حب أبدي الجزء الثالث
عبق الذكريات ومواجهة الحقيقة
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، كان الهواء يحمل معه برودة لطيفة، تذكيرًا بأن فصل الصيف قد بدأ يلوح في الأفق. ارتدت سارة ثيابًا محتشمة وأنيقة، ووضعت لمسة خفيفة من العطر الهادئ، واستعدت للخروج. كان قلبها يخفق بقوة، ليس فقط من الترقب لمواجهة والد أحمد، بل أيضًا من أجل البحث عن أدلة في المكتبة القديمة.
اتجهت أولاً إلى المكتبة. كانت تلك المكتبة، التي تقع في قلب المدينة القديمة، كنزًا دفينًا من المعرفة، مبنى حجري عتيق تحيط به رائحة الورق القديم والغبار المعتق. بعد استئذان أمين المكتبة، الذي كان رجلًا مسنًا ذو لحية بيضاء وعينين تبدوان وكأنهما رأتا عصورًا، انصرفت إلى قسم المخطوطات.
كانت الأرفف تعج بالكتب القديمة، والمجلدات الجلدية المهترئة. قضت سارة ساعات في البحث، تتفحص الوثائق بعناية فائقة، وتقرأ العناوين الغريبة، والخطوط العربية المعقدة. كانت تشعر وكأنها تتجسس على أرواح غائبة، تستمع إلى همسات الماضي.
وفجأة، وبين كومة من الوثائق المتعلقة بتاريخ العائلات العريقة في المنطقة، وقعت عيناها على مغلف قديم. كان يحمل نفس التوقيع الغريب الذي رأته على الرسالة التي وجدتها. تجمد الدم في عروقها. بحذر شديد، فتحت المغلف. بداخله ورقة صفراء، كانت تحمل كتابة يدوية أنيقة، ولكنها متعبة.
كانت الرسالة هذه المرة موجهة إلى "نورة العزيزة". بدأت سارة تقرأ بصوت خافت، وكل كلمة كانت تحمل وزنًا أثقل من سابقتها. كانت الرسالة تتحدث عن "ابن لم يولد بعد"، وعن "عهد مقدس" يجب أن يُحافظ عليه. كانت تشير إلى "ثروة عائلة مخفية" و"مخاطر تهددها". وكان اسم "إبراهيم" يتردد في عدة فقرات، ولكن بلهجة غريبة، تحمل شيئًا من الشفقة والأسف.
"أعلم يا نورة أن هذا الأمر يثقل كاهلك، ولكن الأمانة أمانة، والوعد وعد. يجب أن نتأكد أن هذا الابن، الذي سيكون نور حياة أحمد، لا يقع فريسة لأطماع الآخرين. لقد تركت لكِ كل شيء، كل الأدلة التي تثبت حقهم. اعتني بأحمد، واحفظي سرنا، حتى يأتي الوقت المناسب."
شعرت سارة بالدوار. كانت تلك الرسالة من والدة أحمد، السيدة نورة. يبدو أن هناك سرًا عائليًا عميقًا يتعلق بإبراهيم، والد أحمد، وبثروة ما. ولكن ما هي هذه الثروة؟ ومن هم "الآخرون" الذين تهدد بوقوعهم فريسة لأطماعهم؟ وهل كان إبراهيم نفسه جزءًا من تلك الأطماع؟
خرجت من المكتبة بذهن مشوش، وعقل يعج بالأسئلة. لقد بدأت القصة تتكشف، ولكنها كانت أكثر تعقيدًا مما تخيلت.
اتجهت سارة بعد ذلك لزيارة والد أحمد. استقبلها في بيته الفخم، الذي كان يعكس أناقته وذوقه الرفيع. بدا السيد إبراهيم نحيفًا بعض الشيء، وعيناه تحملان آثار قلق عميق.
"أهلاً بكِ يا سارة، تفضلي. كيف حالك؟" قال إبراهيم بابتسامة مصطنعة.
"بخير الحمد لله، أتينا لزيارتك. كيف حالك أنت؟" سألت سارة بنبرة هادئة، وهي تلاحظ التعب على وجهه.
"الحمد لله، الأمور تسير. أحمد بخير؟"
"نعم، هو يعمل بجد لمشروعه الجديد. هل أحضرت لكِ بعض الكتب التي طلبتها؟" سألت سارة، محاولةً منهكه.
"آه، نعم. لقد وجدتها في مخزني السفلي. سأحضرها لكِ. كانت تخص والدتك، أليس كذلك؟" قال إبراهيم، متوجهًا نحو غرفة أخرى.
