حب أبدي الجزء الثالث

سِربُ الوَساوِس

بقلم مريم الحسن

كانت الليالي تمرُّ على "ياسين" ثقيلةً، يلفُّها سكونٌ مُرعِبٌ لا تخترقهُ إلا حفيفُ الأوراقِ في الخارجِ، وصوتُ أنفاسِهِ المُتَقطِّعِ على وسادتهِ. لم يعد النومُ صديقًا لهُ، بل صارَ عدوًا يُطاردهُ في كلِّ زاويةٍ من زوايا روحهِ. كانَ يحاولُ جاهِدًا أن يُقنِعَ نفسهُ بأنَّ ما حدثَ كانَ مجردَ سقطةٍ عابرةٍ، خطأً سَيُصلِحُهُ سريعةً. لكنَّ الظلالَ في غرفتهِ كانتْ تتراقصُ، تُشكِّلُ وجوهًا مُريبةً، تُردِّدُ في أذنيهِ كلماتٍ مُغويةً، تُذكِّرُهُ بضعفِهِ.

"إنَّها مجردُ لحظةِ ضعفٍ يا ياسين، الجميعُ يمرُّون بها." كانتْ همساتٌ خبيثةٌ تتسللُ إلى عقلهِ، تتلاعبُ بأفكارِهِ، تُبرِّرُ لهُ ما فعلهُ. "وهيَ، أليستْ سببَ كلِّ هذا؟ ألمْ تُثيرِ جنونَكَ؟"

تَوَلَّى القلقُ من "ليلى" عقلهُ. لم يكنْ يستطيعُ رؤيةَ الدمعِ في عينيها، أو الشعورَ ببردِ المسافةِ التي بدأتْ تتسعُ بينهما. كانَ يخشى أنْ يكونَ قدْ أضاعَها إلى الأبدِ. كانَ يُدركُ أنَّ ما قامَ بهِ، وإنْ لم يكنْ فعلًا مُحرَّمًا في حدِّ ذاتِهِ، إلا أنَّه كانَ سلوكًا لا يليقُ برجلٍ يُقدِّرُ امرأةً ويحترمُ مشاعرها. كانتْ "ليلى" كنزًا، جوهرةً نادرةً، وقدْ حاولَ بتهوُّرِهِ أنْ يلمسَها بيديْنِ لمْ تكونا بعدُ جاهزتينِ.

بدأَ "ياسين" ينعزلُ عنْ عالمِهِ. أبقى بابَ غرفتهِ مُغلقًا، يتجنبُ لقاءَ والديهِ. أصبحَ طعامُهُ قليلًا، وكلماتُهُ مُقتضبةً. كانتْ والدتهُ، السيدة "أمينة"، تشعرُ بقلقٍ عميقٍ على ابنها. كانتْ تلمحُ التغييرَ في هيئتِهِ، في عينيهِ التي فقدتْ بريقَها. حاولتْ أكثرَ من مرةٍ أنْ تتحدثَ إليهِ، أنْ تعرفَ ما يُعانيهِ، لكنَّهُ كانَ يُراوغُها بابتسامةٍ باهتةٍ، أو بكلمةٍ سريعةٍ تُنهي الحوارَ.

"يا بني، هلْ أنتَ بخيرٍ؟ أرى وجهكَ شاحبًا، ونظراتكَ شاردةً." كانتْ تقولُ ذلكَ بصوتٍ حنونٍ، وهيَ تمسحُ على شعرهِ. "كلُّ شيءٍ على ما يرام يا أمي، مجردُ بعضِ التفكيرِ في العملِ." كانَ يجيبُ، وعيناهُ مثبتتانِ على نقطةٍ بعيدةٍ، كأنَّهُ يبحثُ عنْ مخرجٍ منْ دوامةِ أفكارِهِ.

في أحدِ الأيامِ، بينما كانَ "ياسين" يتصفحُ هاتفهُ، لمْ يستطعْ مقاومةَ إغراءٍ قديمٍ. كانَ قدْ وعدَ نفسهُ بألا يعودَ إليهِ أبدًا، لكنَّ الضعفَ تسللَ إليهِ مرةً أخرى. نقرَ على اسمٍ مألوفٍ، اسمٌ كانَ يُثيرُ في نفسهِ خليطًا منَ الإثارةِ والقلقِ. كانتْ "سارة".

"كيفَ حالكَ يا "ياسين"؟" وصلتهُ الرسالةُ سريعًا، تحملُ في طياتها نبرةً مُتعمِّدةً في الدفءِ. تَردَّدَ "ياسين" لحظةً، ثمَّ كتبَ: "بخيرٍ." "لستُ مقتنعةً. تبدو ليَ ضائعًا." "ربما." "هلْ تفتقدُ الحديثَ معي؟" "لا أعرفُ." "أنا أفتقدُكَ."

كانتْ تلكَ الكلماتُ بمثابةِ الوقودِ الذي أشعلَ نارَ الشكِّ والفتنةِ في قلبِ "ياسين". كانَ يعلمُ أنَّ استمرارَ هذا التواصلِ سيُضرُّ بهِ، وسيُضرُّ بـ"ليلى" أكثرَ. لكنَّ الشعورَ بالوحدةِ، والشعورَ بأنَّهُ ما زالَ مرغوبًا، كانا أقوى منْ قوتهِ.

