حب أبدي الجزء الثالث
حِبالٌ مُتَشابِكَة
بقلم مريم الحسن
كانَ الهواءُ الباردُ يُداعبُ وجنتيهِ، لكنَّ "ياسين" لمْ يشعرْ بهِ. كانَ عقلهُ يُحلقُ بعيدًا، مُرتبكًا، مُتشوِّقًا، وخائفًا في آنٍ واحدٍ. اختارَ أنْ يقودَ سيارتهُ بنفسهِ، تاركًا وراءهُ دفءَ المنزلِ، وهمساتَ والديهِ، ونظراتِ "ليلى" المُقلقةِ. كانَ هذا الهروبُ المُتعمَّدُ هوَ الخطوةُ الأولى نحو الهاويةِ.
سارَ بسيارتهِ في شوارعَ بالكادِ تُضيئُها المصابيحُ القديمةُ. كلُّ شجرةٍ، كلُّ حائطٍ، بدا كأنَّهُ يُراقبُهُ، يُحذِّرُهُ. كانتْ روحهُ تتصارعُ معَ نفسهِ. كانتْ لحظةُ نصرٍ للضعفِ، ولحظةُ انهيارٍ للقيمِ.
وصلَ إلى العنوانِ الذي أرسلتْهُ "سارة". كانَ مكانًا مُختلفًا تمامًا عنْ عالمهِ. مكانٌ يحملُ عبقَ العطورِ الغريبةِ، وأصواتَ الموسيقى التي لمْ يألفها. كانَ بيتًا صغيرًا، يبدو مُنعزلًا عنْ صخبِ المدينةِ.
تردَّدَ "ياسين" أمامَ البابِ. شعرَ بقلبِهِ ينبضُ بسرعةٍ جنونيةٍ، وكأنَّهُ يُحاولُ الفرارَ منْ صدرهِ. أغمضَ عينيهِ للحظةٍ، واستجمعَ أنفاسهُ. ثمَّ فتحَ البابَ ودخلَ.
كانتْ "سارة" تنتظرهُ. كانتْ تبدو مُختلفةً عنْ آخرِ مرةٍ رآها. شعرُها مُنسدلٌ على كتفيها، وثوبٌ حريريٌّ يلتفُّ حولَ جسدها، يُظهرُ جمالَها بطريقةٍ جريئةٍ. ابتسمتْ لهُ ابتسامةً واسعةً، ابتسامةٌ تحملُ كلَّ معاني الإغراءِ.
"توقعتُ أنْ تأتيَ." قالتْ بصوتٍ ناعمٍ، كأنَّهُ همسٌ في أذنِهِ. لمْ يستطعْ "ياسين" الكلامَ. شعرَ بأنَّ الكلماتِ قدْ جفتْ في حلقهِ. كانتْ عيناهُ تتجولانِ في المكانِ، تُحاولانِ إيجادَ أيِّ مخرجٍ، أيِّ بصيصِ نورٍ.
"تفضَّلْ، اجلسْ." أشارتْ إلى أريكةٍ مُريحةٍ. جلسَ "ياسين" بحذرٍ، وشعرَ ببرودةِ الجلدِ تحتَ يديهِ. كانَ يشعرُ وكأنَّهُ في حلمٍ غريبٍ، حلمٌ لا يُمكنُهُ السيطرةُ عليهِ.
"هلْ تريدُ شيئًا للشربِ؟" سألتْ "سارة"، وهيَ تقتربُ منهُ. "لا، شكرًا." أجابَ بصوتٍ مُنخفضٍ.
جلستْ "سارة" بجانبهِ، وبدأتْ تتحدثُ إليهِ. لمْ تكنْ تتحدثُ عنْ الحبِّ أوِ المشاعرِ الصادقةِ، بلْ كانتْ تتحدثُ عنْ الرغبةِ، عنِ الإثارةِ، عنِ اللحظاتِ التي لا تُنسى. كانتْ تُذكِّرُهُ بما كانَ يُحبُّهُ فيها، بما كانَ يُشعِرُهُ بأنَّهُ حيٌّ.
"تذكرُ تلكَ الليلةَ؟" قالتْ، وهيَ تضعُ يدها على ذراعهِ. ارتعشَ "ياسين" تحتَ لمستها. تذكَّرَ تلكَ الليلةَ، وتذكَّرَ كلَّ ما حدثَ فيها. شعرَ بالذنبِ يتكاثرُ في صدرهِ، لكنَّهُ في الوقتِ نفسِهِ، كانَ هناكَ شيءٌ آخرُ يُحاولُ السيطرةَ عليهِ.
"أنا... لا يجبُ أنْ أكونَ هنا." قالَ "ياسين"، مُحاولًا أنْ يُقنعَ نفسهُ قبلَ أنْ يُقنعَها. "ولماذا؟ هلْ أنتَ مُرتبطٌ؟" سألتْ "سارة"، وعيناها تُحدِّقانِ فيهِ. "لديَّ خطيبةٌ." أجابَ "ياسين"، وشعرَ بثقلِ الكلمةِ.
"آه، خطيبةٌ." قالتْ "سارة" بابتسامةٍ ساخرةٍ. "وهلْ أنتَ سعيدٌ معها؟ هلْ تُحبُّها حقًا؟" توقَّفَ "ياسين" عنِ الكلامِ. لمْ يستطعْ أنْ يُجيبَ. كانتْ تلكَ الأسئلةُ تُفجرُ الألغامَ في عقلهِ.
