الفصل 1 / 25

أحلام الحب

العاصفة الهوجاء وظلال الذكريات

بقلم مريم الحسن

كانت السماء تمزقها رعودٌ كأنها هديرُ وحوشٍ أسطورية، والبرقُ يخترقُ الظلامَ بوميضٍ أخضرَ زرعَ الخوفَ في القلوب. في قلبِ هذهِ العاصفةِ الهوجاء، كانت "ليلى" تقفُ عندَ شرفةِ منزلِها القديمِ المنيف، تتحدى الرياحَ العاتيةَ التي تعبثُ بشعرِها الأسودِ الفاحمِ كليلٍ بلا قمر. قطراتُ المطرِ كانت تلسعُ وجهَها، لكنها لم تشعرْ ببرودتها. كانَ البردُ الحقيقيُّ يتغلغلُ في عظامِها، بردٌ ليسَ من صنعِ الطبيعة، بل من صنعِ الزمانِ وما تركتْهُ الأيامُ من ندوبٍ غائرة.

كانتْ تضعُ يدَها على قلبِها، تشعرُ بنبضاتِهِ المتسارعةِ التي لا علاقةَ لها بالخوفِ من العاصفة. كانتْ نبضاتِ شوقٍ حارق، وحنينٍ مؤلم. رفعتْ عينيها نحو الأفقِ المظلم، حيثُ تتوارى خلفَ حجابِ الغيومِ أضواءُ المدينةِ البعيدة. هناكَ، في قلبِ تلكَ المدينةِ الصاخبة، كانَ هناكَ رجلٌ. رجلٌ شغلَ فكرَها، وأسرَ قلبَها، ثمَّ اختفى كطيفٍ عابرٍ تركَ خلفَهُ فراغاً لا يملؤهُ شيء.

أغلقتْ عينيها للحظة، تستحضرُ وجهَهُ. تلكَ العيونُ الزرقاءُ الصافية، التي كانتْ تحملُ عمقَ المحيطِ وصفاءَ السماء. تلكَ الابتسامةُ التي كانتْ تضيءُ وجهَهُ كنورِ الشمسِ عندَ الفجر. "أحمد". اسمُهُ كانَ لحناً شجياً يعزفُ على أوتارِ روحِها.

تذكرتْ لقاءَهُما الأول. كانَ ذلكَ في سوقِ العطارين، بينَ روائحِ البخورِ والبهاراتِ العتيقة. كانتْ تبحثُ عن أندرِ أنواعِ العود، لتُعدَّ منهُ عطراً خاصاً لوالدتِها. وفجأة، اصطدمتْ به. تناثرتْ أكياسُ البهاراتِ على الأرض، وانتشرَ عبيرُها في الهواء. رفعَ رأسَهُ، ووقعتْ عيناهُ في عينيها. لم يكنْ مجردَ اصطدامٍ عادي، بل كانَ لقاءَ أرواحٍ عرفتْ بعضَها قبلَ دهر.

"أعتذرُ بشدة، يا آنسة." قالَ بصوتٍ عميقٍ حنون، وملامحُ وجهِهِ تعكسُ صدقَ اعتذاره. ابتسمتْ ليلى ابتسامةً خجولة، وهيَ تجمعُ ما تناثرَ من أكياس. "لا عليك، الأمرُ بسيط." "دعيني أساعدكِ." تقدمَ نحوها، وبدأَ يجمعُ ما تبعثرَ. كانتْ يداهُ قويتين، وأصابعهُ طويلةٌ أنيقة. لمستْ يدُهُ يدَها بالخطأ، فشعرتْ بكهرباءَ تسري في جسدِها.

منذُ تلكَ اللحظة، بدأتْ حكايتهما. أحاديثُ تلتْ أحاديث، ولقاءاتٌ في أزقةِ المدينةِ القديمة، تحتَ ظلالِ أشجارِ النخيل، وعلى ضفافِ النهرِ الهادئ. كانَ أحمدُ رجلاً ذا قلبٍ طيب، وعقلٍ راجح. أحبَّ فيها عفافَها، وحياءَها، وروحَها الشفافةَ كالماءِ الزلال. وأحبتْ فيهِ صدقَ مشاعره، ورجاحةَ عقله، وعمقَ إيمانه.