بدأتْ الرسائلُ تتوالى، تزدادُ جرأةً، تحملُ تلميحاتٍ خبيثةً. كانتْ "سارة" تُذكِّرُهُ بالأوقاتِ التي قضاها معها، بالضحكاتِ، بالمشاعرِ التي ادَّعتْ وجودَها. كانتْ تُحاولُ أنْ تُقنعَهُ بأنَّ علاقتهُ بـ"ليلى" ليستْ سوى مرحلةٍ عابرةٍ، وأنَّ ما بينهُ وبينها هوَ "الحبُّ الحقيقيُّ".

كانَ "ياسين" يشعرُ بالذنبِ، لكنَّهُ في الوقتِ نفسِهِ كانَ يشعرُ ببعضِ الراحةِ. كانتْ "سارة" تُقدِّمُ لهُ هروبًا مؤقتًا منْ واقعهِ المُعقَّدِ. كانتْ تُشعِرُهُ بأنَّهُ ما زالَ قادرًا على جذبِ انتباهِ النساءِ، وأنَّهُ لمْ يفقدْ كلَّ شيءٍ.

في أحدِ الأيامِ، أرسلتْ لهُ "سارة" صورةً. صورةٌ لها، وهيَ ترتدي ثوبًا مُلفتًا، تبتسمُ ابتسامةً جريئةً. كتبَتْ تحتَها: "هلْ تتذكرُ هذا؟" شعرَ "ياسين" بقلبهِ يزدادُ نبضًا. كانتْ الصورةُ تُثيرُ فيهِ مشاعرَ قويةً، مشاعرَ كانَ يُحاولُ قمعَها. لكنَّها كانتْ متمردةً، تتسربُ إلى وعيهِ رغمًا عنهُ.

"لا ينبغي لنا فعلُ هذا." كتبَ، مُحاولًا أنْ يُظهرَ بعضَ الحزمِ. "لكنَّكَ تُريدُهُ، أليسَ كذلكَ؟" ردَّتْ. "أرى ذلكَ في عينيكَ كلَّما قابلتُكَ."

لمْ يستطعْ "ياسين" إنكارَ ما شعرتْ بهِ "سارة". كانتْ تتقنُ قراءةَ ما يدورُ في عقلهِ. كانتْ تعرفُ نقاطَ ضعفهِ، وتستخدمُها ببراعةٍ.

في تلكَ الليلةِ، لمْ يستطعْ "ياسين" النومَ مطلقًا. كانَ يتقلبُ في فراشهِ، وروحهُ تتصارعُ. كانَ يُدركُ أنَّهُ يسيرُ على حافةِ الهاويةِ. كانَ يُدركُ أنَّهُ إذا سمحَ لـ"سارة" بالتغلغلِ أكثرَ في حياتهِ، فسيُدمِّرُ كلَّ شيءٍ بناهُ. سيُدمِّرُ علاقتهُ بـ"ليلى"، وسيقضي على فرصةِ سعادتهِ الأبديةِ.

نظرَ إلى هاتفهِ، إلى الرسالةِ الأخيرةِ منْ "سارة". كانتْ تتضمنُ دعوةً للقاءٍ. دعوةٌ صريحةٌ، مُغريةٌ. كانتْ تُقدِّمُ لهُ منفذًا، خلاصًا مؤقتًا منْ عبءِ ذنبهِ وقلقهِ. لكنَّهُ كانَ يعلمُ أنَّ هذا المنفذَ هوَ فخٌّ، وأنَّ هذهِ الراحةَ المؤقتةَ ستُؤدي بهِ إلى جحيمٍ أشدَّ.

تَأَمَّلَ وجهَ "ليلى" في خيالهِ، وجهَها البريءَ، قلبها الطيبَ. تذكَّرَ وعدهُ لها، ووعدَ اللهِ لهُ. هلْ سيُبَدِّدُ كلَّ هذا منْ أجلِ لحظةِ ضعفٍ؟ منْ أجلِ وهمٍ زائلٍ؟

صوتُ في داخلهِ بدأَ يُقاومُ أصواتَ "سارة" الخبيثةَ. صوتٌ يُذكِّرُهُ بقيمِهِ، بأخلاقِهِ، بمنْ هوَ حقًا. كانَ صوتَ ضميرهِ، صوتَ رجولتهِ، صوتَ إيمانهِ.

"لا يا "ياسين". ليسَ هذا أنتَ." همسَ لنفسِهِ. "يجبُ أنْ تتوقفَ الآنَ، قبلَ فواتِ الأوانِ."

لكنَّ الإدمانَ، وخاصةً إدمانَ إرضاءِ الذاتِ، كانَ قويًا. كانَ يُمارسُ عليهِ سطوتهُ، يُحاولُ أنْ يُخمدَ صوتَ ضميرهِ.

في تلكَ اللحظةِ، سمعَ صوتَ والدهِ يُناديهِ منْ الخارجِ. صوتٌ حنونٌ، يحملُ دفءَ الأبوةِ. شعرَ "ياسين" بلحظةِ شحنٍ، شعورٍ بالأملِ. هلْ يستطيعُ أنْ يستمدَّ القوةَ منْ علاقتهِ بوالدهِ، منْ دعواتِ والدتهِ؟

كانَ أمامهُ خيارانِ، طريقانِ مُتَعاكسانِ. طريقٌ يقودُهُ إلى الظلامِ، وطريقٌ يُمكنُ أنْ يُعيدَ لهُ النورَ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%