتٍ عذبةً تلامس شغاف قلبها. لم تعرف كاتب هذه الرسائل، ولم ترَ وجهه أبداً. لكنها أحبته، أحبت روحه التي تنبض بالحرف، وأحبت كلماته التي ترسم في مخيلتها صوراً مشرقة.

اليوم، وجدت في صندوق بريدها رسالةً جديدة. كانت مختلفةً عن سابقاتها. لم تحمل عطر الورود، بل رائحةً غريبة، مزيجاً من الملح والبحار. فتحتها بيدٍ مرتعشة، وقرأت: "ريما، حبيبتي، لقاؤنا غداً على الشاطئ عند الغروب. هناك ما يجب أن تعرفيه. أنتظر روحكِ."

تجمدت ريما في مكانها. "غداً؟" همست لنفسها. "ولكن كيف؟ ومن هذا؟"

تذكرت آخر لقاءٍ لها مع شقيقها الأكبر، علي. كان علي قد عاد من سفره الأخير متغيراً، يحمل أفكاراً جديدة، وبعض الأسرار التي لم يبح بها لأحد. كان علي هو الوحيد الذي يعرف سر هذه الرسائل. كان هو الوحيد الذي كان يرشدها، ويوجهها.

"علي!" نادت أمل، التي دخلت الغرفة لتطمئن على أختها. "لماذا تبدين شاردة الذهن؟"

"أمل،" قالت ريما، صوتها يرتجف قليلاً، "تلقيت رسالةً جديدة."

"ومن من؟" سألت أمل، تتوقع أن تكون من إحدى صديقاتها.

"لا أعرف،" أجابت ريما. "ولكنه يطلب مني لقاءه غداً على الشاطئ عند الغروب."

عبس وجه أمل. "على الشاطئ؟ في هذا الوقت؟ ألا تخافين؟"

"لا أعرف،" قالت ريما. "ولكن هناك شعورٌ بالضرورة. شعورٌ بأن هناك شيئاً هاماً ينتظرني."

"هل هو علي؟" سألت أمل، مستذكرةً أسلوب علي في التواصل.

"لا أعتقد،" قالت ريما. "أسلوبه مختلف. هذه الرسائل تحمل عطر الورد، ورائحة البحر. ورسالته الأخيرة تحمل رائحة الملح."

شعرت أمل ببعض القلق. "يجب أن تخبري عمي خالد. أو أبي."

"لا يا أمل!" قالت ريما بسرعة. "لا أريد أن أزعجهم. هم مشغولون بأمورٍ أخرى."

"لكن هذا ليس بالأمر الهين يا ريما. قد يكون هناك خطر."

"أنا أثق بنفسي، يا أمل. وأثق بالروح التي ترسل لي هذه الرسائل."

نظرت أمل إلى أختها، ورأت في عينيها إصراراً لم تعتده فيها. عرفت أن محاولة منع ريما قد تكون صعبة.

"حسناً،" قالت أمل أخيراً. "ولكن أريدكِ أن تعديني بشيء."

"ما هو؟"

"إذا شعرتِ بأي خطر، أو أي شيءٍ يثير قلقك، فيجب أن تعودي فوراً. وألا تتأخري أبداً."

"أعدكِ يا أمل."

ذهبت أمل، تاركةً ريما مع أفكارها. كانت ريما قد أصبحت في السادسة عشرة من عمرها، ولكنها كانت لا تزال طفلةً بريئةً في عيني أمل. ورغم أن أمل كانت متمسكةً بقرارها بالذهاب إلى الأزهر، إلا أنها كانت دائماً تشعر بالمسؤولية تجاه شقيقتها الصغرى.

في تلك الليلة، لم تستطع ريما النوم. كانت تفكر في هذه الرسائل، وفي هذا اللقاء الغامض. من يكون هذا الشخص؟ وماذا يريد؟ هل هو أحدٌ من ماضي العائلة؟ أم شخصٌ غريبٌ جاء ليغير حياتها؟

في صباح اليوم التالي، استيقظت ريما مبكراً. ذهبت إلى شرفة غرفتها، ونظرت إلى البحر الممتد أمامهم. كان البحر هادئاً، يعكس زرقة السماء الصافية. تخيلت نفسها تمشي على رمال الشاطئ، تسمع صوت الأمواج، وتستمع إلى كلماتٍ تطمئن قلبها.

عندما حان وقت الغروب، ارتدت ريما فستاناً أبيض بسيطاً، ولفّت على رأسها وشاحاً حريرياً رقيقاً. خرجت من المنزل بهدوء، وتوجهت نحو الشاطئ. كان الهواء يحمل رائحة الملح، ورائحة الندى. كانت أشعة الشمس الغاربة ترسم لوحاتٍ ذهبية على سطح الماء.