لكنَّ الأقدارَ كانتْ تخبئُ لهما أمراً آخر. كانَ أحمدُ مهاجراً، ينتظرُ فرصةً للعودةِ إلى وطنِهِ الأصلي. ولم تمرَّ أيامٌ قليلةٌ على تعارفهما حتى جاءَ الخبرُ الذي هزَّ كيانَ ليلى: أحمدُ مسافرٌ. لن يعودَ قريباً.

ذكرياتٌ موجعةٌ تتلاحقُ كصورِ شريطِ سينما قديم، تعصفُ بذاكرتها. كانتْ قد ودعتهُ عندَ محطةِ القطار، والدموعُ تغرورقُ عينيها. أمسكَ بيدِها، ونظرَ في عينيها بعمق. "ليلى، لن أنساكِ أبداً. ووعدٌ مني، سأعودُ إليكِ." "وأنا سأنتظرك، يا أحمد." وعدٌ قطعتهُ على نفسها، ووعدٌ انتظرتْ تنفيذَهُ طويلاً.

لكنَّ الأيامَ مرتْ، والشهورُ تبعتها، والسنينُ انقضتْ. ولم يعدْ أحمد. أصبحتْ أخبارُهُ شحيحةً، ثمَّ انقطعتْ تماماً. بدأَ الأهلُ يلحونَ عليها بالزواج، وضغوطُ المجتمعِ بدأتْ تثقلُ كاهلَها. رفضتْ كلَّ من تقدمَ لها، وقلبُها معلقٌ بالوعدِ الذي لم يتحقق.

حتى جاءَ اليومُ الذي أصبحتْ فيهِ هذهِ العاصفةُ الماديةُ انعكاساً لعاصفةٍ أشدَّ ضراوةً تعصفُ بداخلِها. هبتْ رياحُ الشكِّ، وارتعدتْ أركانُ أملِها. هل كانَ وعدُهُ مجردَ كلماتٍ تذوبُ معَ الهواء؟ أم أنَّ ظروفاً قاهرةً حالتْ بينهُ وبينَ العودة؟

فجأة، سمعتْ صوتَ سيارةٍ تقفُ أمامَ المنزل. ضوءُ مصابيحِها اخترقَ الظلامَ، وأضاءَ الطريقَ الموحش. قلبُها قفزَ من صدرِها. من يمكنُ أنْ يأتي في مثلِ هذا الوقتِ المتأخر، وفي هذا الطقسِ العاصف؟

انحسرَ المطرُ قليلاً. فتحتْ ليلى البابَ ببطء، وقلبُها يدقُّ بعنف. وقفتْ أمامَها سيارةٌ سوداءُ فارهة، ومنها ترجَّلَ رجلٌ. رجلٌ طويلٌ، ذو كتفينِ عريضتين. كانَ وجهُهُ مغطىً جزئياً بظلِّ قبعتهِ الأنيقة، لكنَّ شيئاً في وقفتِهِ، في طريقةِ حملِهِ لجسمِهِ، أثارَ فيها شعوراً بالارتيابِ والألفةِ في آنٍ واحد.

اقتربَ منها بخطواتٍ واثقة. وعندما وصلَ إلى ضوءِ المصباحِ الأمامي، رفعتْ ليلى يديها لتُحجبَ عينيها من وهجه. رفعَ الرجلُ قبعتَهُ. تجمَّدَ الدمُ في عروقِها. كادَ الهواءُ أنْ ينقطعَ من رئتيها. كانَ هو. لم يكنْ شبيهَهُ، بل كانَ هوَ نفسُهُ. أحمد. ولكنْ، كيف؟ وبعدَ كلِّ هذهِ السنوات؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%