كانت هذه فرصة سارة. بينما كان إبراهيم غائبًا، نظرت حولها في غرفة المعيشة، محاولةً العثور على أي شيء قد يربط بين الرسالة الجديدة وتلك الرسالة القديمة التي وجدتها. في زاوية الغرفة، بجوار مدفأة قديمة، رأت صندوقًا خشبيًا مزخرفًا، كان يبدو قديمًا جدًا. هل كان هذا الصندوق هو مكان حفظ الأمانة التي تحدثت عنها نورة؟
عاد إبراهيم يحمل كومة من الكتب، بينها مجلدات قديمة وعليها غبار كثيف. "تفضلي يا سارة، هذه هي الكتب. أتمنى أن تجدي فيها ما تبحثين عنه."
"شكرًا لك يا سيدي." قالت سارة، وهي تتناول الكتب، وتنظر بتوتر إلى الصندوق الخشبي.
"هل هناك شيء في نظرك؟" سأل إبراهيم، ملاحظًا نظرتها.
"لا، لا شيء. فقط أعجبتني هذه التحفة الفنية." قالت سارة، تشير إلى الصندوق.
"آه، هذا الصندوق؟ إنه ذكرى قديمة من والدتي. لم أفتحه منذ سنوات طويلة." قال إبراهيم، بتأثر.
"هل فيه شيء مهم؟" سألت سارة بفضول.
تردد إبراهيم للحظة، ثم قال: "ربما. كانت والدتي تحتفظ فيه ببعض الذكريات الشخصية. أشياء عزيزة عليها."
شعر سارة بأن هناك شيئًا ما. أن هذا الصندوق يحمل مفتاحًا لفهم كل شيء. ولكن كيف يمكنها الوصول إليه؟
جلست سارة مع إبراهيم، وتحدثا عن الأمور العامة. كانت تحاول أن تقرأ ما في عينيه، أن تفهم ما يخفيه. شعرت بأنه يعيش في صراع داخلي، وأن ثقل الماضي يؤثر عليه.
"أشعر أنك قلق يا سيدي." قالت سارة أخيرًا، بنبرة صادقة.
تنهد إبراهيم بعمق. "الحياة يا سارة مليئة بالتقلبات. وأحيانًا، تكون أثقل ما نحمله هو ما لا نستطيع مشاركته مع الآخرين."
"ربما، لو شاركت ما تحمله، لصار أخف." قالت سارة، وهي تنظر إليه مباشرة.
نظر إليها إبراهيم طويلاً، كأنه يبحث عن شيء في نظراتها. ثم قال بصوت خافت: "بعض الأسرار، تظل أفضل محفوظة في الصدور."
انتهت زيارتها، وعادت سارة إلى منزلها، وقلبها مليء بالأحزان والآمال. لقد رأت القلق في عيني إبراهيم، وتأكدت من وجود سر دفين. ولكنها لم تحصل على ما يكفي من الأدلة. كان عليها أن تجد طريقة لفتح ذلك الصندوق.
في المساء، عندما عاد أحمد، وجد سارة شاردة الذهن. "ما بكِ يا حبيبتي؟ هل حدث شيء؟"
روت له سارة ما حدث في المكتبة، ولكنها اختارت أن تخفي عنه تفاصيل الرسالة الثانية، خوفًا من إثارة قلقه. "وجدت بعض الوثائق القديمة في المكتبة، بدأت تثير فضولي حول تاريخ العائلة. ولكن لا شيء مهم جدًا."
نظرت أحمد إليها بحنان. "أنا أفهم أنكِ تحاولين أن تفهمي كل شيء، ولكن لا ترهقي نفسكِ. إذا كان هناك شيء مهم، فستأتي الحقيقة بنفسها."
"ولكن، ألا تشعر أن والدك يخفي شيئًا؟" سألت سارة، بحذر.
فكر أحمد للحظة، ثم قال: "ربما. أبي رجل لا يتحدث كثيرًا عن مشاعره. ولكنه لم يكن دائمًا هكذا. منذ وفاة أمي، تغير قليلاً. ربما يحمل بداخله الكثير."
لم تستطع سارة إقناع أحمد بالحديث عن الصندوق. أخبرته عن إعجابها به، لكنها لم تذكر أنه ذكرى خاصة بوالدته. كان عليها أن تتصرف بنفسها.
نهاية الفصل تركت سارة في حيرة، وقد تعمقت شكوكها. هل كانت الرسالة التي وجدتها في المكتبة، والصندوق الخشبي، هما المفتاح لحل لغز عائلة أحمد؟ وكيف ستتمكن من كشف الحقيقة دون أن تتسبب في أذى لمن تحب؟ كانت الأجواء مشحونة بالترقب، وكأن سماء الأحداث تستعد لإطلاق عاصفة.