حب أبدي الجزء الثالث

لمحات من الماضي وتحديات الحاضر

بقلم مريم الحسن

بينما كانت نسمات الصباح الرقيقة تتسلل عبر نوافذ غرفة المعيشة، مزينةً أركان البيت بعبق الياسمين المتسلق، استيقظت سارة وقلبها يخفق مزيجًا من السعادة المكتملة والقلق الدفين. كانت قد أمضت ليلة هانئة بجوار زوجها الغالي، أحمد، شعرت فيها بالأمان المطلق والدفء الذي طالما اشتاقت إليه. ولكن، مع بزوغ شمس يوم جديد، بدأت تتسلل إليها همسات من الماضي، ذكريات لم تكتمل بعد، وأسئلة ظلت بلا إجابة.

تأملت وجه أحمد النائم، الساكن والمتفائل، ورسمت على شفتيها ابتسامة خجولة. كان وجوده نعمة عظيمة، هبة من السماء قلبت حياتها رأسًا على عقب، وحولتها من سحابة رمادية إلى سماء صافية. كان حبها له عميقًا، راسخًا كجذور شجرة سنديان عتيقة، ولكنه كان حبًا لا يزال يشوبه بعض الغموض، بعض الأسرار التي لم تبح بها له بعد، والتي كانت تشكل عبئًا خفيًا على روحها.

تذكرت حديث والدتها قبل الزواج، كلمات تحمل بين طياتها تحذيرات مبطنة ونصائح غامضة حول ضرورة فهم الرجل الذي سترتبط به، ليس فقط ما يظهره، بل ما يخفيه خلف واجهته الهادئة. كانت والدتها، السيدة فاطمة، امرأة ذات بصيرة ثاقبة، ورغم حبها الشديد لابنتها، إلا أنها كانت دائمًا ترى ما هو أبعد من الظاهر. "يا ابنتي، لكل إنسان صفحات طويت، ولكل قلب أسرار خبئت. اعرفي زوجك حق المعرفة، ليس فقط في لحظات السعادة، بل في مواجهة التحديات."

كانت سارة قد وعدت نفسها بأن تكون صريحة تمامًا مع أحمد، وأن تبني حياتهما على أساس من الثقة والشفافية. ولكن، كان هناك شيء ما يتعلق بوالده، السيد إبراهيم، الذي كان يزورهم بين الحين والآخر، تاركًا وراءه هالة من الغموض والانطباعات المتناقضة. كان رجلاً له حضوره القوي، كلماته محسوبة، وعيناه تحملان قصصًا لم تُروَ. كانت تشعر بأن إبراهيم يخفي شيئًا عن أحمد، شيئًا قد يؤثر على علاقتهما، وربما على حياتهما بأكملها.

نهضت بهدوء، وارتدت عباءة نوم فضفاضة، واتجهت نحو المطبخ لإعداد فطور بسيط. بين تحضير الشاي ووضع قطع الجبن على الخبز، مرت أمام عينيها صورة لوالدة أحمد، السيدة نورة، التي توفيت قبل سنوات. كانت سارة لم تعرفها حق المعرفة، لكنها سمعت عنها الكثير من أحمد، سمعت عن لطفها، عن حكمتها، وعن حبها الكبير لعائلتها. هل كانت نورة تعلم شيئًا عن هذا السر الذي يخفيه إبراهيم؟ وهل كانت تحاول أن تحذر ابنها بطريقة ما؟

كانت هناك رسالة قديمة وجدتها سارة بين متعلقات جدتها، رسالة غامضة لم تستطع فهم فحواها تمامًا، كانت تحمل توقيعًا غريبًا، ولكنها شعرت بأنها قد تكون مرتبطة بوالدة أحمد. كانت الرسالة تتحدث عن "دين قديم" و"أمانة يجب حفظها". لم يكن الأمر واضحًا، ولكنها كانت تلك الشرارة التي أشعلت فضولها، ودفعها للبحث عن إجابات.

بينما كانت تتأمل كوب الشاي الساخن، سمعت صوت أحمد يتسلل من غرفة النوم. "صباح الخير يا حبيبتي."

التفتت إليه مبتسمة، وقد غمر قلبها شعور بالامتنان. "صباح النور يا زوجي العزيز. هل نمت جيدًا؟"

اقترب منها، واحتضنها بحنان، قبلة خفيفة على جبينها. "أفضل نوم بعد أن أصبحتِ لي. ماذا أعددتِ لنا؟ رائحة الشاي تبعث على الراحة."

