حب أبدي الجزء الثالث

الليلة التي كشف فيها الستار

بقلم مريم الحسن

امتد ظلام الليل كوشاح أسود فوق مدينة القاهرة الصاخبة، لكن داخل جدران قصر آل سليمان، كان الصمت ثقيلاً، محمّلاً بترقب لاذع. كانت ليلى، بشعرها الأسود الداكن المنسدل على كتفيها العاريتين، تقف قرب النافذة المطلة على حدائق القصر الهادئة. لم تكن تلك السكينة المعهودة التي اعتادتها، بل سكون قبيل العاصفة، سكون يسبق انفجاراً هائلاً. في يدها، كانت تضغط على قطعة قماش ناعمة، محاولةً احتواء ارتجافة لم تستطع السيطرة عليها.

كانت الكلمات التي سمعتها للتو لا تزال تدوي في أذنيها، كالرعد البعيد الذي يزداد اقتراباً. "هناك سرٌّ كبيرٌ يا ليلى... سرٌّ متعلقٌ بعائلتك، وبمستقبلك." كانت كلمات جدتها، الشيخة فاطمة، وهي تحتضر، كلماتٌ غامضةٌ أثارت فيها القلق والفضول على حدٍ سواء. لم تكن جدتها من عادتهن إطلاق الألغاز، بل كانت صريحةً، كريمةً، وقلبها مفتوحٌ ككتابٍ تشرق منه الحكمة. لكن في تلك اللحظات الأخيرة، بدا وكأن شبحاً قديماً يصارع للبقاء، ليترك خلفه أثراً لا يمكن تجاهله.

لقد انقضت أسابيع منذ ذلك اليوم المشؤوم، وأصبح القصر مسرحاً لأحداثٍ متسارعة. اختفاء والدها المفاجئ، تزايد الضغوط من بعض أفراد العائلة لتعجيل زواجها من رجلٍ لم تختره، والأهم من ذلك، اكتشافها لحقائق مظلمة عن ماضي عائلتها، حقائق كانت مدفونةً بعمق تحت رمال الزمن. كل شيء كان يشير إلى أن لغز جدتها لم يكن مجرد هواجس شيخوخة، بل كان مفتاحاً لفهم ما يجري حولها.

انتقل بصرها إلى الغرفة، حيث استقرت على صورةٍ معلقةٍ على الجدار. صورةٌ لجدها الراحل، الرجل الذي لم تعرفه سوى من خلال قصص جدتها وصورها. كان وجهه ينبض بالقوة والهيبة، وعيناه تبدوان وكأنهما تحملان أسراراً لا تُحصى. وتساءلت: هل كان هذا السر الذي تحدثت عنه جدتها يتعلق به؟ هل كان هناك شيءٌ غامضٌ في حياته، شيءٌ أثر على مسار حياتها هي وابنتها؟

صوتٌ خفيضٌ قطع شرودها. "ليلى؟"

التفتت بسرعة، لتجد يوسف يقف عند عتبة الباب، يرتدي ملابسه الداكنة، وعيناه تعكسان قلقاً عميقاً. كان حضوره دائماً يبعث فيها الطمأنينة، لكن هذه الليلة، بدا وكأنه يحمل جزءاً من هذا الترقب الذي يعتريها.

"يوسف! لم أسمعك تأتي."

اقترب منها، ووضع يده بلطفٍ على ذراعها. "لم أرد أن أقلقك. لكنني لاحظت أنكِ لستِ على ما يرام منذ فترة. هل حدث شيءٌ آخر؟"

نظرت إليه، وفي عينيها لمعةٌ من الحزن والأسى. "لا أدري يا يوسف. أشعر وكأنني أعيش في حلمٍ غريب. هناك أشياءٌ كثيرةٌ تحدث، وأنا لا أفهم شيئاً."

مسك يدها بقوة، وقال بصوتٍ واثق: "سنفهمها معاً. لا تقلقي. مهما كان الأمر، سنتجاوزه."

تنهدت بارتياحٍ خفيف، وشكرته بعينيها. ثم، وبصوتٍ متقطع، بدأت تروي له ما سمعته من جدتها، وعن اكتشافاتها الأخيرة، وعن الضغوط التي تتعرض لها. كان يوسف يستمع باهتمامٍ بالغ، وعلامات المفاجأة والاندهاش تتوالى على وجهه.

"اختفاء والدك؟ لماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟" سأل بلهفة.

"لم أكن متأكدةً في البداية. ظننت أنه مجرد سفرٍ مفاجئ. لكن الأمور بدأت تتضح، وتتزايد الشكوك."

"وهذا الرجل الذي يريدون تزويجك منه... من هو؟ ولماذا هذه العجلة؟"

"ابن عم بعيد، يدعى فؤاد. سمعت أن لديه ديوناً كبيرة، وأنه يرى في زواجي فرصةً لحل مشاكله المالية."

اغرورقت عينا يوسف بالغضب. "هذا غير مقبول! لا يمكن لعائلة مثل عائلتكم أن تسمح بمثل هذا الاستغلال."

"لا أحد يستمع إليّ، يوسف. الجميع يبدو وكأنه يريد إنهاء الأمر بسرعة."

فجأة، انطلق جرس الباب، مسبباً رجفةً في القلوب. كان صوته مدوياً، كأنه يكسر الصمت الثقيل. نظر كلٌّ منهما إلى الآخر بعينين متسائلتين.

"من يمكن أن يكون في هذا الوقت المتأخر؟" تساءلت ليلى بصوتٍ هامس.

