الفصل 15 / 25

أحلام الحب

ضبابٌ يُخفي المعالم

بقلم مريم الحسن

عادتْ نسماتُ الخريفِ لتعزفَ لحنًا حزينًا على نوافذِ بيتِ الحاج محمود. كانتْ ليلى تقضي وقتَها في غرفتها، تحاولُ أنْ تشغلَ نفسَها بقراءةِ القرآنِ الكريمِ، لكنَّ الكلماتِ كانتْ تتراقصُ أمامَ عينَيها كأنها حروفٌ بلا معنى. غيابُ أحمدَ لمْ يكنْ مجردَ غيابٍ جسديٍّ، بلْ كانَ ثقبًا أسودَ يلتهمُ كلَّ مظاهرِ الفرحِ في حياتِها. كانتْ تتذكرُ آخرَ لقاءٍ لهما، يومَ وعدَها بأنَّ كلَّ شيءٍ سيكونُ على ما يرامَ، وأنَّ حبَّهُما أقوى منْ أيِّ صعابٍ. لكنَّ وعدَهُ بدا الآنَ بعيدًا، كالسرابِ.

"يا أمي، ألا تعلمينَ شيئًا عنْ أحمدَ؟" سألتْ ليلى والدتَها، وصوتُها خافتٌ يكادُ ينقطعُ. ابتسمتْ أمينةُ بحنانٍ، ومسحتْ على رأسِ ابنتِها: "الصبرُ يا ابنتي. الصبرُ مفتاحُ الفرجِ. ربما مرَّ بظروفٍ صعبةٍ تحتاجُ إلى وقتٍ لحلِّها. أحمدُ شابٌّ يعتمدُ عليهِ، وهوَ يعرفُ مسؤولياتِهِ."

لكنَّ أمينةَ كانتْ تخفي قلقًا شديدًا. كانتْ قدْ سمعتْ بعضَ الهمساتِ منْ نساءٍ في الحيِّ عنْ بعضِ المشاكلِ التي تواجهُ عائلةَ الحاج محمودَ، عنْ عودةِ رجلٍ قديمٍ كانتْ بينهُ وبينَ الحاج خلافاتٌ. لمْ تكنْ تملكُ معلوماتٍ مؤكدةٍ، لكنْ خيالَها بدأَ يرسمُ أسوأَ الاحتمالاتِ. كانتْ تخشى أنْ يكونَ غيابُ أحمدَ مرتبطًا بتلكَ المشاكلِ.

في غرفتِهِ، كانَ الحاج محمودُ يتأملُ صورةً قديمةً لهُ ولصديقِ الأمسِ، سليمانَ. كانتْ صورةً بالأبيضِ والأسودِ، التقطتْ في يومٍ مشرقٍ، يومَ كانا شابينِ مليئينِ بالأحلامِ والطموحِ. يتذكرُ الحاج محمودُ كيفَ كانا يتقاسمانِ كلَّ شيءٍ، وكيفَ كانَ سليمانُ بمثابةِ الأخِ الذي لمْ تلدهُ أمُهُ. لكنَّ الحياةَ، وما فيها منْ فتنٍ، قلبتْ الموازينَ.

"لماذا تفعلُ هذا بي يا سليمانُ؟" تساءلَ بصوتٍ مسموعٍ، وكانَ قدْ وردَتْ إليهِ معلوماتٌ جديدةٌ عنْ تحركاتِ سليمانَ المشبوهةِ، وعنْ محاولاتِهِ لزعزعةِ استقرارِ بعضِ شركاءِ الحاج محمودَ. شعرَ الحاج محمودُ بغضبٍ مكبوتٍ، وبإحساسٍ بأنَّ العدوَّ القديمَ قدْ عادَ لِيُكملَ ما بدأهُ.

كانَ عليهِ أنْ يتحدثَ معَ أحمدَ. كانَ يعلمُ أنَّ ابنَهُ يملكُ ذكاءً حادًا، وشجاعةً لا يستهانُ بها. لكنْ كيفَ سيُخبرُهُ بكلِّ شيءٍ؟ كيفَ سيُفسرُ لهُ تاريخَ الخيانةِ، وتأثيرَها على حاضرِ العائلةِ؟ ترددَ الحاج محمودُ، فهو لا يريدُ أنْ يُحملَ ابنَهُ فوقَ طاقتِهِ، خاصةً في هذا الوقتِ الذي كانتْ فيهِ ليلى في أمسِّ الحاجةِ إليهِ.

في هذهِ الأثناءِ، كانَ أحمدُ قدْ وصلَ إلى المدينةِ، وقلبُهُ يعتصرهُ القلقُ. لمْ يذهبْ إلى بيتِهِ مباشرةً، بلْ اتجهَ إلى بيتِ صديقِ والدهِ المقربِ، العمِّ صالحٍ، وهوَ رجلٌ حكيمٌ، وكانَ يعرفُ كثيرًا عنْ ماضي الحاج محمودَ.

"السلامُ عليكمْ يا عمي صالحٍ. هلْ لي ببعضِ الوقتِ؟" قالَ أحمدُ بصوتٍ مرهقٍ. استقبلَهُ العمُّ صالحٍ بحرارةٍ، لكنهُ لاحظَ علاماتِ التعبِ والقلقِ على وجهِ أحمدَ. "وعليكمُ السلامُ يا ولدي. ما الأمرُ؟ أرى أنَّكَ تحملُ همومَ الدنيا على كتفيكَ."