عندما وصلت إلى الشاطئ، لم تجد أحداً. جلست على الرمال، وشعرت ببرودةٍ خفيفةٍ تتسلل إلى قدميها. بدأت تراقب الأفق، وقلبها يخفق بترقب.

بعد قليل، رأت ظلاً يقترب منها. كان رجلاً، طويل القامة، يرتدي ملابس بسيطة، ويبدو عليه الهدوء. لم تستطع رؤية وجهه بوضوح، فقد كان ظلام الغروب قد بدأ يتسلل.

"هل أنتِ ريما؟" سأل الرجل بصوتٍ عميقٍ وحنون.

"نعم،" أجابت ريما، صوتها بالكاد مسموع.

اقترب الرجل أكثر، وجلست بجانبها. "أنا هو من أرسل لكِ الرسائل."

"ولكن... من أنت؟" سألت ريما.

"اسمي يوسف،" قال الرجل. "وأنا صديقٌ قديمٌ لأخيكِ علي."

توسعت عينا ريما. "علي؟ هل أخي يعرف بهذا؟"

"نعم،" أجاب يوسف. "لقد طلب مني أن أطمئن عليكِ. وأن أتأكد من أنكِ بخير."

"ولكن لماذا هذه الرسائل؟ ولماذا اللقاء هنا؟"

"علي... علي لديه بعض الأمور التي لا يستطيع البوح بها لأحدٍ في العائلة. وهو قلقٌ عليكِ، على مستقبلكِ."

"ولكنني لا أفهم،" قالت ريما. "لماذا لا يتحدث معي مباشرة؟"

"لأن الظروف أصبحت صعبة، يا ريما. علي يمر بفترةٍ صعبة، ويحتاج إلى بعض الوقت. ولكنه لا يريد أن يترككِ وحدكِ."

جلس الاثنان في صمتٍ لبعض الوقت، يستمعان إلى صوت الأمواج. كانت ريما تشعر بمزيجٍ من الخوف والطمأنينة. الخوف مما قد يكون عليه وضع أخيها، والطمأنينة لأن هناك من يهتم بها.

"ماذا حدث لعلي؟" سألت ريما أخيراً. "لماذا تغير هكذا؟"

تنهد يوسف. "لقد تعرض لبعض التأثيرات الخارجية. بعض الأفكار التي لا تتناسب مع بيئتنا. ولكنه لم يفقد إيمانه. هو فقط يبحث عن طريقه."

"هل هو بخير؟" سألت ريما بقلق.

"هو بخير، ولكنه يحتاج إلى دعم. ودعمكِ، يا ريما، يمكن أن يكون له أثرٌ كبيرٌ عليه."

"كيف؟"

"بأن تبقى قريبةً منه، وأن تتحدثي معه. وأن تذكريه دائماً بما هو مهم."

"ما هو المهم؟"

"إيمانه، وعائلته، وقيمه."

شعرت ريما بأن هذه الكلمات تلامس شيئاً في داخلها. لقد كانت دائماً تحب أخاها، وكانت تتألم لرؤيته هكذا.

"هل يمكنك أن تخبرني المزيد عن علي؟" سألت.

"بالتأكيد،" قال يوسف. "لقد مر بتجارب صعبة، ولكنه ما زال يحمل في قلبه حباً كبيراً لعائلته. وهو يخشى أن تضيعوا في عالمٍ متغير."

استمر الحديث بينهما طويلاً. روى يوسف لريما بعض التفاصيل عن حياة علي، عن الصعوبات التي واجهها، وعن آماله. كانت ريما تستمع بانتباه، وتشعر بأنها تفهم أخاها أكثر من أي وقتٍ مضى.

عندما بدأت الشمس تختفي تماماً في الأفق، وأنار القمر سماء الليل، نهض يوسف.

"يجب أن أذهب الآن،" قال. "ولكننا سنتقابل مرةً أخرى. وسأخبركِ بكل ما تحتاجين معرفته."

"متى؟" سألت ريما.

"سنرى. اذهبي إلى المنزل الآن. ولا تقلقي."

ابتسم يوسف ابتسامةً خفيفة، ثم استدار واختفى في الظلام.

بقيت ريما جالسةً على الرمال، تنظر إلى البحر. كانت تشعر بأن حياتها قد بدأت تتغير. لقد دخلت عالماً جديداً، عالماً مليئاً بالأسرار، وبالتحديات. ولكنها شعرت أيضاً بقوةٍ جديدةٍ تنمو بداخلها. قوةٌ مستمدةٌ من إيمانها بأخيها، ومن مسؤوليتها تجاهه.

وعندما عادت إلى المنزل، لم تتحدث عن لقائها. ولكن في داخلها، كانت قد اتخذت قراراً. قراراً بأن تكون سنداً لأخيها، وأن تحميه. وأن تجد طريقها الخاص، طريقٌ يجمع بين براءة روحها، وقوة إيمانها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%