"أنا أعرفُ ما تريدُهُ يا "ياسين"." قالتْ، وهيَ تقتربُ أكثرَ. "أنتَ تبحثُ عنْ شيءٍ يُشعِلُكَ، عنْ شيءٍ يجعلكَ تشعرُ بأنَّكَ رجلٌ." كانتْ كلماتها كالحريقِ الذي ينتشرُ في جسدهِ. كانتْ تُحفِّزُ فيهِ رغباتٍ كامنةً، رغباتٍ كانَ يُحاولُ قمعَها.
"هذا ليسَ صحيحًا." قالَ "ياسين"، لكنَّ صوتَهُ كانَ ضعيفًا. "أنتَ تعرفُ أنَّني أقولُ الحقيقةَ." همستْ، وهيَ تُمرِّرُ أصابعها على عنقِهِ.
شعرَ "ياسين" بضعفٍ شديدٍ. كانَ يشعرُ بأنَّهُ يفقدُ السيطرةَ على نفسهِ. كانتْ "سارة" تُتقنُ فنَّ الإغواءِ، وتُستخدمُ معرفتها بنقاطِ ضعفهِ ببراعةٍ.
"يجبُ أنْ أذهبَ." قالَ "ياسين"، مُحاولًا النهوضَ. "إلى أينَ؟" سألتْ "سارة"، وهيَ تُمسكُ بيدهِ. "هلْ إلى خطيبتِكَ؟ هلْ ستُخبرها بما فعلتَ؟" تجمَّدَ "ياسين" في مكانِهِ. كانتْ هذهِ هيَ النقطةُ التي كانَ يخافُ منها. كانتْ "سارة" تُهدِّدُهُ، وتُمارسُ عليهِ ضغطًا شديدًا.
"رجاءً، اتركي يدي." قالَ "ياسين". "لماذا؟ هلْ أنتَ خائفٌ منْ أنْ تقعَ في فخِّي؟" "أنا... أنا لستُ خائفًا." كذبَ "ياسين".
كانَ الوقتُ يتسللُ. كانَ يشعرُ بأنَّهُ مُحاصرٌ. كانتْ "سارة" تُحكمُ قبضتها عليهِ، وتُشعِلُ فيهِ نارًا لمْ يستطعْ إخمادَها.
"أنا أريدُكَ يا "ياسين"." قالتْ "سارة"، وعيناها تُشعَّانِ بريقًا خبيثًا. "وأنتَ تعرفُ أنَّكَ تريدُني أيضًا."
شعرَ "ياسين" بأنَّهُ يقفُ على حافةِ الهاويةِ. كانَ يُدركُ أنَّهُ في لحظةٍ حاسمةٍ. لحظةٌ سيُحددُ فيها مصيرهُ. هلْ سيستسلمُ لضعفهِ، أمْ سيُقاومُ؟
في خيالهِ، رأى وجهَ "ليلى" البريءَ، وجهَ والدتهِ الحنونَ، وجهَ والدهِ الحكيمَ. هلْ يستطيعُ أنْ يُخيبَ أملَهم؟ هلْ يستطيعُ أنْ يُدمِّرَ كلَّ شيءٍ بناهُ؟
"لا." همسَ "ياسين" لنفسِهِ. "لنْ أفعلَ ذلكَ." استجمعَ كلَّ ما تبقَّى لديهِ منْ قوةٍ. هزَّ رأسهُ، ونظرَ إلى "سارة" بعينينِ تحملانِ تصميمًا جديدًا.
"لا يا "سارة". أنا لنْ أستسلمَ لضعفي. أنا لنْ أخونِ منْ أُحبُّ." كانتْ كلماته صادقةً، وحاسمةً. شعرتْ "سارة" بالمفاجأةِ، ثمَّ بالغضبِ.
"أتُفكرُ في خطيبتِكَ؟" سألتْ بتهكُّمٍ. "أنا أُفكرُ في نفسي، وفي مستقبلي." قالَ "ياسين". "وأنا لنْ أدعَكِ تُدَمِّرينَ كلَّ شيءٍ."
نهضَ "ياسين" منْ مكانِهِ. كانَ يشعرُ بأنَّهُ قدْ تحرَّرَ منْ سجنٍ. سجنٍ بناهُ بنفسهِ. "أنا ذاهبٌ." قالَ. "ولا تتواصلي معي مرةً أخرى."
كانتْ "سارة" تُحدِّقُ فيهِ، وعيناها تُشعَّانِ بالغضبِ. لمْ تكنْ تتوقعُ هذهِ المقاومةَ.
خرجَ "ياسين" منْ المنزلِ، وتوجَّهَ نحو سيارتهِ. كانَ الهواءُ الخارجيُّ باردًا، لكنَّهُ كانَ يُشعِرُهُ بالانتعاشِ. لقدْ اختارَ الطريقَ الصحيحَ. طريقَ النورِ.
لكنَّهُ كانَ يعلمُ أنَّ المعركةَ لمْ تنتهِ بعدُ. كانتْ تلكَ مجردَ بدايةِ رحلةٍ طويلةٍ نحو التوبةِ، وربما نحو استعادةِ الثقةِ.