جلسَ أحمدُ، وبدأَ يُحدثُ العمَّ صالحٍ عنْ كلِّ ما اكتشفَهُ في بيتِ جدتِهِ، عنِ الرسائلِ والمذكراتِ، وعنِ الصراعِ القديمِ بينَ والدهِ وسليمانَ. استمعَ العمُّ صالحٍ بانتباهٍ شديدٍ، وكانَ وجهُهُ يُبدي علاماتِ الاستغرابِ ممزوجةً بالأسى.

"رحمَ اللهُ سليمانَ، كانَ يومًا صاحبَ الحاجِ، ورجلًا لهُ مكانتُهُ. لكنَّ الدنيا تُغيّرُ النفوسَ، والحسدَ يُعمي البصائرَ." قالَ العمُّ صالحٍ بعدَ أنْ انتهى أحمدَ منْ حديثِهِ. "ما قرأتَهُ صحيحٌ يا بني. لقدْ حاولَ سليمانُ أنْ يُوقعَ بينَ الحاجِ وبينَ شركائِهِ، مستغلًا ضعفَ بعضِهمْ وحاجتَهمْ إلى المالِ. لكنَّ الحاجَ بحمدِ اللهِ تجاوزَ تلكَ المحنةَ، ونجحَ في كشفِ مخططاتِهِ. لكنَّ سليمانَ لمْ ينسَ. لقدْ كانَ يتربصُ الفرصةَ للانتقامِ."

"ولكنْ لماذا الآنَ يا عمي؟ ولماذا كلُّ هذا الغموضِ؟" سألَ أحمدُ. تنهدَ العمُّ صالحٍ: "لأنَّ سليمانَ يعرفُ أنَّ الحاجَ بدأَ يُمهدُ الطريقَ أمامَكَ لتولي بعضِ المسؤولياتِ في الشركةِ. وهوَ يعتقدُ أنَّ إيقاعَكَ في فخٍّ ما، أوْ إلحاقَ الأذى بكَ، سيُحطِّمُ الحاجَ. إنَّهُ يسعى إلى إذلالِكَ، وإذلالِ العائلةِ كلها."

شعرَ أحمدُ ببرودةٍ تسري في عروقِهِ. لمْ يكنْ يتخيلُ أنَّ الأمرَ بهذهِ الخطورةِ. لقدْ كانَ يعتقدُ أنَّ القضيةَ تتعلقُ بالأراضيِ فقطْ، لكنَّ الحقيقةَ كانتْ أعمقَ وأشدَّ قتامةً. "إذًا، ما الذي يجبُ أنْ أفعلهُ يا عمي؟" سألَ أحمدُ، وشعرَ بأنَّهُ يقفُ أمامَ جبلٍ شاهقٍ. "يجبُ أنْ تكونَ حذرًا يا بني. سليمانُ ماكرٌ. لا تُفصحْ عنْ كلِّ ما تعرفُهُ. حافظْ على هدوئِكَ، وراقبْ تحركاتِهِ. ولا تدعْ أيَّ شيءٍ يُشغلُكَ عنْ هدفِكَ. وخاصةً... علاقتُكَ بليلى."

توقفَ العمُّ صالحٍ، وألقى نظرةً طويلةً على أحمدَ. "أرى في عينيكَ قلقًا كبيرًا عليها. لا تجعلْ هذا الاضطرابَ يُؤثرُ على علاقتِكما. إنَّ حُبَّكما هوَ مصدرُ قوتِكما. وقدْ تحتاجونَ إليهِ في الأوقاتِ القادمةِ."

غادرَ أحمدُ بيتَ العمِّ صالحٍ وهوَ يشعرُ بثقلٍ جديدٍ. لمْ يعدْ الأمرُ مجردَ استعادةِ حقوقٍ، بلْ أصبحَ صراعًا على البقاءِ، وعلى حمايةِ سمعةِ العائلةِ، وعلى صونِ مستقبلِ حبِّهِ. كانَ يعلمُ أنَّ عليهِ أنْ يلتقيَ بوالدهِ، وأنْ يُصارحَهُ بما اكتشفَهُ. لكنهُ كانَ يخشى ردةَ فعلِهِ، ويخشى أنْ يُدخلَ الوالدَ في صراعٍ جديدٍ قدْ يُنهكَهُ.

وبينما كانَ يسيرُ في شوارعِ المدينةِ التي بدأتْ تكتسي بالظلامِ، رأى ليلى تجلسُ في شرفةِ منزلِها، تنظرُ إلى السماءِ بعينينِ تحملانِ الكثيرَ منَ الأسى. شعرَ بشوقٍ عارمٍ إليها، ورغبةٍ قويةٍ في احتضانِها، وطمأنتِها. لكنهُ أدركَ أنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يُشاركها هذا الهمَّ الآنَ، وأنَّ عليهِ أنْ يجدَ طريقةً لحمايةِ نفسِهِ، وحمايتِها، قبلَ أنْ يُصارحَ أحدًا.

كانَ الضبابُ يُخيمُ على كلِّ شيءٍ، على ماضي العائلةِ، وعلى حاضرِها، وعلى مستقبلِ حبِّهِ. وكانَ عليهِ أنْ يجدَ طريقتَهُ ليُبددَ هذا الضبابَ، وأنْ يُظهرَ الحقيقةَ، وأنْ يُحافظَ على كلِّ ما يُحبُّ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%