حب أبدي الجزء الثالث
صدى الأيام وميلاد الشك
بقلم مريم الحسن
كانت غرفتها ملاذاً، وسجناً في آنٍ واحد. "ليلى"، الابنة الوسطى للعائلة، كانت تجلس على مقعدها المفضل بجانب النافذة، تتأمل السحب وهي تتراقص في سماءٍ زرقاء صافية. كانت تشعر بنوعٍ من الوحدة، وحدةٌ لم تكن نابعةً من غياب الناس، بل من غياب الفهم.
في الأيام الأخيرة، كان بيت آل السعيد يعجٌ بالحياة. أمل، الابنة الكبرى، أعلنت قرارها بالسفر للدراسة في الأزهر، وريما، الابنة الصغرى، بدأت تتلقى رسائل غامضة تدل على لقاءٍ سري. أما ليلى، فكانت كمن يقف على هامش الأحداث، تراقب، وتتساءل، وتشعر بأن شيئاً ما قد غاب عنها.
كانت ليلى تتمتع بجمالٍ هادئ، وروحٍ طيبة، ولكنها كانت تفتقر إلى الشجاعة التي تتمتع بها أمل، وإلى البراءة التي تتمتع بها ريما. كانت حياتها تسير في مسارٍ شبه طبيعي. تلقت تعليماً جيداً، وتعلمت فنون الطبخ والخياطة، وأصبحت جاهزةً للزواج. ولكن في داخلها، كانت هناك تساؤلاتٌ عميقة، وشكوكٌ تتسلل.
"ليلى!" نادى صوت أمها، هدى، من بعيد. "هل انتهيتِ من ترتيب أمتعتكِ؟"
"نعم يا أمي،" أجابت ليلى، وهي تشعر ببعض الضيق.
كانت أمها تحضر لاستقبال ضيفٍ عزيز. كان السيد "محمود"، قريبٌ للعائلة من جهة الأم، قد وصل إلى المدينة، وكان لديه عرضٌ لزواج ليلى من ابنه، "طارق". كان طارق شاباً يعمل في الخارج، وقد سمعت عنه ليلى الكثير من الكلام الطيب. ولكنها لم تقابله قط.
نزلت ليلى إلى الديوان، حيث كانت أمها تستقبل السيد محمود. كان الرجل رجلاً في منتصف العمر، ذا ملامحٍ حادة، وعينين تلمعان ببريقٍ لا تفهمه.
"أهلاً بك يا أستاذ محمود،" قالت ليلى، وهي تلقي التحية.
"أهلاً بكِ يا ابنتي،" قال السيد محمود، وهو ينظر إليها بنظرةٍ فاحصة. "ما شاء الله، لقد أصبحتِ فتاةً رائعة."
شعرت ليلى ببعض الارتباك. لم تعتد على هذا النوع من النظرات.
"لقد تحدثتُ مع والدكِ،" قال السيد محمود، وهو يتناول كوباً من الشاي. "وبدأتُ في ترتيب أمور زواج ابني طارق منكِ. وهو شابٌ طيبٌ، وسيحرص على سعادتكِ."
"شكراً لك يا عمي،" قالت ليلى.
"لقد سمعتُ عن قرار أختكِ أمل،" قال السيد محمود، وهو يلتفت إلى والدتها. "قرارٌ غريبٌ حقاً. هذه الجامعات تفسد عقول الفتيات."
"نعم،" قالت هدى، وهي تهز رأسها. "نحن قلقون عليها. نأمل أن تكون قويةً في إيمانها."
"الإيمان الحقيقي يكون في المنزل، ومع الزوج الصالح،" قال السيد محمود. "هذه الأفكار الخارجية لا تجلب إلا الشر."
نظرت ليلى إلى والدتها، ورأت في عينيها بعض القلق. كانت ليلى تعلم أن والدتها تشعر بالضياع. فهي تحب بناتها، ولكنها تخشى أن يبتعدن عن الطريق الصحيح.
"ماذا عن طارق؟" سألت ليلى، محاولةً تغيير مسار الحديث. "هل هو في المدينة الآن؟"
"لا،" قال السيد محمود. "إنه في الخارج. ولكننا سنرتب له زيارةً قريباً ليرى عروسه."
شعرت ليلى ببعض الراحة. كانت ترغب في بعض الوقت للتفكير.
بعد أن غادر السيد محمود، جلست ليلى مع والدتها.
"ما رأيكِ يا ليلى؟" سألت هدى. "طارق شابٌ طيب، وأنا أثق بأن والد ابني لن يختار إلا الأفضل لكِ."
"أمي،" قالت ليلى، وهي تتنهد. "لا أعرف. لم أقابل طارق قط. كيف يمكنني أن أتزوج رجلاً لا أعرفه؟"
"الحب يأتي مع العشرة، يا ابنتي. والأهم هو الدين والخلق."
"ولكن، ألا يجب أن أشعر بشيءٍ تجاهه؟"
"الشعور يأتي مع الوقت، يا ليلى. المهم هو أن تبني أسرةً صالحة، وأن تكوني زوجةً مطيعةً."
شعرت ليلى ببعض اليأس. كانت ترى أن هذه الأفكار لا تتناسب مع ما تقرأه في كتبها. كانت تقرأ عن قصص الحب العظيم، عن التفاهم والانسجام.
