حب أبدي الجزء الثالث
مَدى العَينَينِ
بقلم مريم الحسن
ارتعشَ قلبُ "ياسين" عندَ سماعِ صوتِ والدهِ. بدا الصوتُ وكأنَّهُ نداءٌ منْ عالمٍ آخرَ، عالمٍ كانَ قدْ بدأَ يبتعدُ عنهُ تدريجيًا. نهضَ منْ سريرهِ، وتوجهَ نحو البابِ، مترددًا. كانَ يخشى أنْ يرى والداهُ الضوءَ الخافتَ الذي بدأَ يُطلُّ منْ نافذتهِ، الظلامَ الذي كانَ يُحاولُ إخفاءهُ.
"قادمٌ يا أبي!" أجابَ بصوتٍ مرتجفٍ، مُحاولًا أنْ يُخفيَ ما كانَ يُعانيهِ. خرجَ منْ غرفتهِ، لِيُقابلَ والدَهُ، الحاج "أحمد"، واقفًا في ممرِّ المنزلِ، بوجهٍ حملَ مزيجًا منَ الودِّ والقلقِ. كانَ الحاج "أحمد" رجلًا ذا هيبةٍ، ذو لحيةٍ بيضاءَ تُضفي عليهِ وقارًا، وعينينِ تحملانِ حكمةَ السنينِ.
"يا بني، لمْ أراكَ منذُ الصباحِ. هلْ أنتَ بخيرٍ؟" سألَ الحاج "أحمد"، وهوَ يضعُ يدهُ على كتفِ "ياسين". شعرَ "ياسين" بدفءِ يدِ والدهِ، وكأنَّها تُطفئُ بعضَ نارِ القلقِ التي كانتْ تُشعلُ صدرهُ. "نعم يا أبي، بخيرٍ. كنتُ فقطْ أُفكرُ في بعضِ الأمورِ."
"العملُ؟" "نعم، العملُ." أجابَ "ياسين"، وهوَ يعرفُ أنَّهُ يكذبُ.
كانَ الحاج "أحمد" رجلًا يُقدِّرُ الصدقَ والوضوحَ، لكنَّهُ كانَ أيضًا رجلًا مُتفهِّمًا. لمْ يُردْ أنْ يُفْرِضَ على ابنهِ، بلْ أرادَ أنْ يُعطيهِ المساحةَ التي يحتاجها. "حسنًا يا بني، إذا كانَ هناكَ شيءٌ يُزعجُكَ، فلا تترددْ في التحدثِ إليَّ. أنتَ تعرفُ أنَّ بابي دائمًا مفتوحٌ لكَ."
ابتسمَ "ياسين" ابتسامةً باهتةً. "شكرًا لكَ يا أبي." "والدتكَ أعدَّتْ عشاءً خفيفًا. هيا بنا، لعلَّ الطعامَ يُعيدُ إليكَ بعضَ نشاطكَ."
تبعَ "ياسين" والدهُ إلى غرفةِ الطعامِ. كانتْ والدتهُ، السيدة "أمينة"، تجلسُ على رأسِ الطاولةِ، ووجهها يشعُّ بالحنانِ. فورَ أنْ رأتْ "ياسين"، أشرقتْ عيناها.
"أهلاً بضيوفِ العشاءِ!" قالتْ بمرحٍ. "كنتُ أخشى أنْ تأتيَ وحدكَ يا "ياسين"." جلستْ "ليلى" بجوارِ والدتها، تبدو شاحبةً بعضَ الشيءِ. عندما رأتْ "ياسين"، أرسلتْ إليهِ ابتسامةً خجولةً. لمْ تتكلمْ كثيرًا، لكنَّ عينيها كانتا تُعبِّرانِ عنْ مشاعرَ عميقةٍ.
كانَ "ياسين" يشعرُ بثقلِ نظراتِهم. كانَ يُدركُ أنَّهم يُحبونَهُ، ويُحبونَ "ليلى" ويريدونَ لها السعادةَ. هذا الوعيُ كانَ يُشكِّلُ ضغطًا إضافيًا عليهِ.
تناولوا العشاءَ في صمتٍ مُريحٍ في البدايةِ. كانتْ السيدة "أمينة" تحاولُ كسرَ الصمتِ ببعضِ الأحاديثِ العاديةِ عنْ أحوالِ العائلةِ والأصدقاءِ، لكنَّ "ياسين" كانَ يُجيبُ باقتضابٍ.
عندما انتهى العشاءُ، اعتذرَ "ياسين" عنْ مساعدتهمْ في تنظيفِ المطبخِ، وطلبَ العودةَ إلى غرفتهِ. لمْ يعترضْ أحدٌ. كانوا يُدركونَ أنَّهُ بحاجةٍ إلى مساحتهِ.
عادَ "ياسين" إلى غرفتهِ، لكنَّهُ لمْ يستطعْ إغلاقَ البابِ بالكاملِ. تركَ شقًا صغيرًا، يبدو أنَّهُ يبحثُ عنْ سبيلٍ للخروجِ منْ محبسِهِ الداخليِّ. تناولَ هاتفهُ مرةً أخرى. كانتْ رسالةُ "سارة" لا تزالُ هناكَ، تتوهَّجُ في الظلامِ.