تحرك يوسف بخطواتٍ سريعة نحو الباب، وفتحته ببطء. وقف أمامه رجلٌ طويلٌ، يرتدي ملابس أنيقة، لكن وجهه كان شاحباً، ونظراته تحمل خليطاً من التوتر والرجاء. كان السيد سامي، وكيل أعمال والدها.

"أهلاً بك سيدي. هل من خبر؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق بقوة.

نظر إليها السيد سامي بحزنٍ عميق. "ليلى، أنا آسفٌ جداً. لقد جئت لأبلغك خبراً سيئاً. يبدو أن والدك... قد تورط في قضيةٍ كبيرة. هناك ديونٌ لا يستطيع سدادها، ومن يطالبونه بها... ليسوا بالبشر السهلين."

شعرت ليلى بأن ساقيها تخونانها. كان صوتها أشبه بالصفير المتقطع وهي تقول: "ماذا تقول؟ ديون؟ ومن هم هؤلاء؟"

"رجالٌ ذوو نفوذٍ كبير، لا يخافون القانون. لقد تركوا لي هذه الرسالة... وهذه." قال وهو يسلمها ظرفاً مغلقاً، بداخله ورقةٌ مطويةٌ بعناية، وقطعةٌ معدنيةٌ لامعة.

فتحت ليلى الرسالة، وبدأت تقرأ. الكلمات كانت كالسم في عروقها. كانت تطالب بسداد دينٍ ضخمٍ لوالدها، وإلا... وإلا سيتعرض هو ومن يحب للخطر. أما القطعة المعدنية، فقد تعرفت عليها فوراً. كانت خاتم عشيرةٍ قديمة، خاتمٌ يرمز إلى تحالفاتٍ خطيرة، وتحالفاتٍ لم تكن ليلى تعرف بوجودها.

"هذا... هذا خاتم آل النجار!" قالت بصوتٍ مرتجف. "لكنهم... هم العائلات التي سمعت عنها القصص القديمة. عائلاتٌ لا تتورط إلا في أمورٍ خطيرة."

أضاف السيد سامي بصوتٍ خافت: "نعم يا ليلى. يبدو أن والدك قد دخل في صراعٍ معهم. وعليهم الآن استيفاء حقوقهم بأي ثمن."

شعر يوسف بغضبٍ عارمٍ يتقد في صدره. "هذا تهديدٌ مباشر! يجب أن نذهب إلى الشرطة فوراً."

"الشرطة لن تستطيع فعل شيءٍ في مواجهة هذه العائلات. إنهم فوق القانون." قال السيد سامي بيأس. "ما يطلبونه هو مبلغٌ هائل، لا يستطيع والدك سداده، ولا حتى أنتِ. إلا إذا... إلا إذا كان هناك شيءٌ آخر يعتقدون أنهم سيحصلون عليه."

كانت ليلى تنظر إلى الرسالة، ثم إلى خاتم آل النجار. لم تعد هناك شكوك. السر الذي تحدثت عنه جدتها، لم يكن متعلقاً بالماضي فقط، بل كان يمتد ليحكم مستقبلها. كانت تشعر بأن الستار الذي كان يخفي الحقيقة قد انزاح أخيراً، لكن ما كشفته كان مرعباً. لقد وجدت نفسها في قلب صراعٍ لم تكن تتخيله، صراعٍ قد يكلفها كل شيء.

"ماذا يريدون بالضبط؟" سأل يوسف، وعيناه مليئةٌ بالإصرار.

نظر السيد سامي إلى ليلى، وقال بصوتٍ متردد: "الرسالة لا توضح الأمر تماماً. لكن العائلات من هذا النوع، عندما لا تستطيع الحصول على المال، فإنها غالباً ما تطلب... شيئاً آخر. شيئاً ذا قيمةٍ معنويةٍ أو استراتيجية."

"شيئاً ذا قيمة... تقصد...؟" بدأت ليلى تقول، وتوقفت.

"نعم يا ليلى." أكد السيد سامي. "في بعض الأحيان، يكون الزواج هو الحل الوحيد لإنهاء مثل هذه النزاعات. خاصةً إذا كانت هناك ابنةٌ وحيدةٌ للعائلة."

تجمدت ليلى في مكانها. كانت تعلم أن الاحتمال الذي يدور في ذهنها هو الاحتمال الأرجح. لقد أصبح الخطر حقيقياً، والتهديد مباشراً. لم يعد الأمر مجرد ضغوطٍ لعقد زواجٍ تقليدي، بل أصبح مسألة حياةٍ أو موت.

"لم يعد لديكم وقتٌ كثير." قال السيد سامي، وهو ينظر إلى ساعة يده. "يجب أن تتخذوا قراراً. وإلا..."

لم يكمل جملته. لم تكن هناك حاجةٌ لذلك. كانت ليلى تفهم. لقد وجدت نفسها تقف على حافة الهاوية، وعليها أن تختار بين طريقين، كلاهما مظلم. إما أن تستسلم لمصيرٍ غير معلوم، أو أن تواجه عدواً لا تعرف عنه شيئاً سوى أنه شرسٌ وقوي.

نظرت إلى يوسف، ورأت في عينيه تصميماً قوياً. "لا تقلقي يا ليلى. سنواجه هذا معاً." قال لها، ويده تمسك بيدها بقوة.

لكن ليلى شعرت ببرودةٍ تسري في أوصالها. لقد وصل الصراع إلى ذروته، والقرار الذي ستتخذه الليلة، سيحدد مسار حياتها، ومستقبل عائلتها بأكملها. لقد كشف الستار، لكن ما وراءه كان أشد قتامةً مما تخيلت.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%