"وماذا عن أمل؟" سألت ليلى. "ماذا سيحدث لها؟"
"لا نعرف،" قالت هدى، وعيناها تلمعان بالدموع. "أخشى عليها. أخشى أن تبتعد عن ديننا."
"ولكن أمل قوية، يا أمي. إنها لا تتخذ قراراتٍ إلا بعد تفكير."
"أمل لديها عقلٌ حاد، ولكنها تفتقر إلى الحكمة. ربما ما فعلته بالسفر هو خطأ."
"ولكنها تسعى للعلم، يا أمي. أليس العلم شيئاً جيداً؟"
"العلم الشرعي في البيت، يا ليلى. وليس في تلك الجامعات التي تفتح أبوابها لكل الأفكار."
نظرت ليلى إلى والدتها، ورأت فيها خوفاً عميقاً. خوفاً من المجهول، وخوفاً من التغيير.
"وماذا عن ريما؟" سألت ليلى. "ماذا تعرفين عن رسائلها؟"
"لا أعرف شيئاً،" قالت هدى. "إنها طفلةٌ بريئة. ولكنني قلقةٌ عليها. إنها تتحدث عن شابٍ لا تعرفه. هذا ليس من عاداتنا."
شعرت ليلى بأن العائلة بأكملها تعيش في حالةٍ من القلق والاضطراب. أمل تسعى للعلم، وريما تعيش في عالمٍ سري، وليلى نفسها تواجه زواجاً لا تعرف عنه شيئاً.
"أمي،" قالت ليلى، "هل يمكنني أن أطلب منكِ شيئاً؟"
"ما هو؟"
"هل يمكنني أن ألتقي بطارق قبل أن يتم أي شيءٍ رسمي؟ فقط لنتحدث؟"
ترددت هدى قليلاً. "لا أعرف. والدكِ سيوافق على ما يراه السيد محمود مناسباً. ولكنني سأتحدث معه."
شعرت ليلى ببعض الأمل. كان هذا أول خطوةٍ لها نحو استعادة بعض السيطرة على حياتها.
في الأيام التالية، بدأت ليلى تقضي وقتاً أطول في غرفتها، تقرأ وتفكر. كانت تشعر بأنها عالقةٌ بين جيلين. جيلٌ يتمسك بالتقاليد القديمة، وجيلٌ يبحث عن مساراتٍ جديدة.
"ليلى،" نادى صوت أخيها الأصغر، عمر، من خارج غرفتها. "هل تسمحين لي بالدخول؟"
"تفضل يا عمر."
دخل عمر، وعيناه مليئتان بالحكمة. "أرى أنكِ تفكرين بعمق."
"نعم يا عمر. أشعر بأن حياتي ليست لي. وأنها تسير في مسارٍ لا أريده."
"أنا أفهمكِ، يا ليلى. ولكن لكل منا طريقه. وأمل، وريما، وأنتِ، لديكم طرقكم الخاصة."
"ولكن كيف أجد طريقي؟"
"بالتفكر، وبالدعاء، وبالاستشارة. وأهم شيء، يا ليلى، هو أن تكوني صادقةً مع نفسكِ."
"ولكن أبي وأمي يريدون لي طريقاً مختلفاً."
"هم يحبونكِ، ويريدون لكِ الخير. ولكن الخير ليس دائماً ما نتصوره. أمل تسعى للعلم، وهذا شيءٌ عظيم. وريما، ربما هناك شيءٌ ما يحدث معها، ولكنها بحاجةٍ إلى دعم. وأنتِ، يجب أن تجدي الرجل الذي يفهم روحكِ."
"ولكن طارق؟"
"طارق شخصٌ جيد، على ما يبدو. ولكن هل هو الشخص المناسب لكِ؟ هذا ما يجب أن تعرفيه بنفسكِ."
شعرت ليلى ببعض الطمأنينة. كان عمر دائماً ملاذها، وصديقها.
"هل تحدثت مع علي؟" سألت ليلى.
"لا،" قال عمر، وقد اختفت الابتسامة من وجهه. "لم أتحدث معه منذ فترة. إنه بعيدٌ عنا. ربما يبحث عن طريقه الخاص."
"هل هو بخير؟"
"لا أعرف. أتمنى ذلك."
كانت كلمات عمر تحمل بعض الغموض. لقد أدركت ليلى أن أخيها علي، الذي كان دائماً مصدر فخر العائلة، قد أصبح الآن لغزاً.
في تلك الليلة، نظرت ليلى إلى صورةٍ قديمةٍ لها ولإخوتها. كانت هي وأمل وريما وعلي، جميعهم يبتسمون، سعداء. ولكن الآن، أصبحت المسافات بينهم كبيرة، والشكوك تتزايد.
شعرت ليلى بمسؤوليةٍ كبيرة. مسؤوليةٍ تجاه نفسها، وتجاه عائلتها. كان عليها أن تجد طريقها، وأن تساعد أختيها. وأن تفهم ما يحدث مع أخيها.
كانت هذه بداية مرحلةٍ جديدة في حياة ليلى. مرحلةٌ ستجبرها على مواجهة مخاوفها، واتخاذ قراراتٍ مصيرية. وكان عليها أن تكون قويةً، قويةً بما يكفي لتواجه كل ما سيأتي.