"لمْ تتصلْ بي. هلْ نسيتَني؟" شعرَ "ياسين" بارتباكٍ. كانَ قدْ وعدَ نفسهُ بأنْ يُنهيَ هذا الأمرَ. لكنَّ الشكَّ بدأَ يتسللُ إلى عقلهِ مرةً أخرى. هلْ سيُحسِنُ فعلًا بالتوقفِ؟ أمْ أنَّهُ سيُفَوِّتُ شيئًا مهمًا؟
"لا، لمْ أنسَكِ." كتبَ، مُدركًا أنَّ هذهِ الكلماتُ كافيةٌ لفتحِ البابِ منْ جديدٍ. "إذًا، متى سنلتقي؟" "لا أعتقدُ أنَّ هذا ممكنٌ." "لماذا؟ هلْ تخافُ؟"
كانتْ كلمةُ "تخافُ" كالصاعقةِ. كانتْ تعرفُ كيفَ تُلامسُ كبرياءهُ. "أنا لا أخافُ." كتبَ. "إذًا، أثبتْ لي ذلكَ."
تَوَلَّى الصراعُ عقلَ "ياسين". كانَ يُدركُ أنَّهُ في دوامةٍ. كلَّما حاولَ الخروجَ، كانتْ "سارة" تُحكمُ قبضتها. كانتْ تُدركُ نقاطَ ضعفهِ، وتُركِّزُ عليها.
في تلكَ الأثناءِ، كانتْ "ليلى" تجلسُ في غرفتها، تُفكِّرُ في "ياسين". كانتْ تشعرُ بالمسافةِ التي بدأتْ تبتعدُ بينهما. كانتْ ترى التغييرَ في عينيهِ، في حديثهِ. لمْ تكنْ تعرفُ السببَ، لكنَّها كانتْ تشعرُ بالخوفِ.
تذكرتْ الأيامَ الأولى لتعارفهما، حينَ كانَ "ياسين" يُقابلُها بابتسامةٍ دافئةٍ، وعينينِ تُشعَّانِ بالإعجابِ. كانتْ تشعرُ بأنَّهُ يراها حقًا، يسمعُها حقًا. الآنَ، كانتْ تشعرُ بأنَّهُ في عالمٍ آخرَ.
"هلْ فقدتُه؟" تساءلتْ بصوتٍ خافتٍ. "هلْ أخطأتُ في شيءٍ؟" كانتْ تُفكرُ في حديثها الأخيرِ معه، حينَ حاولتْ أنْ تسألهُ عنْ ما يُزعجُهُ، لكنَّهُ كانَ مُتحفظًا.
"ربما يجبُ عليَّ أنْ أكونَ أكثرَ جرأةً." قالتْ لنفسها. "يجبُ أنْ أفهمَ ما يحدثُ." فتحتْ هاتفهَا، ونظرتْ إلى صورةِ "ياسين" التي احتفظتْ بها. وجههُ المبتسمُ، عيناهُ الجذابتانِ. أحسَّتْ بشوقٍ عارمٍ إليهِ.
لكنَّها لمْ تكنْ تعرفُ ما يجبُ عليها فعلُهُ. هلْ يجبُ عليها أنْ تواجههُ؟ أمْ أنْ تُعطيهِ المزيدَ منَ الوقتِ؟
في تلكَ الليلةِ، كانَ "ياسين" يُصارعُ الشكَّ. كانتْ رسائلُ "سارة" تتوالى، كلُّ رسالةٍ تُغذِّي ضعفهُ. كانَ يُدركُ أنَّهُ يُهدِّدُ كلَّ شيءٍ. كانَ يُدركُ أنَّهُ يُدمِّرُ ليسَ فقطْ علاقتهُ بـ"ليلى"، بلْ أيضًا سمعتهُ، وقيمتهُ في نظرِ نفسهِ.
"سأذهبُ إلى هناكَ." كتبَ، مُدركًا فورًا خطورةَ ما قالَ. "أنا في انتظاركَ." جاءَ الردُّ سريعًا، معَ عنوانٍ وموعدٍ.
شعرَ "ياسين" برعشةٍ تسري في جسدهِ. كانَ قدْ اتخذَ القرارَ. قرارًا سيُغيرُ مجرى حياتهِ. كانَ قرارًا مليئًا بالخطورةِ، لكنَّهُ في الوقتِ نفسِهِ كانَ يُشعرُهُ بلحظةِ وضوحٍ، ولو كانتْ هذهِ الوضوحُ مُظلِمةً.
نظرَ إلى نافذتهِ، إلى السماءِ المُظلِمةِ. هلْ كانَ هناكَ نورٌ في نهايةِ هذا النفقِ؟ أمْ أنَّهُ كانَ يغوصُ أعمقَ في الظلامِ؟