جلسا يتناولان فطورهما، وتبادلا الأحاديث الهادئة عن خططهما لليوم. كان أحمد متحمسًا لمشروعه الجديد، وهو بناء مركز تعليمي للأطفال الأيتام في إحدى القرى النائية. كانت هذه الرغبة في العطاء والتطوع شيئًا تقدّره سارة كثيرًا في أحمد، وكانت دائمًا تشجعه على تحقيق أحلامه النبيلة.

"لقد تحدثت مع المهندس المسؤول عن المشروع هذا الصباح، ووضعنا الخطوط العريضة للميزانية. كل شيء يسير على ما يرام، ولكنني أحتاج إلى بعض المساعدة منكِ في تصميم المساحات الداخلية. أعرف كم أن ذوقك رفيع في هذا المجال." قال أحمد وهو يتناول قطعة خبز.

شعرت سارة بسعادة غامرة، فهذا هو أحمد الذي أحبته، الرجل ذو القلب الكبير، والطموح النبيل. "بالطبع يا حبيبي، سأساعدك بكل سرور. أحب أن أشارك في شيء كهذا، خاصةً وأنه سيخدم أبناءنا الأبرياء."

في طريقها إلى العمل، الذي كانت تعمل فيه كمصممة ديكور في إحدى الشركات الكبرى، كانت سارة تفكر في تلك الرسالة القديمة. قررت أن تبدأ بحثها عن الحقيقة من حيث يمكن أن تكون الإجابات موجودة. سيكون عليها زيارة مكتبة قديمة في وسط المدينة، حيث سمعت أن هناك قسمًا خاصًا بالمخطوطات والوثائق التاريخية. ربما تجد هناك ما يساعدها على فك رموز تلك الرسالة الغامضة.

في المساء، بينما كانت تتناول العشاء مع أحمد، تناول الحديث موضوع والده. "سأزور أبي غدًا بعد صلاة الظهر. إنه يبدو قلقًا بعض الشيء هذه الأيام، أتمنى ألا يكون الأمر متعلقًا بعمله."

تظاهرت سارة باللامبالاة، ولكن قلبها بدأ ينقبض. "هل يبدو عليه المرض؟"

"لا، ليس مرضًا جسديًا، بل هو شيء في روحه. كأن ثقلًا يحمله. كنت أتمنى أن يكون أخي الأكبر، خالد، هنا ليرافقه. لكنه لا يزال في سفره."

كان خالد، شقيق أحمد الأكبر، يعيش ويعمل في بلد عربي آخر، وكانت غيابه يترك فراغًا كبيرًا في حياة أحمد، خاصةً في هذه الفترة التي شعر فيها بالعبء.

نظرت سارة إلى أحمد، وشعرت بمسؤولية مضاعفة. لم تكن مجرد زوجة، بل أصبحت جزءًا من عائلته، ومن واجبها أن تحميهم. كانت تعلم أن الكشف عن أي سر يتعلق بوالده قد يكون مؤلمًا، ولكنه ضروري لبناء مستقبل خالٍ من الظلال.

بعد العشاء، بينما كان أحمد يقرأ أحد الكتب، جلست سارة بجانبه، ومسكت بيده. "أحمد، هل تثق بي؟"

نظر إليها بعينين مليئتين بالحب، وابتسامة دافئة. "أكثر من نفسي يا سارة. لماذا هذا السؤال؟"

"لأن هناك شيئًا ما أريد أن أتحدث معك فيه، شيئًا يتعلق بوالدك، وبأمر قديم. ولكنني احتاج إلى أن أعرف أنك مستعد لسماع كل شيء، مهما كان."

تجمد أحمد قليلاً، ثم ضغط على يدها. "قولي ما لديكِ يا حبيبتي. أذناي وقلبي مفتوحان لكِ."

أخذت سارة نفسًا عميقًا، وشعرت بأنها على وشك أن تخطو أولى خطواتها نحو كشف الحقيقة، حقيقة قد تغير مسار حياتهما إلى الأبد. كان الفصل الأول من رحلة البحث عن الماضي قد بدأ للتو، وكانت نهايته مجهولة، مشوقة، تحمل في طياتها وعودًا بالتغيير، وإمكانية للمواجهة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%